أجرى الناقد والإعلامي المعروف عامر محمد أحمد حسين حوارا مع الكاتب علي حسين عبيد الحائز على جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتاب، المركز الأول في محور القصة القصير عن مجموعته (لغة الأرض)، ويذكر أن علي حسين عبيد أحد كتاب شبكة النبأ المعلوماتية منذ سنوات طويلة، ونشر فيها مقالات متواصلة على مدى عقد ونصف وتنوعت كتاباته بين الثقافة والإعلام والاجتماع وغيرها.

الأديب العراقي علي حسين عبيد:
الرواية الوعاء الأوسع والأنسب لتجسيد الفجائع العربية
أجرى الحوار: عامر محمد أحمد حسين

أن تحاور الروائي والقاص والناقد العراقي علي حسين عبيد، فأنت تحاور مبدع له بصمة خاصة، معرفة وموهبة وتلقائية سردية. وعلي عبيد، أحد أبرز الوجوه الإبداعية العربية، إذ تتميز نصوصه، بقراءة النفس الإنسانية، ورسم بريشة خلاقة لواقعها، أحلامها، هواجس الحياة وتقلباتها. وفاز المبدع الكبير بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها التاسعة عن مجموعته القصصية "لغة الأرض " لتضيف لغة الأرض إلى لغة السرد، فضاءات جمالية مدهشة. وهذه الأسئلة أردت لها أن تصبح عقب الحوار، مادة حوار للجميع، لأن حوار اديب مبدع وكاتب بحجم علي حسين عبيد، لابد أن تثير الأجوبة، أسئلة جديدة..

*الكاتب مهموم بمجتمعه الواقعي والمتخيل إبداعا، وما يجري في الراهن على المستوى الإنساني فوق المتخيل من عذابات وعنف مع انفتاح عالميّ غير مسبوق. كيف للكاتب التوفيق بين هذا الواقع البائس، والكتابة الإبداعية، دون الوقوع في نقل الواقع كما هو في الحياة؟

- السرد بشقّيْه الروائي والقصصي فن عظيم، وامتلاك أدواته مهمة عسيرة لا يتمكن منها إلا مَن هم أهل لذلك، من هنا فإن نقل الواقع كما هو ليس من الإبداع بشيء، مهمّة الروائي بالدرجة الأولى رسم صورة أخرى للواقع، فهو الخالق الذي يمكنه تجميل القبح وتقبيح الجمال، بغير ذلك، لا وجود للموهبة السردية، ولا وجود لروائي أو قاص متوهج الخيال، منتج لثراء اللغة، فإذا لم يستطع الخالق النجاح في خداع الواقع، وتمرير هذه الخدعة، فإنه غير قادر على الخلق، وهذا يصل بنا إلى محصلة تقول إن من لا يتمكن من توظيف الواقع لخلق واقع جديد آخر فهو ليس كاتبا مبدعا.

*ماذا نسميه؟

- يمكن أن نسميه بالكاتب التسجيلي أو المؤرّخ، أما كاتب السرد فهو من يكتسب مهارات الخَلْق السردي على أن يتوفّر أصلا على الموهبة وشروطها.

*الحرية من شروط الإبداع، لكن التاريخ يكتب عن إبداع متميز كتبه مبدعون في أزمنة قمع، هل المبدع حليف المعاناة، بدونها تكون ناقصة، أم أن الكتابة في ذاتها، لا تعرف الاستقرار، تتوهج بوجود قمع أو حرية؟

- الحضارة إبداع، وجميع الحضارات الآفلة لم يحدث لها الأفول لولا غياب الندّ، هذا ما توصّل إليه المختصون، لذلك يُقال أن الأمريكان والغرب وعى هذه الحقيقة، وأخذوا يعملون بدأب واستمرار على إيجاد الندّ الذي يهدد بزوال حضارتهم، كتابة السرد بوصفها إبداع تحتاج أيضا إلى الند، أقول هذا من وجهة نظر شخصية، هناك أدباء وكتّاب كثيرون يتساءلون لماذا غاب التوهّج الإبداعي، أتذكر في وقت مضى يتم رفض نشر الكتاب بسبب عنوانه فقط، أو بسبب جملة أو سطر أو فصل، وقد لا يكتفي الرقيب بحذف المحذور منه، لذلك كان الشعراء والكتاب يمرّرون ما يريدون بحيّل فنية وإبداعية مختلفة، ويتبارون فيما بينهم في ذلك، لدرجة أن بعض النصوص تنال شهرة واسعة لأنها حملت هذا النوع من التمرير أو الاحتيال على الرقيب.. بالطبع لا يمكن أن يولد الإبداع في ظل القمع لكن الأخير يحفّز الشاعر والكاتب كي يتغلّب على الند الذي يسعى للقضاء عليه.

*لمن يكتب علي حسين عبيد؟

- قد يبدو غريباً إذا قلت إنني لم أفكر بذلك؟، ولم أضع وسطا مستهدَفاً لما أكتب، حقيقة إنني لم أفكر بهذا!، وربما هذا عيب كبير من عيوبي، ما أفكر به أن أكتب نصّاً سرديّا يتفاعل معه الآخرون، لكن المعضلة ستكون كبيرة، فكيف يمكن للكاتب أن يعرف درجة تفاعل الآخرين مع نصّهِ قبل أن يكتبه، لذلك تنتابني حالة شديدة من القلق قبل إطلاق النص للنشر، ما أستطيع قوله أن هناك حدساً ذاتيا نما وتحسَّن مع تطوّر تجربتي جعلني أستطيع أن أمنح نصوصي درجة من القبول أو الرفض، لذلك يمكنني القول بأنني لا أكتب لشريحة أو فئة أو طبقة محددة، إنني أكتبُ للجميع.

*ما قبل الاستقلال في البلاد العربية، كان مشروع النهضة واضحا صريحا، في أفكاره ومنطلقاته، كانت ليبرالية تحت حراسة الاستعماري لكنها ساهمت في الوعي، هل قتلت الدولة السلطوية الوطنية في الناس التفكير لذلك مات مشروع النهضة؟

- لا يزال عالمنا العربي يعاني من هشاشة الدولة، وعدم القدرة على بنائها وفق مؤسسات (مستقلة)، الحكومات العربية بالمطلق لا تعرف كيفية بناء دولة مؤسسات تحمي الحقوق والحريات، ومن المحزن والمؤسف أن نقول إنها ليست لا تعرف فقط بل لا تريد أيضا!، هذا ليس هجوما على الطبقة السياسية العربية بقدر ما هو واقع تفرزه الأنظمة السابقة واللاحقة، لذلك ليس من باب التشاؤم حين أقول لا يوجد اليوم في العالم العربي مشروع واحد صحيح لبناء دولة مؤسسات حامية قوية مستقرة، وما يؤسَف له أكثر، أننا في ظل أنظمة (خارجية) هيمنت علينا قبل الاستقلال، كنّا نتحصّل على مشاريع للنهضة، ولا زلنا حتى اللحظة نتغنى بما قدمه مفكرون مصريون وعرب كالطهطاوي وطه حسين، ونتعلق بشعراء وأدباء غيّبهم التاريخ في بطونه لكنّ شعاعهم لمّا يزل متوهجا، كالجواهري ومحفوظ والطيب صالح!!.

*تضررت الكتابة، بتقليص حرية الكاتب، لكن الثورة المعرفية قد تكون بديلا لغياب حرية الكاتب في مجتمعه، ما هي تأثيرات الثورة المعلوماتية على الكاتب إضافة أو خصما؟

- من محاسن عصرنا المعلوماتي أنهُ ألغى بصورة شبه كلية سياسة الممنوعات الفكرية أو الأدبية أو الثقافية عموما، لم يعد هناك قدرة للأنظمة المستبدة على منع الناس من قراءة رواية أو كتاب أو أفكار تسعى للإطاحة بها أو عابرة للتابوات كالمقدس أو الجنس، هذا من أعظم ما أنجزه عصر العولمة.

*عيوب للعولمة؟

ولكن لكل شيء جميل عيوبه، ففي الجانب الآخر مما قدّمته الحرية المعلوماتية، شيء نقيض في المقدمة منه هدر الوقت والسيول الهائلة للمعارف التي يفوتنا الكثير منها، على أنني لو خُيِّرتُ شخصيا بين المعلوماتية أو العودة للماضي، فإنني سأختار – كما هو حال الجميع- التقدم المجهول إلى أمام ورفض التقوقع الآمن.

*المثقفون العرب دورهم كبير في مجتمعاتنا لكنهم في كثير من الأحيان، يقفون على الحياد في صراع المجتمع مع السلطة، وساهم ذلك في تدجين المجتمعات وغياب ملكة النقد وبالتالي التدهور؟

- في بلداننا العربية هنالك سياسة شيطانية تناقلتها الأنظمة والحكومات (أباً عن جَدّ)، وهي في لبّها تقوم على (إفقار المثقفين والمفكرين)، ما يسهِّل عليها – الأنظمة- التحكم بهذه الطبقة المتفوقة ثقافيا وفكريا، فالمثقف (الأديب/ الفنان/ المفكّر) في العالم العربي مهمَل لاسيما في الجانب المادي، لدرجة أن أشهر الكتاب العرب يصرّح بأنه غير قادر على العيش بما تدرّه عليه كتابته الإبداعية وحتى الفكرية من خراج ضعيف، وهذا أمر معروف، هنا تبدأ عملية استغلال المثقفين والأدباء والمفكرين وحتى الفنانين لصالح النظام السياسي، فيكون داعماً ومؤيدا حتى لو كان في قرارة نفسه رافضاً لسياسة النظام في دولته، لذلك ليس هناك ما هو مؤثر فكريا وثقافيا للمثقفين، وهذا أنتج نوعا من العزلة بين الطرفين، المجتمع ومثقفيه، والأنظمة السياسية لا تدّخر جهدا في تعميق وتغذية هذه الفجوة أو العزلة بوسائلها الكثيرة!، ومع كل هذه الملاحظات هناك مواقف مشهودة للمثقفين لا يمكن أن نبخس حقّها.

*مع اتساع دائرة العولمة، تنكمش الثقافات المحلية، مركزية الدولة الوطنية مع مركزية العولمة، ما هو المطلوب للحفاظ على هذه الموروثات وفي نفس الوقت الانفتاح على ثقافات الشعوب؟

- قد يدخل فحوى هذا السؤال في إطار صراع الهويات، ومحاولة الدولة باعتبارها (سلطة) إدامة العبودية وارتهان الفرد لصالحها، العولمة تمضي في نهج الدولة لاستعباد الإنسان، هناك محاولات عبر التاريخ لجعل الهوية الأكبر تختصر الهويات الفرعية وتدمرها، وهذا خطأ فادح، تقع فيه المجتمعات والدول المتأخرة، ليس صحيحا محاصرة أو تهميش أو تدمير الهويات الفرعية، نعم نحن مع الهوية الأعم الأكبر، ولكن يجب على هذه الهوية الأكبر أن تحتضن الهويات الأصغر وترعاها لا أن تسعى لإلغائها في إطار تقوية سلطة الدولة وتمركزها، هذا الخطأ سيجعل من شرط الاندماج مستحيلا، كما يشجع على التطرف والاحتراب وإلغاء الآخر، ويكون سببا رئيساً لبقاء دولنا ومجتمعاتنا متأخرة، أكرر نحن مع الهوية الأكبر مع ضمان حرية وخصوصية الهويات الصغرى من دون تعارض أو تناقض أو إلغاء.

*شهدت القصة القصيرة العربية منذ ستينيات القرن المنصرم، صعودا كبيرا، بل كادت تلامس مكانة الشعر، ومع ظهور عصر السرعة، والقصة القصيرة قبض على لحظة صغيرة من الزمن، إلا أنها تتراجع في عصر الإيقاع السريع؟

- في السيرة الذاتية للكاتب الروسي الكبير أنطوان تشيخوف، والتي كتبها وحرّرها هنري ترويا، قرأتُ ما معناه: لقد عانى تشيخوف من الفشل الذريع الذي طال إحدى مسرحياته، وأظن أنها (الخال فانيا)، حيث عزف الجمهور عن حضورها، فيما احتشد على نحو غير متوقع ليشهد عرض مسرحيته (بستان الكرز)، وبعد هذا التناقض بين فشل الأولى ونجاح الثانية (قياسا لأعداد الجمهور)، سأل تشيخوف أحد النقاد عن السبب، فأجابهُ: إن الناس تريد أن ترى حياتها على خشبة المسرح!.

جوابي عن سؤالك أعلاه يثير سؤالا آخر هو: إلى أي مدى استطاعت القصة القصيرة أن تقدّم للقراء حياتهم، وهذا يعني (مشاكلهم، أسباب نجاحهم أو فشلهم، آمالهم....الخ)، أظن أن الناس يريدون أن يجدوا حياتهم في الكتابة الإبداعية، قصة أو مسرحية أو حتى قصيدة،

*هل ساهم بحث الناس عن ذواتهم في صعود الرواية؟

- وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل من الرواية تتصدر المشهد في عالمنا العربي، إنها (الرواية) أكثر الأجناس الأدبية قدرة على إطلاع القراء والناس على تفاصيل حياتهم، هذا هو ما جعلها اليوم في المقدمة كما أعتقد، أما القصة القصيرة في ظل الظروف الحالية فإنها ربما أصبحت أكثر عجزا عن تقديم حياة الناس بما يجعلهم متفاعلين معها وملتصقين بها.

*لماذا يفضل القارئ الرواية؟

- في إجابة سابقة فسّرتُ سبب تفضيل القراء للرواية، وهو أمر بات محسوما، لكن الزمن متغيّر، ولا شيء يبقى في المقدمة أو القمة دائما

*هناك مقولة تتردد بان القصة القصيرة تزدهر بازدهار المجتمعات اقتصاديا؟

- بالطبع تزدهر كل الفنون في ظل استقرار اقتصادي ونفسي ومنها القصة التي أجد أنها قادرة على المشاركة مع الفنون الأخرى في تقديم بعض الحلول الناجعة لتعقيدات حياتنا

.*أين تجدك نفسك في كتابة النقد أم الرواية والقصة القصيرة؟

- في خصوص أين أجد نفسي، هذا يحتاج إلى لحظة تأمّل صادقة، ومحاولة استرجاع محطات الرحلة مع الأدب والسرد، لأصل اليوم إلى تفضيل شبه كلّي لكتابة الرواية، ففيها عملية خلق وإبداع، قد يكون مختفيا في النقد، فالأخير عملية بحثية معيارية صعبة، وقد تكون قليلة الإمتاع، أما في كتابة الرواية فهناك خلق، يمكنك أن تحتج، تحب، تكره، تعاقب، تلغي، تتصرف كخالق، في القصة يمكنك ذلك على نحو أقل، لهذا باتت الرواية أقرب من أي نوع آخر من أنواع الكتابة الإبداعية.

*الرواية العربية لم تصل مرحلة الملحمة الأوروبية، لكنها الآن الأكثر، تأثيرا في حقل الإبداع العربي؟

- بحكم العمر الذي قطعته الرواية الأوربية فإنها طرقت بوابة الملحمة بقوة، أما عمر الرواية العربية فهو قصير قياسا للرواية الأوربية، هذا باعتقادي أحد أهم الأسباب الذي بَعَّدَ المسافة بين الرواية العربية والنفس الملحمي، من الأسباب الأخرى طبيعة الأحداث السياسية والاجتماعية للعالم العربي، فهي رغم طابع العنف والظلم السياسي والحرمان الاجتماعي الذي طبعَ أوضاع العرب، لكنها – الأحداث- لا ترقى إلى مصاف التاريخ الأوربي المنظور، فمثلا لا يوجد للحرب العالمية الثانية التي أُزهِقَت فيها ملايين الأرواح ما يناظرها عربيا، ولعل أقسى وأطول حرب وُصِفَت بأنها طاحنة خاضها العراق مع إيران واستمرت 8 سنوات، إذا ما قورنت بالعالمية الثانية فإنها بفجائعها وأحداثها تبدو صغيرة الحجم والمعاناة والفجائع، ولكننا مع ذلك كتبنا روايات حرب ونزوح وحرمان وفقا للفارق الكبير بين نتائج وانعكاسات الحربين المذكورتين، بالنتيجة سأخلص إلى أمرين، الأول جسامة الأحداث الأوربية قياسا للعربية، والثاني عمر الرواية الأوربية الأطول والذي أهّلها لمرحلة الملحمية، أما لماذا سطوة الرواية العربية على سواها من الأجناس الأدبية، فلكونها الوعاء الأوسع والأنسب لتجسيد الفجائع العربية.

*لغة الأرض؟

- حضرتك كتبت عن قصص (لغة الأرض) وقلت عنها ما تمنيتُ أن أقوله أنا.. فشكرا لك.

*الفوز بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي؟

- هذه الجائزة وسام سأفخرُ به حتى آخر العمر، الميزة الأهم والأعظم للجائزة أنها اقترنت باسم الروائي العبقري المخلَّد (الطيب صالح)، الميزة الأخرى وهي من القمم أيضا (نزاهة الجائزة) والاحتكام للنص لا غير في التقييم، نعم تسعى الجوائز العربية كلّها لضمان شرط النزاهة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن تبقى النزاهة درجات، الميزة الثالثة، درجة الثقة العالية التي يمنحها الأدباء المشاركون لهذه الجائزة، وإذا اتفقنا على أنه ليست هناك جائزة أدبية معروفة تسلم من سهام الانتقاص، فإنني شخصيا أضع جائزة الطيب صالح في مصاف الجوائز المشهود لها بالنزاهة، الميزة التي تخصني شخصيا أنها منحتني زخما كبيرا نحو الكتابة الإبداعية، ومن الطريف ذكرهِ هنا، أن المعلّم الأول الذي وضع قدمي على سكة الأدب وأنا طفل في الابتدائية، زارني حين علم بأنني فزت بجائزة الطيب صالح، واحتضنني وقال بالحرف: هذه الفوز خير مسك ختام لرحلتك مع الأدب، فأجبته ضاحكاً: بل هذه الجائزة نقطة انطلاق أولى يا معلمي.

*تجربتك في كتابة الرواية كيف تنظر لها بعد هذا الانفجار الكبير في كتابة الرواية؟

- من حسناتي كما أسمع من زملائي وأصدقاء الجيل الكتابي، أنني أتحلى بالهدوء والتأني في الكتابة، وأُحيط نشاطي الكتابي – والروائي منه بالذات- بشيء من الحذر والكتمان، هكذا أميل إلى العمل بصمت، بعيدا عن الضوضاء والإعلام والمشاركات التي يتوهم البعض أنها تدعمهُ إبداعيا لاسيما في كتابة الرواية أو تثبيت صورته كروائي في الوسط الأدبي، أنا شخصيا لا أرى العبرة بالكمّ السردي، بل بالنوع، لأن الكمّ والنوع قلّما يلتقيان، لذلك في ظل هذا الانفجار الكبير في كتابة الرواية كما أسميتهُ أنت، أحاول بقدر ما أستطيع أن أكتب الرواية النوعية، حتى لو كنتُ مقلّا، وهكذا تجدني متباطئاً لدرجة الكسل كما يقول بعض أصدقائي، لكنني لا أريد أن أكتب بعجالة لأنني لا أستطيع – على الأقل حاليا- من الجمع بين الكمّ والنوع الروائي، وقد يكون هذا خللاً في نظر بعض النقاد والزملاء، إلا أنني وفق قناعتي لا أراه كذلك!.

*المشهد الثقافي العربي والعراقي، كيف تقرأ تأثيرهما في حلقات الوعي والاستنارة؟

- لا أجد فوارق كبيرة تميّز بين المشهديْن العربي والعراقي، فالأخير جزء من الأول وينتمي له ويأخذ هويته منه، وإذا كان المقصود بالمشهد الثقافي، دور الأدب (رواية، قصة، شعر، مسرح، نقد)، وتأثيره في تثقيف وتوعية الناس، فإن منسوب هذا التأثير دون المطلوب أو الطموح بكثير، لأن النصوص الأدبية، الرواية مثلا لا تقدّم تأثيرا مباشرا، أو حلولا فورية، لمشكلات الوعي الجمعي، ربما الشعر يمكنه القيام بمثل هذه المهمة بصورة أفضل من باب التحفيز والتحريك الجماهيري، ومع ذلك يبقى المثقف الأديب متَّهما بالانعزال في برجه العاجي عن عامة الناس، وقد يكون هذا صحيحا، لهذا فإن ثقافتنا لا تزال محدودة التأثير في خلق الوعي المطلوب، مع أهمية الإحاطة بالأسباب المانعة الأخرى، مثل سياسات تجاهل المبدعين والمثقفين من الأنظمة السياسية العربية، فضلا عن قصور في منظومة الدعم المدني والاعتماد على الرسمي الحكومي ورداءة تسويق الأدب وصناعة النجم الأدبي، لهذا نجد المثقف الأديب مستَلَباً مهمَّشا، وسيتبع ذلك تأثير معدوم أو محدود في أفضل الحالات!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12