اقتصاد - تنمية

صياغة عقد اجتماعي أقوى

منهج الصندوق تجاه الإنفاق الاجتماعي
بقلم: كريستين لاغارد

وحين نفكر في الأمر، نلاحظ الشبه الكبير بين تأسيس منظمة العمل الدولية وتأسيس صندوق النقد الدولي.

فقد تأسست منظمتكم بعد الحرب العالمية الأولى، على أساس أن السلام الدائم يقوم على العدالة الاجتماعية. وأُنشئت مؤسستنا بعد الحرب العالمية الثانية، على أساس أن السلام الدائم يقوم على التعاون الاقتصادي بين الأمم.

أنتم تجمعون شركاء العمل الاجتماعي معا لخدمة المساعي الرامية إلى ضمان العمل الكريم للجميع – مدركين أن معنى العمل الكريم لا يقتصر على تحصيل راتب، بل يشمل الشعور بالقيمة والهدف والكرامة. ونحن نجمع بلدان العالم معا – 189 منها – للعمل على تشجيع الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام والاحتوائي – مدركين أنه شرط أساسي للازدهار الإنساني الحقيقي.

وفي هذا السياق، ليس هناك ما هو أوثق صلة مما سأتحدث عنه هذا المساء – وهو موضوع الإنفاق الاجتماعي. فهو وثيق الصلة بعمل مؤسستينا، ووثيق الصلة بالتحديات التي تواجه اقتصادنا العالمي.

1-الإنفاق الاجتماعي – رافعة أساسية من روافع السياسات

أود البدء بتعريف مصطلحاتي. فعندما نتحدث عن الإنفاق الاجتماعي، نعني التأمين الاجتماعي، والمساعدة الاجتماعية، وكذلك الإنفاق العام على الصحة والتعليم. ومن ثم فإن الإنفاق الاجتماعي مفهوم أوسع نطاقا من مفهوم الحماية الاجتماعية لأنه يتضمن الإنفاق على الصحة والتعليم – اللذين يكتسبان أهمية بالغة في البلدان ذات الدخل المنخفض والبلدان النامية.

وليس ثمة شك أن لهذه البرامج دورا حيويا في زيادة رفاهية المواطنين وتعزيز التماسك الاجتماعي. فمعاشات التقاعد العامة يمكنها أن تُحْدِثَ فرقا هائلا بين الفقر والحياة الكريمة لأحبائنا المتقدمين في العمر. والرعاية الصحية لا تنقذ حياة الإنسان وحسب، بل إنها تطيلها وتحسن جودتها. والتعليم الابتدائي والثانوي يمنح صغارنا فرصة تحقيق إمكاناتهم الكاملة والمساهمة في المجتمع.

وعلى مستوى أعمق، أرى أن الإنفاق الاجتماعي عنصر أساسي في العقد الاجتماعي اللازم لتحقيق رسالة كل من مؤسستينا.

وليست هذه رؤية جديدة؛ فأهمية توفير الأمن المالي للمواطنين بغية الحفاظ على السلام وتعزيز التآلف في العلاقات الاجتماعية هو درس يعود تاريخه إلى الحضارات القديمة.

إنه درس مستفاد من فترة الثورة الصناعية، حينما استجاب الساسة للتحديات الاجتماعية والسياسية الجديدة بتوفير أشكال مختلفة من الحماية الاجتماعية — كإصلاحات بسمارك في ألمانيا مثلاً.

إنه درس مستفاد بعد أحلك أيام الثلاثينات. ويسوق المؤرخ الاقتصادي باري إيكنغرين حجة مقنعة على أن الاختلاف الشاسع بين المسارات السياسية التي اتخذتها ألمانيا والمملكة المتحدة على مدار ذلك العقد يرجع على الأقل جزئيا إلى تطبيق المملكة المتحدة نظاما أكفأ لتأمينات البطالة في مواجهة البطالة الكاسحة.

وهو درس مستفاد في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما جاءت ثلاثة عقود من النمو القوي والمشترك في الاقتصادات المتقدمة – les trente glorieuses أو الثلاثون المجيدة – مرتكزة على عقد اجتماعي مُصاحِب يحظى بمشاركة كبيرة وتأييد اجتماعي وسياسي واسع النطاق.

والمغزى هنا هو أن صلابة الاقتصادات واستدامة النمو يقتضيان أن يكون هذا النمو احتوائيا – وهو ما يدعو إلى الإنفاق الاجتماعي. ويكفل هذا بدوره التأييد الاجتماعي والسياسي للسياسات الداعمة للنمو — ومن ثم بناء الثقة.

وخلاصة القول إن الإنفاق الاجتماعي مهم. وتنبع أهميته اليوم من كوننا نواجه سيلا من التحديات الجديدة: متقاعدون أكثر، وعاملون أقل؛ آثار تتركها التكنولوجيا على العمل والأجور؛ تصاعد في عدم المساواة ومطالبات بمزيد من الإنصاف؛ حواجز أمام مشاركة المرأة في الاقتصاد وتحقيق إمكاناتها الكاملة؛ خطر وجودي يتمثل في تغير المناخ؛ تراجع في الثقة، وتزايد في الاستياء، ونفور من التعاون العالمي.

ولا توجد إجراءات بسيطة على صعيد السياسات لمواجهة هذه التحديات المعقدة. ولكن، رغم أن الإنفاق الاجتماعي ليس هو الرافعة الوحيدة في هذه الإجراءات، فلا شك أنه من أهم روافعها. ومن غير المستغرب أن تشير المسوح إلى تصاعد التأييد العام لسياسات إعادة توزيع الدخل في كثير من البلدان.

وعليه، فإن الإنفاق الاجتماعي يجب أن يتبوأ مكانته الصحيحة في صُلب المناقشات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية الكلية.

2- استراتيجية صندوق النقد الدولي للإنفاق الاجتماعي

وعلى هذه الخلفية، اسمحوا لي الآن أن أتناول استراتيجية صندوق النقد الدولي الجديدة بشأن المشاركة في قضايا الإنفاق الاجتماعي، والمقرر نشرها اليوم.

مع تزايد أهمية قضايا الإنفاق الاجتماعي بالنسبة لبلداننا الأعضاء على مدار العقد الماضي، قمنا بتكثيف مشاركتنا في العمل المعني بالنمو الاحتوائي والإنفاق الاجتماعي.

فعلى سبيل المثال، خلُص تحليلنا إلى أن ارتفاع عدم المساواة يمكن أن يقوض النمو المستمر، كما خلص إلى أن الاستثمار العام في الصحة والتعليم يعطي دفعة للإنتاجية والنمو ويحد من عدم المساواة في الفرص والدخل. وبالمثل، فإن برامج الإنفاق الاجتماعي التي تعيد توزيع الدخل من الفئات الأعلى دخلا إلى الفئات الأقل دخلا يمكن أن تخفض الفقر وعدم المساواة. ويمكنها أيضا إكساب الأسر منخفضة الدخل مزيدا من الصلابة في مواجهة الصدمات الاقتصادية – بما في ذلك الصدمات الناشئة عن التطورات الديمغرافية والتكنولوجيا والمناخ – التي يُتوقع أن تصبح أكثر تواترا وإرباكا.

وعلى المستوى القُطْري، وجدنا أن أربعة من كل خمسة رؤساء بعثاث يوفدها الصندوق – وهم من يقودون مشاركتنا في جهود البلدان الأعضاء على أرض الواقع – يرون أن الإنفاق الاجتماعي بالغ التأثير على الاقتصاد الكلي في البلدان المكلفين بها. وهذا أمر مهم، لأن التأثير البالغ على الاقتصاد الكلي هو الدافع الجوهري وراء مشاركة الصندوق في كل القضايا الهيكلية. ويرى نصفهم تقريبا أن الإنفاق الاجتماعي ضروري للاستقرار الاجتماعي-السياسي والاستثمار في الموارد البشرية.

ولكل هذه الأسباب، كثفنا مشاركتنا في العمل المتعلق بالإنفاق الاجتماعي على مستوى البلدان الأعضاء. فعلى سبيل المثال، ساعدنا غانا على إيجاد الحيز المالي اللازم لزيادة الإنفاق على التعليم العام – حتى تتمكن من تحقيق هدفها بتعميم التعليم الثانوي. وساعدنا اليابان في بلورة خيارات لإصلاح نظام التقاعد، وهو أمر ضروري للغاية في مجتمع يشهد زيادة في شيخوخة السكان. وفي قبرص، ساعدنا الحكومة على تقوية شبكة الأمان الاجتماعي وقت تعرضها لأزمة حادة – وهو ما تضمن استحداث برنامج جديد يضمن حدا أدنى للدخل. وبالمثل، في جامايكا، دعمنا التوسع في برامج المساعدة الاجتماعية في فترة شد الأحزمة.

وفي جميع برامجنا، تشكل حماية الفقراء ومحدودي الدخل هدفا رئيسيا في الوقت الراهن، وستظل هدفا رئيسيا فيما بعد.

وفي الوقت نفسه، نقدم المساعدة الفنية للبلدان الأعضاء حتى تتمكن من تعبئة المزيد من الإيرادات المحلية – عِلما بأن حجم الدعم في هذا المجال ارتفع إلى الضِعف تقريبا في الفترة بين عامي 2010 و2018. وقد وضعنا تقديراتنا للإنفاق الإضافي اللازم لتمويل أهداف التنمية المستدامة الرئيسية – الصحة والتعليم والبنية التحتية ذات الأولوية – فوجدنا أنه يتطلب زيادة قدرها 15 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط بالنسبة للبلدان النامية منخفضة الدخل في عام 2030.

من الواضح إذن أن الإنفاق الاجتماعي ليس مجرد بند من بنود المصروفات، إنما هو الطريقة الأكثر حكمة للاستثمار في رفاهية مجتمعاتنا. فالتوسع في إتاحة التعليم والرعاية الصحية يوسع نطاق مكاسب الإنتاجية لتشمل الفئات السكانية المختلفة، مما يتيح الازدهار لكل المواطنين. ولجني ثمار اقتصاد عالمي أقوى في المستقبل، يجب أن نبدأ بتقوية البرامج الاجتماعية اليوم.

ولكن في الوقت نفسه، لا يمكننا القيام بدور بانغلوس. ففي عالم الواقع، تصطدم أصدق النوايا بأشد قيود الميزانية.

إذن كيف نتحرك إلى الأمام؟ يجب أن ننطلق من افتراض أن الإنفاق الاجتماعي ينبغي أن يكون كافيا، مع ضرورة أن يكون كفؤا وممولا على أساس مستدام في نفس الوقت. كفاية الإنفاق. كفاءة الإنفاق؛ استدامة المالية العامة - هذه هي المعايير التي سنستخدمها في تقييم مدى تأثير الإنفاق الاجتماعي على الاقتصاد الكلي.

ونتوقع أن تؤدي هذه الاستراتيجية الجديدة إلى زيادة فعالية مشاركة الصندوق في قضايا الإنفاق الاجتماعي، وتعزيز الجودة والاتساق في مشورتنا بشأن السياسات. فهي تجمع أفضل الممارسات المستخلصة من سنوات المشاركة في قضايا الإنفاق الاجتماعي، وترسم خارطة طريق واضحة لتطبيق هذه الممارسات بصورة متسقة على مشاركتنا في هذا الصدد.

وعلى مدار العام ونصف العام القادمين، سنضع تفاصيل هذه الاستراتيجية عن طريق تقديم إرشادات أكثر تحديدا لخبرائنا ترتكز على مجموعة معززة من الأدوات وقواعد البيانات، والعمل البحثي المتواصل، والمذكرات المرجعية عن قضايا مثل معاشات التقاعد والمساعدات الاجتماعية والتعليم والصحة.

وينبغي أن تضمن استراتيجيتنا تحقيق اتساق أكبر في مشاركاتنا مع البلدان الأعضاء، وزيادة فعالية هذه المشاركة على النحو المأمول – مع تصميمها على نحو أنسب لتفضيلات كل بلد عضو وما يمر به من ظروف.

3- شراكة من أجل النجاح

غير أن تحسين الأداء يتطلب بعض المساعدة من أصدقائنا – وهو ما يقودني إلى نقطتي الأخيرة اليوم: فنحن في حاجة إلى "شراكة من أجل النجاح"، وهي ركيزة أساسية تقوم عليها استراتيجيتنا.

ويعني ذلك أن نعمل كلنا معا – المنظمات الدولية والدوائر الأكاديمية والسلطات الوطنية والمجتمع المدني والقطاع الخاص. ولهذا أجرينا عملية تشاورية واسعة النطاق عندما كنا بصدد وضع الاستراتيجية. وأعتقد أنها استفادت كثيرا من هذه الجهود المشتركة – وهنا أقدم الشكر الجزيل لمنظمة العمل الدولية.

وقد أوضحت هذه التجربة بجلاء أن المشاركة الوثيقة بين صندوق النقد الدولي ومنظمات مثل منظمة العمل الدولية يمكن أن تكون بالغة القيمة. أنتم تتمتعون بخبرة كبيرة في مجال الإنفاق الاجتماعي يمكن أن تساعد فِرق العمل في صندوق النقد الدولي. ونحن يمكننا المساعدة من خلال تسليط الضوء على قضايا الإنفاق الاجتماعي في حوار السياسات الاقتصادية الموسع بشأن الاستقرار والنمو.

ويمكن أن نستفيد أيضا من توثيق التعاون مع الأطراف المعنية الأخرى. فالمجتمع المدني والدوائر الأكاديمية ومستودعات الفكر واتحادات العمال تطرح جميعا منظورات فريدة للإنفاق الاجتماعي – وهي منظورات من شأنها إثراء رؤية الصندوق، ومساعدتنا في مقاومة الانسياق للتفكير الجمعي، وتمكيننا من تقدير الظروف القُطْرية الخاصة بصورة أفضل.

وبطبيعة الحال، لا يوجد حل واحد يناسب الجميع عندما يتعلق الأمر بتصميم برامج الإنفاق الاجتماعي للحد من الفقر وتعزيز الإدماج وحماية الأسر الضعيفة. فكل بلد له تفضيلاته المختلفة، ويواجه تحدياته المختلفة، ولديه تطلعات مختلفة على المدى البعيد. ولكن العمل المشترك يمكننا من طرح الأسئلة الصحيحة، والتوصل إلى الإجابات الصحيحة على ما نرجو.

وفي نهاية المطاف، إن علينا التزاما تجاه الفقراء والضعفاء؛ تجاه من يفتقرون إلى الأمن المالي ويرزحون تحت وطأة المرض؛ من تُرِكوا وراء الركب ولا يجدون من الفرص سوى القليل، بما في ذلك النساء والفتيات؛ وتجاه الأجيال القادمة. وعلينا التزام بمساعدة البلدان في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030.

وكما قال فرانكلين روزفلت بحكمته المعهودة – وهو صديق عظيم لمنظمة العمل الدولية وداعم كبير لها –"إن معيار تقدمنا لا يكمن فيما إذا كنا قد أضفنا إلى الوفرة التي يملكها المقتدرون، بل ما إذا كنا نوفر ما يكفي لمن لا يملكون إلا النزر اليسير."

وهذا القول ليس صحيحا من وجهة النظر الأخلاقية وحسب، إنما هو سليم أيضا من المنظور الاقتصادي. فلنعمل معا، إذن، لبلورة سياسات للإنفاق الاجتماعي تجمع بين الذكاء والرحمة.

https://www.imf.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1