اقتصاد - تنمية

بيوت جديدة واطئة الكلفة في القرى والأرياف

تـتآلف مع بيئتها العراقية الخاصة

إنّ الحديث عن السكن في القرى والأرياف العراقية خاصةً سكن العوائل الفقيرة والمعدمة منهم، يدفعنا إلى دراسة ظاهرة المساكن الرديئة والصرائف والأكواخ التي انتشرت في العديد من المناطق النائية في العقود الأخيرة، خصوصاً في المحافظات الوسطى والجنوبية، حيث يعاني سكانها من صعوبات جمّة ومشاكل عديدة بسبب السكن الرديء وانعدام الخدمات الضرورية والرئيسية فيها، كالطرق المبلطة والمياه الصالحة للشرب وتصريف مياه المجاري وخطوط الكهرباء بالإضافة إلى تدني مستوى الخدمات التعليمية والصحية والبيئية فيها.

إنّ تجاهل الأجهزة الخدمية الحكومية لهذه المناطق وعدم الاهتمام بها، أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من العوائل الساكنة فيها إلى المدن الرئيسية مما تسبّب في تفاقم أزمة السكن في هذه المدن وتدني مستوى القطاع الزراعي في العراق بشكل كبير.

إن الواقع المؤلم الذي تعيشه قطاعات واسعة من المجتمع العراقي حالياً وفي المستقبل خصوصاً في القرى والأرياف سيكون أكبر حجماً مما عليه الآن، وسوف يضم عدداً كبيراً من الأسر الفقيرة والمعدمة، وإذا لم توضع الحلول اللازمة منذ الآن سيشكل ذلك احتياجاً ضخماً إلى توفير المساكن لكافة الأسر.

ولابد من السعي لإقامة أحياء سكنية عصرية في القرى والأرياف والمناطق النائية تتوفر فيها كافة الخدمات الضرورية والرئيسية.

البديل الحضاري والمتقدم للمساكن الرديئة

إنّ الدراسة المقدمة من قبلنا حول البيوت الجديدة الواطئة الكلفة في القرى والأرياف هو جزء يسير لإيجاد الحلول اللازمة لحل هذه المشكلة المزمنة.

تتميز بيوت القرى والأرياف بالبساطة والجمال وفي الوقت نفسه فإنها تُلبي الحاجة السكنية لقطاعات كبيرة من المجتمع، وهي البديل الحضاري والمتقدم للمساكن الرديئة، وكذلك فإنها تتناسب مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وتلائم طبيعة عاداتنا وتقاليدنا الموروثة، وهي مستوحات من التراث العراقي من حيث الشكل والمضمون، وذلك باستخدام أشكال وعناصر معمارية معروفة، كالسقوف المعقودة والقباب والقبب والأقواس، علماً بأن هذا الأسلوب من البناء يمتاز عن غيره من أساليب البناء الأخرى باستخدام مواد البناء الأولية المتوفرة محلياً وبقلة كلفتها المادية بالإضافة إلى روعة الفن المعماري العراقي الأصيل، وكذلك توفر الراحة والطمأنينة والسعادة للعوائل التي تسكنها.

ففي بيوت القرى والأرياف يستغنى كلياً عن حديد التسليح والكونكريت ويستبدل عنهما بمواد خام طبيعية ومحلية كالطابوق الطيني المفخور والحجر والجص.

إن العراق ينفق الكثير من دخله سنوياً في استيراد المواد الإنشائية وخاصة الحديد والأسمنت لأغراض بناء مجمعات سكنية لا تتلاءم مع تقاليدنا وعاداتنا الاجتماعية خصوصاً في الأحياء الجديدة المحيطة بالمدن، بينما يمكن استخدام مواد البناء المحلية في البناء بعد تطويرها وتحديث عملية تصنيعها وفق الأسس العلمية الحديثة، فمثلاً الطابوق الطيني المفخور والطابوق الجيري المصنوع من (الرمل والجير والماء) وكذلك الجص الذي يستخدم كمادة رابطة في البناء والنورة والسيراميك وغيرها من مواد البناء المتوفرة محلياً التي يمكن استخدامها في بناء مساكن ملائمة لظروف مجتمعنا البيئية والصحية والاقتصادية.

إن العديد من دول العالم اليوم وعلى اختلاف مستوياتها الحضارية أحست بالتأثير السلبي المتزايد للمساكن البعيدة عن تراثها وعاداتها وتقاليدها وأثرها في تغيير وتشويه طريقة الحياة والنظام الاجتماعي الخاص بها... وكان لابد لها من الرجوع والوقوف عند أكثر من نقطة وأن تعود لتستلهم من تراثها المعماري مزاياه السليمة في بناء المجمعات السكنية التقليدية المنخفضة والاقتصادية مبيناً في مواد وأشكال والخصائص الموجودة في تراثها.

وقد أخذت أنماط العديد من هذه المساكن بالانتشار في الكثير من الدول لكي تكون أكثر انسجاماً مع الحياة الحضارية والاجتماعية لشعوبها آخذة بمميزات هذا النمط من سلامة في البناء والتخطيط وملائمة لظروفها المناخية والبيئية والاجتماعية.

إن الثقافة المعمارية الإسلامية للسكن هي أكثر انسجاماً مع حياة العائلة العراقية اليومية والتي تجد أحسن تعبير لها في نمط المساكن المنخفضة ذات الساحات المكشوفة التي تصلح للأخذ بها عند العديد من المجتمعات خصوصاً العربية والإسلامية منها، لو شيدت بطريقة صحيحة ورُوعيت فيها كل الاعتبارات المعمارية الأخرى المكملة والضرورية والتي منها إقامة مناطق اتصال ولعب مأمونة للمشاة والأطفال، وفصل شوارع المركبات عن الممرات والمناطق الخضراء المخصصة للمشاة.

إن هذا النمط من التخطيط السكني والتصميم المعماري يقود كُلّه باتجاه تطور حضاري متماسك مع احترام القيم الإنسانية والتي تعتبر الأساس في عملية البناء والتخطيط... بدون أي تقييد وتقليد للقديم، مع إحياء وتجديد لكل الجوانب المضيئة في هذه التقاليد والتي يتمثل قسماً كبيراً منها في القيم الجمالية للمجمعات السكنية التي تعتمد في بناءها على مواد البناء المحلية.

إن الحديث عن مواد البناء المحلية الرئيسية في العمارة العراقية منذ أقدم العصور يدعونا بالضرورة لدراسة الجوانب التاريخية الخاصة بها ولاسيما طبيعة هذه المواد ومدى توافرها وتآلفها مع البيئة العراقية، والتواصل الحضاري لتقاليد العمارة والبناء منذ أكثر من خمسة آلاف عام.

نشأت مدن وادي الرافدين خصوصاً الجنوبية والوسطى منها على أرض رسوبية يؤلف طين السهول قوام مادتها الإنشائية، فلا غِروّ إن كانت مادة الطين أقدم مواد البناء في تاريخ العراق، وقد استخدمت كتل الطين المهيئة للعمل والتي تعرف بالطوف في مدن الحضارات القديمة التي نشأت ثم اندثرت في وادي الرافدين في أقدم المباني والبيوت السكنية التي لا تزال آثار بعضها باقية إلى يومنا هذا، مثل مدن أور وبابل والوركاء الأثرية، واستخدمت أيضاً في تشييد المباني في العصور الإسلامية الأولى خصوصاً في البصرة والكوفة وواسط، ولا يزال استخدامها معروفاً في تشييد البيوت الريفية التقليدية في وسط العراق وجنوبه.

وتطور استخدام كتل الطين وما يعرف بـ(الطوف) قديماً بوضع كميات من الطين المخمّر والمخلوط مع التِبِنْ (ما قطع من سنابل الحنطة) في قوالب مضلعة الشكل مختلفة الأبعاد وصولاً إلى أشكال منتظمة، للحصول على جدران مستقيمة ذات قوة ومتانة في البناء، وتعرف هذه الكتل الطينية المنتظمة الأبعاد المجففة طبيعياً بواسطة أشعة الشمس بـ(اللَّبِنْ)، ولا يزال استخدام اللَبِنْ معروفاً في العراق على نطاق محدود في البيوت الريفية أيضاً، كما أنه يمثل مرحلة متطورة في صناعة الطابوق الطيني قبل إرساله إلى الكُوّر أو الأفران لشيّهِ بالنار وتحويله إلى الطابوق.

أما المواد الرابطة أو اللاصقة المستخدمة في جدران أبنية اللَبِنْ فتكون من الطين، ولكن بدرجة نقية وخالية من الشوائب.

ولم يتأخر توصل العراقيين لصناعة الطابوق الطيني المفخور كثيراً، فقد تم استخدامه في أبنية تعود إلى عصور ما قبل الإسلام خصوصاً في أبنية مدينة بابل الأثرية، حيث استخدم فيها الطابوق بأحجام مختلفة وإن كان ظل محافظاً على شكل المضلع كما في الوقت الحاضر لعلاقة ذلك بدور الطابوق في البناء.

وأصبح استخدام الطابوق شائعاً في عموم الأبنية العراقية القديمة ولا يزال استخدامه كبيراً إلى الوقت الحاضر، ويعتبر حالياً العنصر الرئيسي في البناء. ولم تستطع مواد البناء الأساسية الأخرى أن تَحلّ محلّهُ، لوفرة مادته الأولية ولسهولة صناعته وكذلك سهولة استخدامه في البناء وقلة تكلفته. ويمتاز أيضاً بمقاومة جيدة وقدرة كبيرة على عزل الحرارة والصوت، بالإضافة إلى مرونته وانصياعه حسب رغبة المعمار بحيث يعطي تشكيلات زخرفية معقدة رائعة الجمال، كالحنيات والنتوءات والمقرنصات والزخارف الهندسية والكتابية الرائعة.

وهيأ الطابوق فرص التوصل لبناء القباب والأقبية والسقوف المعقودة وأقواس المداخل بمساعدة مادة محلية أخرى شائعة هي (الجص) التي تساعد في تماسك الطابوق بصورة سريعة جداً، الذي يصنع محلياً من حرق حجر الكلس ثم سحقه وتصفيته من الشوائب، وفي حالة اتقان استخدامه يتصلب بسرعة ويؤدي إلى تماسك صفوف الآجر مع بعضها بشكل متين كما هو معروف. واستخدم الجص أيضاً بعد عزل الشوائب عنه وخلطه مع (البورق) الذي يزيد الجص بياضاً في إكساء واجهات الجدران الداخلية للبيوت، وتسمى هذه العملية بـ(البياض)، إذ إنه يكسب الجدران أسطحاً مستقيمة بيضاء اللون ويستغني عادة عن طلاء الجدران نهائياً بالأصباغ. إضافة إلى شد أجزاء البناء وجعله وحدة متراصة قوية وإعطائه قوة ومتانة أكثر.

كما استخدم الجص في بعض الأحيان لإكساء الواجهات المشيّدة من اللَبِنْ بهدف الحصول على جدران فاتحة اللون بيضاء وكذلك فإن الجص يزيد من متانة البناء باللَبِنْ.

واستخدمت قديماً النورة (الجير الحي) بعد خلطها مع الرماد لربط مواد البناء في الأسس بسبب مقاومتها العالية للرطوبة.

ومن مواد البناء المحلية الأخرى هي الحجر، وقد شاع استخدامه في المناطق القريبة من مصادر الحجر خصوصاً في منطقة عير التمر والمناطق الغربية والشمالية من العراق، وهو من المواد القوية والمتينة والعازلة للحرارة. ويمكن استخدام الحجر في بعض الأحيان بدلاً من الطابوق لبناء البيوت الجديدة في القرى والأرياف، لوفرته وسهولة استخدامه وقلة تكلفته.

ومن المواد البنائية المحلية الأخرى القير (القار الأسود) الذي يكثر وجوده في العراق، ويطفو على سطح الأرض في بعض المناطق مثل هيت والقيارة، فإنه يشكل مادة لاصقة للبناء بعد معاملته مع مواد تزيد من كثافته النوعية وتمنع سيولته الشديدة بفعل درجات حرارة الصيف العالية. وقد استخدم القير قديماً في تشييد أبنية مدينتي بابل وأور الأثريتين وذلك بعد خلطه مع التراب والرماد بنسبة ثابتة ليحافظ على سيولته أثناء العمل ويمنعها بحدود درجات الحرارة العالية، كما لوحظ استخدامه قديماً في تغليف بعض أحواض المياه ومصاريفها.

ولكن استخدام القير اقتصر أخيراً وبحدود المباني التراثية على تغليف أحواض المياه وبعض مصاريف المجارير، وفرشه على السطوح قبل تبليطها لمنع تسرب المياه والرطوبة إلى الطوابق السفلية.

ومن مواد البناء المحلية الأخرى هو الخشب المتوافر في العراق، وكان يستعمل بكثرة في الأبنية التراثية، فكان يؤخذ من جذوع النخيل بالدرجة الرئيسية. وهو في نوعيته يعتبر من أردأ أنواع الخشب من حيث الطول والاستقامة ومقاومة ثقل السقف وتحمل عوارض الزمن. ومع ذلك عرف استخدامه على نطاق واسع في الأبنية القديمة واستمر إلى وقت قريب. ولكنه اقتصر على بيوت الطبقات المتوسطة والفقيرة، وهي البيوت التي لم تعمر طويلاً، ويندر أن نجد نماذجها بين البيوت التراثية. وأكثر استخدامات خشب جذوع النخيل كعوارض (جسور) في تسقيف الغرف.

أما النوع الثاني من الأخشاب المحلية والذي استخدم في البناء فهو ألواح أو جذوع أشجار الحور (القوّغ) الذي ينمو بكثرة في المنطقة الشمالية من العراق، وهو أفضل من جذوع النخيل لناحية الصلابة والاستقامة والطول، ولكن قياساً بأنواع الأخشاب المستوردة يعتبر أدنى مستوى من حيث النوعية. لذلك نجد أن البيوت التراثية التي تتميز بمتانتها وعمرها الطويل هي تلك التي استخدمت فيها أنواع الألواح الخشبية المستوردة قبل شيوع استخدام الجسور المعدنية (الشيلمان).

ويدخل الخشب على نطاق واسع في الاستخدامات البنائية المختلفة، فمنه تصنع الأبواب والشبابيك وتغلف السقوف وبعض الواجهات الداخلية، كما كانت تصنع منه مساند مائلة لرفع الشرفات البارزة من مستوى البناء في الطابق الأول. كما نحتت من الخشب أيضاً الأعمدة ورُكّبت لها تيجان من قطع خشبية بأشكال زخرفية جميلة. كما استخدم الخشب أيضاً في صناعة الشرفات البارزة في الطابق الأول والتي تعرف بـ(الشناشيل).

وللعودة إلى البيوت الجديدة الواطئة الكلفة في القرى والأرياف وتآلفها مع بيئتها العراقية الخاصة، فإن من أهم مميزاتها هي:

أولاً: إن استخدام مواد البناء المحلية في بنائها تكون سهلة البناء وقليلة التكاليف.

ثانياً: تمتاز مواد البناء المحلية بمقاومة جيدة وقدرة كبيرة لعزل الحرارة والرطوبة والبرودة والصوت.

ثالثاً: استخدام مواد البناء المحلية من دون الحاجة إلى المواد الإنشائية المستوردة من الخارج.

رابعاً: عملية البناء بسيطة ولا تحتاج إلى معدات بناء كما هو الشائع حالياً.

خامساً: توفر للساكنين فيها الاطمئنان والشعور بالراحة.

سادساً: تقاوم تقلبات الجو المختلفة ولذلك فهي أطول عمراً من أنواع الأبنية الأخرى.

سابعاً: إنها مناسبة لتلبية متطلبات مجتمعنا وخاصة سكان القرى والأرياف.

وعليه فإن ميزات هذه البيوت تجعلها من أفضل الخيارات في بلدٍ كالعراق لحل الأزمة السكنية خصوصاً لقطاعات كبيرة من المجتمع وكذلك فإنها تظهر جمالية هذه البيوت وتحقق المنفعة الاقتصادية والاجتماعية والصحية من جانب آخر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0