لا تقتصر الديمقراطية على السياسة في المستوى القومي، بل ان من أهم مظاهر الديمقراطية هي المشاركة الشعبية. فالحكومات التي تتبنّى الديمقراطية يُتوقع منها دعم الحركات الشعبية وخاصة جموع الفقراء. ان معرفة مدى التزام السياسة العامة بمبدأ المشاركة والتوجيه الشعبي يُعتبر امر هام جدا في فهم البيئة السياسية التي توضع في ظلها السياسة الاقتصادية.

في تقرير للامم المتحدة للتنمية الانسانية لعام 1993 يشير الى ان المشاركة ليست مصطلحا جديدا، فهي وُجدت كمصطلح منذ الستينات. ولكن في ذلك الوقت كانت المشاركة تشير فقط الى الناس الذين ينخرطون في مشروع معين او برنامج محدد. اما في التسعينات فقد اصبحت المشاركة تعني جزءا من استراتيجية تنموية واسعة. والهدف هو ان الناس يصبح لديهم امكانية دائمة في الوصول الى السلطة والى اتخاذ القرارات وتمكينهم من الحصول على فرص واسعة لأنفسهم. المشاركة اذاً هي غاية ووسيلة في آن واحد. هي وسيلة لزيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي غاية بذاتها كونها تسمح للناس للإحساس بالمزيد من الانجاز الذاتي.

وللمشاركة عدة أشكال مترابطة:

اولا، المشاركة في المنزل

يشير تقرير الامم المتحدة الى ان المرأة نادرا ما تحصل على حق متساوي في قرارات المنزل، وهي ايضا لا تمتلك الحق في دخل رب المنزل. ومن النتائج الخطيرة لعدم المساواة في المسؤولية ضمن المنزل هي ارتفاع نسبة الوفيات بين الاناث قياسا بالذكور. في بنغلاديش مثلا، يموت 15% من الاناث اكثر من الاولاد في السنة الاولى من الولادة لأن رب المنزل لا يخصص موارد متساوية للعناية بالبنات كما للذكور.

ثانيا، المشاركة الاجتماعية

وهي طريقة اخرى يصل الناس فيها الى امكاناتهم القصوى. العديد من الجاليات خاصة بين الفقراء والجماعات الاثنية غير قادرين على الحفاظ او تأكيد هويتهم. والمشاركة بهذا المعنى تعني المحافظة على الثقافة عبر لغتها وفنونها وموسيقاها او ادبها.

ثالثا، المشاركة السياسية

فهي ترتبط بقوة بحقوق الانسان، مثل حرية الكلام، الصحافة، حكم القانون وكذلك المشاركة في العملية السياسية. وهذا ربما يعني اكثر من مجرد صندوق اقتراع. الانتخابات الحرة والعادلة هي ادنى حد من المشاركة السياسية. هناك الحاجة الى المسؤولية السياسية من جانب المنتخبين بالإضافة الى فرص التأثير على صانعي السياسة من خلال المؤسسات مثل المنظمات غير الحكومية.

ورابعا المشاركة الاقتصادية

التي تتطلب توفير الفرص الى الناس كي يستفيدوا من قابلياتهم. العمل ذاته يمكن ان يُنظم على اساس تشاركي بحيث يمكّن الافراد من التأثير والسيطرة على نطاق واسع من النشاطات الاقتصادية.

فوائد المشاركة

ماهي الفوائد المرتبطة بالتقدم المادي والبشري المتوقع من المشاركة الواسعة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفردية؟ هذه تتمحور حول اثنين من الامكانات:

1- تعزيز المساواة النسبية في توزيع الدخل وذلك عبر السماح للغالبية من الفقراء بالوصول الى ادنى مستوى من الدخل يضمن الحاجات والخدمات الاساسية.

2- زيادة الامكانات الانسانية من مهارات تقنية وادارة ابتكارية تساعد في تعزيز التنمية الاقتصادية.

عيوب المشاركة

وعلى الرغم من الفوائد المفترضة للتنمية التشاركية، الا انها لم تكن بمستوى التوقعات. حاول (Dharam) ان يبين من وجهة نظر الافراد الحركيين في المستويات الدنيا اسباب ضعف ما تحقق من انجازات:

1- برامج المشاركة الناجحة تعتمد عادة على القيادة الاستثنائية لفرد معين. هذا الفرد ينجح في تحفيز فريق من النشطاء الذين بدورهم يتولون اثارة وتنبيه المشاركين نحو السلوك المطلوب. هذه التجربة يصعب استنساخها على المستوى القومي طالما هي تعتمد كليا على نوعية محددة من الافراد.

2- التنمية بالمشاركة، خاصة عندما تكون في صيغتها الحركية تميل لتأخذ تصورات ثورية في ذهن القادة الرسميين. القليل من التشجيع يُمنح الى برامج المشاركة، والافراد المشاركين ربما يتعرضون الى التمييز والمضايقات.

3- مع ان المشاركة قد تعمل بشكل جيد عندما تكون الخطط البسيطة قيد الدراسة، الا ان الافراد المشاركين قد لا يستطيعون العمل ضمن برامج التنمية المعقدة التي تتطلب المزيد من الدراسة.

4- برامج المشاركة عادة تشكل فقط عينة رمزية حين تمثل الناس الذين يُفترض ان ينتفعوا من البرامج. وهؤلاء الناس (المستفيدين) قد لا يُعاملون بشكل مرضي لأن الاتجاه التشاركي في التنمية هو جديد والافراد الذين يدعون لتطبيقه تنقصهم المعرفة الملائمة في فهم كيفية تنفيذه.

ان التنمية بالمشاركة عادة تلتبس في اذهان المسؤولين وكذلك تتداخل في ادب التنمية مع مفهوم اللامركزية (decentralization). والمفهومان قد يسيران معا الا ان برامج اللامركزية تحتاج ان تُصمم بعناية اذا اريد لها ان لا تصب في مصلحة النخب. واذا بقيت السلطة متمركزة بيد النخبة فان اللامركزية ستكون سببا في تقوية مراكز تلك النخب بدلا من تفويض وتمكين الناس الذين هم في اسفل السلم.

انواع اللامركزية

تسعى اللامركزية الى نقل الحكومة من العاصمة الى الاقاليم والمدن والارياف وهي تأخذ أحد الاشكال التالية:

1- اللامركزية الافقية التي توسع القرارات الحكومية وتمدها بعيدا عن شخص الوزير او مجموعة الوزراء لتصبح في متناول العديد من الهيئات الحكومية ضمن الحكومة القومية.

2- اللامركزية العمودية التي تفوض القرارات (والانفاق) نزولا الى الاقاليم والمستويات المحلية وكذلك الارياف باعتبار ان المسؤولين والسياسيين هم اكثر عرضة للمسؤولية تجاه الناس الذين يخدمونهم.

واللامركزية سواء كانت عمودية ام افقية تأخذ اما الشكل القوي او الشكل الضعيف. الشكل القوي (devolution) هو عملية نقل السلطات من المركز بما يسمح للهيئات غير هيئات الحكومة الوطنية لتأخذ كامل المسؤولية عن نشاطاتها. وهذا يتضمن سلطة توفير العائدات ورسم وتنفيذ برامج وخطط التنمية. اما الشكل الضعيف للامركزية هو التفويض (delegation) فيه تُمرر بعض السلطات الى هيئات اخرى لكن الحكومة المركزية تحتفظ بالحق في إبطال القرارات الصادرة في المناطق والمستويات المحلية الاخرى. والحكومة المركزية قد تطبق الشكل الضعيف للامركزية والذي يسمى (deconcentration). وهذا عبارة عن اجراء اداري صُمم لزيادة فاعلية الادارة ، حيث يُمنح مقدار من المرونة الادارية للإدارات المحلية ولوزراء الحكومة المركزية ، ولكن جميع القرارات الكبرى تخضع مجددا الى الحكومة المركزية. فلا سلطة تُمنح للعمل بشكل مستقل ولن يكون هناك معنى لنشر السلطات.

ان الضغوط في الدول النامية نحو ممارسة اللامركزية هي نتيجة لما يبدو من مركزية شديدة في تلك الدول قياسا بالدول المتطورة. وعلى الرغم من عدم وجود قياس مقنع للامركزية الا ان المؤشر المفيد في هذا الجانب هو درجة اللامركزية المالية. فاذا لم يكن هناك مقدار من المرونة المالية في المستويات المحلية والاقاليم فلن يكون هناك معنى في عملية تفويض اتخاذ القرارات.

لو نظرنا الى تقرير الامم المتحدة للتنمية الانسانية لعام 1993 نجد ان حصة الحكومات المحلية من الانفاق الكلي للحكومة في الدول الصناعية بلغت 35-20% وفي بعض الدول مثل الدانمارك بلغت النسبة حوالي 45%. وكذلك بالنسبة للعائد اتضح ان ربع عائد الحكومة في الدول الصناعية يأتي من الضرائب المحلية. اما في الدول النامية بلغت عائدات السلطات المحلية فقط 6% من العائد الكلي للحكومة.

ان اللامركزية المالية هي واحدة من عدة طرق للنظر في لامركزية الحكومة. فهناك مجالات اخرى تكون فيها المساهمات المحلية كبيرة خاصة في الشؤون الاجتماعية والثقافية. ولكن بشكل عام فان الانطباع السائد هو ان الدول النامية تمارس مركزية شديدة في عمل القرارات وقضايا الانفاق. وفي بعض الدول النامية تعتبر المركزية من الارث الاستعماري. فالقوى الاستعمارية ولغرض سهولة الادارة، قامت بتركيز التمويل وصنع القرارات في العاصمة. والعديد من الدول النامية مارست نوعا من التحيز للمدن على حساب الارياف في موضوع الانفاق والخدمات. واخيرا لعبت المساعدات الاجنبية دورا في نمط المركزية السائدة لأن الحكومات المركزية هي التي تفاوض حول القروض وتتخذ مسؤولية الانفاق.

ومقابل ذلك، لابد ان تحصل الدول النامية على المكاسب من اللامركزية كونها تمكّن الجاليات ذات العلاقة ليكون لها صوت حقيقي في التخطيط وفي صرف الانفاق العام. لابد للحكومات المحلية ان تكون اكثر مسؤولية تجاه الجالية ، وعلى صعيد الواقع اثار الخبراء في سياسات اللامركزية بعض الشكوك حول تقييم منافع وتكاليف تلك السياسات.

يرى (ديفد سلاتر) عدم وجود تطابق بين الديمقراطية الشعبية وتفويض بعض وظائف السلطة الادارية الى الاقاليم والمراكز المحلية، حيث يوجد في الاقاليم وحتى في الارياف جماعات اجتماعية معارضة للديمقراطية تستطيع الاستحواذ على مكاسب اللامركزية. فالنقود لا تُستعمل دائما لخدمة السكان المحليين، والافضليات قد تعكس حاجات افراد النخبة. مثلا لوحظ ان اللامركزية السياسية في بنغلاديش لم تحسّن الحاجات الاساسية. وفي الواقع ان الادارات اللامركزية مسؤولة عن الخراب والتشويه في خدمات الصحة والتعليم او في معالجة الكوارث. فقد اشار تقرير الامم المتحدة الى وجود ادلة من باكستان تفيد بإنفاق موارد الميزانية على الكليات والمستشفيات الراقية بينما اُهملت معظم المناطق القروية من الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية المناسبة.

ان وصف اللامركزية بالمشاركة الشعبية يحتاج الى تحفظ شديد. فاللامركزية يمكنها ان تزيد من انخراط الناس العاديين في مناقشة شؤونهم الا ان ذلك قد لا ينسجم مع الديمقراطية الضعيفة في المستوى القومي بالدول النامية. فعندما لا يوجد هيكل ديمقراطي في المستوى القومي فمن غير المحتمل ان تتمكن الحكومات المحلية من خلق مشاركة حقيقية وفعالة في عملية صنع القرارات المحلية.

* من كتاب: الاقتصاد والتنمية، للكاتبة Barbara Ingham، ترجمة حاتم حميد محسن، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق 2010.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0