الزواج في نظر البعض يُشبه العرض المسرحي، ولكن يبقى المهم ماذا سنواجه وراء الكواليس؟ ربما تكون هناك كوابيس غير متوقَّعة !الزواج ليس كلمات تؤخذ من بعض الأغاني، وليس حجارة تبنى بها قصور الأماني، الزواج حب وإحساس متبادَل بين قلوب تشعر بهذا الرابط الشعوري الأخلاقي المتبادَل.

إن شريك الحياة هو من يهديك نظرة تمنحك الأمل والسعادة والطمأنينة حين تقسو الدنيا عليك، يحدث هذا إذا كنت صادقا في مشاعرك وملتزما بالأخلاق والقيم المتّفق عليها، وإيمانك بها سوف يساعدك على اختيار شريك صادق تعملان معا وتتعاونان من أجل بناء أسرة متميزة.

في بداية الأمر الجميع سيكون في منتهى الأناقة والجمال، لا يحضر الموعد المتَّفق عليه إلا بعد ان يتفقد نفسه عشرات المرات كي لا ينقصه شيء ويظهر بمنتهى الروعة لشريكه.

عندما تعرفت عليه كان كما أتمنى بالضبط، فقد بان لي في منتهى الرشاقة والأناقة، في مرحلة الخطوبة كان يهتم بأقواله وأفعاله وملابسه، حتى أنه كان يختار كلماته بدقة ويخرج من صدفة وجوده أغلى ما يمتلك، فقط لكي يشدني ويجذبني إليه، لقد كان يستعمل أفضل العطور، ويدهشني بمعاملته الطيبة لي، كان ينتقي أجمل الكلمات، وكنت استغرب من أين يأتي بكل هذا اللطف في الكلام والإحساس والمشاعر، كان يوجّه لي الدعوة كي نذهب الى أفضل المطاعم في تلك الفترة المثالية أني بها (مرحلة الخطوبة).

لم أنس كيف كان يكرم النادل في هذا المطعم أو ذاك، ويعطي البقشيش حتى لمن لا يستحقه، ويتصرف كأنه احد ملوك الغنى والأخلاق !ولطالما أزعجني بكثرة عطائه الذي يصل حد التبذير، إذ غالبا ما كنت أستنتج أن مثل هذا الكرم لم يكن في وقته المناسب، لكنني كنت أصمت لظني أن هذا هو سلوكه الطبيعي، كونه عاش في بيئة زرعت في كيانه هذا السلوك، لكن ما تبيّن لي بعد ذلك أمر آخر تماما، فكل هذه الأفعال والأقوال والبذخ واللطف والسلوك القويم ما هي سوى مسرحية أعدّت بدقة وإتقان لخداعي!.

الممثل ونهاية المطاف

ولكن أي ممثل لابد وأن يتعب من التمثيل في نهاية المطاف، فقد كان في مرحلة الخطوبة لا يأكل طعامه كاملا، لأن معدته لا تحتمل ذلك القدر الكبير من الطعام، لكن فيما بعد عرفت من أقربائه كلاما آخر، فقد قيل لي إنه عندما يكون بمفرده ولم أكن برفقته كان يأكل طعامه كاملا، ولا يبقى في صحنه حبة رز واحدة.

ولكن سألت نفسي هل هذه المثالية سوف تبقى حتى آخر المطاف، أو حتى نهاية رحلتنا المشترَكة؟ في الحقيقة لم أكن أعرف الجواب الصحيح، ولكن كان هناك قلق يساورني وشك يحيط بي، إذ كنت أجيب نفسي عن هذا السؤال بكلمة كلا، ثم أضيف كلمات أخرى، بالتأكيد سيتغير كل شيء إن لم يكن الآن فسوف تظهر الحقيقة بعد أيام أو شهور!.

وفعلا حدث هذا، فبعد الزواج تغير شريك حياتي كثيرا، كأنني تزوجت من رجل آخر، لم يكن ذلك الذي كان يتكلم بمثالية ويستعمل أفضل العطور ويمنح البقشيش لهذا النادل أو ذاك بلا حساب، لأنه بعد الزواج لم يرَ ضرورة للذهاب الى المطاعم، فاختصر حياتنا على التعب والإرهاق، كذلك ليعد هنالك حاجة للكلمات الجميلة ولا حتى الملابس النظيفة، وكأنه لم يعد رجل الأحلام الذي علقتُ أحلامي على شجرة وجوده.

بل فقدت تلك الشجرة أوراقها وحتى أغصانها، وبقيت دون أية ورقة وأثبت لي بأنني لا أستطيع أن أتكئ على جدار وجوده وارتاح تحت ظل شجرة حنانه ومثاليته التي أظهرها في مرحلة الخطوبة لتختفي فجأة بعد أن دخلنا مرحلة بناء الأسرة، وكان الأحرى أن يكون الآن في مرحلة الزواج أكثر حرصا من ذي قبل.

لقد جاء تغييره الكبير كصفعة قاسية على وجهي، حتى أن هذه الصفعة جعلتني استيقظ من نومي العميق، ثم وصلتُ بعد هذا التغيير الى النتيجة التالية: إن كل شخص ينظر الى الزواج من زاوية مختلفة، ربما يرى البعض أنه لا يزال في خشبة المسرح وهو مستمر بالتمثيل، وهناك البعض الآخر يرى أن الزواج طريقا له كي يصل من خلاله كوصال الى هدف ما، فيما يرى البعض الآخر في الزواج جسرا يعبر من خلاله من مرحلة القيود الى مرحلة الحرية.

الزواج ليس عملا مسرحيا

ولكن لو أن الشريك يرى في الزواج إشباعا لشهوته فقط، فإنه سوف يُصاب بصدمة كبيرة بعد أن يتشبع بمرحلة الزواج، لأنه سوف يصل الى مطلبه ويصطدم بالفراغ الهائل الذي سيجد نفسه فيه، لأنه اليوم أو بعد غد سوف يشبع غريزته وسيدخل في دوامة لا يستطيع أن يخرج منها.

لذلك فإن من يرى الزواج كمسرحية لابد وأن يشعر في هذه المرحلة بالتعب، وصوف يجد صعوبة في تكملة الدور الصحيح لشريك الحياة، حينذاك سيترك التمثيل فجأة !وهنا سوف تبدأ سلسلة المشاكل لأن الزوج والزوجة سوف يريان في بعضهما شخصا آخر لا يحمل تلك المواصفات المثالية التي عاش كل منهما أحداثها ولقطاتها في مرحلة الخطوبة.

لذا جميل أن يدرك الزوجان أهمية الحقيقة، ويظهر كل منهما للآخر كما هو، وليس كما يقوم الممثل بدوره الكاذب الذي سرعان ما سينكشف بعد العبور من الخطوبة الى الزواج، فشيء جميل أن يبتعد شريك الحياة كل البعد عن الكذب والتمثيل كي تقوم حياة الأسرة الجديدة على أسس وقواعد قوية غير قابلة للتهديم.

لأن من يبدأ حياته بالتمثيل سوف يترك كل شيء فجأة أو يُصاب بالكراهية لسبب بسيط، أن ما رَآه سابقا يختلف كثيرا عما يجري أمامه بعد الزواج، وبعد هذا كله، ينبغي أن يدرك الزوجان بأن الزواج ما هي إلا رحلة تكامل بين شخصين (الزوج والزوجة) يجتمعان معا كي يكمّلا بعضهما البعض ويصلا الى القمة في علاقة زوجية تبني أسرة مثالية تقوم على السلوك الواقعي الصادق.

فإذا كنتم حريصين على زواجكم، ابتعدوا كل البعد عن التمثيل كي لا تخيبوا ظن شريك حياتكم، كونوا أنفسكم كما هي كي لا تهتز أسس العلاقة بينكما بعد الزواج بسبب التغيير !ابدؤوا حياتكم بصدق كي تثمر علاقتكم أجمل وأفضل ثمرة، ألا وهي ثمرة الصدق.

فالحياة الفاضلة المثالية هي حق كل صادق يحترم نفسه وشريك حياته، والزواج يبدو في بعض الأحيان كمسرحية، وهناك ما يجري وراء الكواليس التي سوف تتحول بعد الزواج الى كوابيس، ولكن مهما فعل الزوج أو الزوجة سوف تظهر الحقيقة في يوم ما، لذلك قدّم نفسك لشريك حياتك كما أنت، وابتعد عن التمثيل كي لا تخسر نفسك وزواجك.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3