إنسانيات - مجتمع

الشيخوخة الخضراء

عادة ما تكون الاجابة عن الاسئلة التي تدفعنا للنظر في المرآة بين المقنعة والمفرحة وأخرى بائسة وحزينة، في الفصل الاخير من العمر لا يخسر الجميع الاجابات المرضية ولا تكون رؤية متابعة زحف الشيخوخة وتبدل حال الجسم محبطا وهو يرى تغير الشكل والهيئة والمظهر، فقد يداعب توازن اللذة بالحياة وعوامل الخير اماله بإيامه الفائتة الجميلة والقادمة المختلفة.

الشيخوخة هي تبدل حال الجسم تدريجيا مع التقدم بالعمر، ولا ينطبق التدرج على الجميع في سرعة ظهور التجاعيد والقدرة العملية والمعرفية، وهذا تفاوت قد اسماه المختصون بالعمر الزمني والعمر البيولوجي، أي عدد السنوات التي عاشها الانسان والمسجلة بتاريخ ميلاده وهو العمر الزمني، والتغييرات التي تطرأ على الجسم والنفس مع مرور الزمن وهو العمر البيولوجي.

وقد كشف الباحثون المهتمون بطول عمر الانسان ان 65 سنة هو العمر الزمني الذي يشير إلى بداية سن الشيخوخة، ولكن العمر البيولوجي لا تنطبق عليه معايير الشيخوخة دائما، فقد وجدوا فئتان مغايرتان، من هم بعمر 40 سنة ويشيخون بيولوجيا، واشخاص بلغوا من العمر 80 عامًا ويمارسون عملهم ونشاطاتهم التي اعتادوا عليها من الشباب ويضعون مشاريع ومهام للمستقبل.

والفوارق الناتجة عن الشيخوخة المبكرة والمتأخرة عوامل بدنية ونفسية منها نوعية الطعام وعدد ساعات النوم، والنفسية متعلقة بطريقة التفكير والتصرفات ونوعية العلاقات بالآخرين والمحيط الذي يعيشه.

ان الصحة النفسية الجيدة هي النهر الذي يروي العقل والجسد بالطاقة والنشاط ويجعل الشيخوخة خضراء، وهي من تجفف عروقه وتجعله يهرم ويشيخ، وتذكر الدراسات ان كبار السن الذين يصابون بأعراض الاكتئاب يقومون بأداء أضعف مقارنةً مع أولئك المصابين بحالات طبية مزمنة، كما ان الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة تمكنهم من التغلب على الامراض الجسدية، بينما الذين يعانون من الوحدة والاكتئاب والتوتر تزيد من سوء حالتهم الصحية وتسبب امراضا جسدية جديدة.

اعتني بقلبك لأنه سيظهر على ملامحك، فمن يقدر قيمة نفسه سيقدر قيمة الاخرين، ومن يحب نفسه ويعتني بها سيحب الاخرين ويعتني بهم، أما من أخذ الحب حيز صغير في خارطة قلبه، وانغمس في تفاصيل الاحداث الدقيقة المتعبة، وانشغل بهوس الحصول على كماليات الحياة، استنفذت طاقته وتجردت روحه من امتلائها بالمحبة وترك لها الفراغ الذي تملئه ضغوطات الحياة النمطية الشائعة والمخاصمات والعدوانية، حتى وصوله للفصل الاخير من العمر ظهرت خطوط الوقت الذي تبدد على وجهه، دون ان ينتفع منه.

ان من تسلح بالعزيمة والمقاومة للوحدة والفراغ والاكتئاب وهي الاعراض التي يعاني منها اغلب المتقدمين بالعمر، ومن جذر ورسخ قيمة السلام والصفو والمؤانسة في حياته، وفتح نوافذ التسامح المعلن والخفي بوعي وأدراك، ومن يخطو خطوات يومه وهو يستجيب لتحذيرات جسده ان وقتك محدود فعش بطرق تمنحك الرضا، ومن يبتعد عن جميع السلبيين مهما كانوا قريبين منه كي لا يسقط بمستنقع مشاعرهم السلبية، ومن استطاع كسر العادات السيئة، ومن اوقظ امكانياته ووضع في قائمة مهامه تحديات الشيخوخة البدنية.

سيقف امام المرأة بروح متجددة وجسده بصحة ممتازة وروحه مطمئنة، ويرى انه هزم الحياة ولم تهزمه وواجه تحدياتها وانتصر عليها رغم كل المصاعب والهموم والمشاكل، سيقف أمام المرآة وهو يشعر انه ما زال مستمتع بالجمال الموجود بداخله وظاهره لأنه يعيش عمق اللحظة من المحبة باحتوائه لنسله ورفاقه واصحابه القريبين ومن هم في الأقاصي البعيدة التي لم تعكّرها الخصومات ولحظات الغضب، فهو يعلم ان الشيخوخة ليست جفاف الروح وانكماش الجسد مادام يعيش الحياة بإيجابية مطلقة ومحبة مطلقة وهذه هي ثمرة قراره.

اضف تعليق