توج العزيز الرحيم شهر الصيام بالعيد، لإتمام النعم واستكمال الشهر، وهو يوم الفرحة بطاعة الله سبحانه وتعالى ببلوغ الشهر الفضيل، وخصه الله وأعلا منزلته عند عباده المسلمين ليكون يوم بهجة وسرور، ويظهر الشعور جليا بتبادل التهاني والتبريكات لتقوية روابط الأخوة ومبادرة انسانية تمنح المحبة والمودة بين الناس، ويبدأ المسلمين يومهم بالتوجه للوالدين وتقبيل ايديهم وإظهار الحب والخضوع والدعاء لهم بطول العمر وزيارة بيت الله الحرام، ثم تهنئة العائلة والاقارب والمعارف بأرقى الكلمات وأفضل الدعاء.

ويعتبر العيد افضل المناسبات واعظم الفرص للعفو والتسامح، وهي نعمة ربانية منَّ بها الباري عز وجل على عباده، فبعد الصيام والقيام، يمتلك المسلم استعدادا نفسيا كبيرا ليقدم الاعتذار أو يقبله من الغير سواء كانت الأخطاء صغيرة أو كبيرة، فيعفو المختلفين والمتخاصمين عن بعضهم البعض و تصفى النفوس.

إن من عادة الانسان يثور ويتعصب، فتنشأ الخلافات وتشب نار الضغينة والاحقاد، من اجل مصالح او اخطاء مقصودة او غير مقصودة وهي امور وان اختلفت اسبابها الا انها جميعها دنيوية، وتكون القطيعة والابتعاد اول الاساليب والسلوك المنطقي بحسب رأي الكثير، وفي حال كانوا مقربين سوف ينتظر احدهم الاخر ليكون هو المبادر بالصلح والتقرب لكسر حواجز الخلاف، لكن تشغلهم الحياة بمسؤولياتها وتأخذهم الدنيا بملهياتها ومساعيها، وينسوا او يؤجلوا عمل الخير هذا، حتى يطرق العيد الباب فتكون فرصة لعودة المياه الى مجاريها بين الاهل والاقارب والاصدقاء.

ويسمى بالعيد السعيد وهو سعيد متى ما وجد مساحة للعفو والتجاوز والمسامحة والمصالحة في النفوس، ومتى ما خلت القلوب من الحقد والكره والضغينة والزعل، وسلمت العيون من الحسد، وتتقرب النفوس الى الله سبحانه وتعالى في رمضان لما فيه من اعمال وعبادات ودعاء وتلاوة القرآن الكريم، فتتغير النفوس وتتهيأ للتسامح والعفو، ولا نريد ان نكون مثاليين بل الواقع هو ما نتكلم عنه، فأحيانا يكون الإنسان غير قادر على اتخاذ قرار التسامح و المغفرة بسهولة، ويعتبره البعض أمراً في غاية الصعوبة، وفي الوقت ذاته لا يقتصر على الانبياء والصالحين او على انسان دون اخر.

بل هو مرتبط بمكانة ومنزلة من أذانا، كذلك لا يكون السكوت عن الظلم تسامح، ومنها الاعتداءات التي يعاقب عليها القانون والتي تجنب الجاني للعقاب القانوني، فيجب ان يأخذ القانون مجراه وتكون المغفرة ألَّا نشعر بالرغبة بالانتقام او ندعي عليه بالشر.

واكبر دافع يجعل الانسان متسامحا صبورا مدى سعيه لمرضاة الله، وقد ذكرهم الله في قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، ويفسرها اهل العلم أي إن دفعت بالتي هي أحسن فاجئك أن عدوك صار كأنه ولي شفيق، وقيل: الذي بينك وبينه عداوة " أبلغ من "عدوك" ولذا اختاره عليه مع اختصاره. ثم عظم الله سبحانه الدفع بالتي هي أحسن ومدحه أحسن التعظيم وأبلغ المدح بقوله: "وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" أي ذو نصيب وافر من كمال الانسانية وخصال الخير، فمن مهام المؤمن ومسؤولياته تجاه مجتمعه اشاعة أجواء التسامح وليكن هو المبادر الاول وصاحب الفضل في انهاء الخلاف بكلام طيب، فالعفو عند المقدرة من شيم الصالحين.

اضف تعليق