درس المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي (١٨٨٩-١٩٧٥) في كتابه الموسوعي الكبير "دراسة للتاريخ"، العوامل التي ادت الى نشوء الحضارات الاحدى والعشرين المعروفة اليوم، والتي نشأ ست منها من رحم مجتمعات بدائية سبقتها، فيما نشأت الحضارات الاخرى من مجتمعات متحضرة سابقة عليها.

ووجد المؤرخ الكبير انه لا العنصر او الجنس ولا البيئة، هما العاملان اللذان جعلا المجتمعات الراكدة تتحرك باتجاه الحضارة لانه وجد ان الركود والحركة وجدا في اجناس وبيئات متشابهة، لكنه بتحليل ظروف نشأة هذه الحضارات تحليلا مستفيضا اكتشف القانون المؤدي الى الحركة، وهو قانون "التحدي والاستجابة"، تتعرض المجتمعات الى تحدٍ من نوع ما، وتختلف ردود افعال المجتمع للتحدي. فقد يواصل المجتمع الركود وعدم الاهتمام او المبالاة، وقد ينهار المجتمع ويتحطم وينقرض الخ.

لكن من المحتمل جدا ان اقلية نابهة من ابناء المجتمع، تفكر على نحو عقلائي بالتحدي وتتوصل الى طريقة ما لمواجهة هذا التحدي، وتشكل هذه الطريقة تغييرا في حياة المجتمع، وتمثل خطوة الى امام تؤدي الى جعل المجتمع قادرا على تجاوز التحدي. يطلق توينبي على هؤلاء الافراد النابهين اسم "الاقلية المبدعة".

لماذا اقلية؟ لان هذا ما كان يحصل، حيث لا يتمتع كل الناس بنفس الدرجة من الذكاء والقدرة العقلية على اكتشاف طبيعة التحدي، وعلى ابتداع طرق جديدة للرد عليه. ولماذا مبدعة؟ لان الاستجابة تتطلب سلوك طريق قد لا يكون مطروقا من قبل.

نطبق هذا الاستعراض على العراق. منذ عام ١٢٥٨ تعرض العراق الى نكسة تاريخية كبيرة بسقوط بغداد تحت الاحتلال المغولي وانهيار الدولة العراقية العباسية. وكان هذا السقوط ذروة انحطاط تعرضت له الدولة منذ وقت سابق بسبب حصول خلل حاد وكبير في المركب الحضاري، وهذا الخلل هو الذي ادى الى تخلف مختلف نواحي الحياة في المجتمع والدولة بما في ذلك تفكك الجبهة الداخلية وتدهور القوة العسكرية وفساد الطبقة السياسية المؤلفة من الخلفاء والامراء والقادة العسكريين والولاة وجوقة "المثقفين" المندرجة تحت لوائهم، مما جعل الدولة والمجتمع لقمة سهلة للغزو الخارجي.

ما اشبه اليوم بالبارحة! مازال المجتمع العراقي يعاني من التخلف والفساد وتمزق الجبهة الداخلية والتدخلات الأجنبية، ويشكل هذا الحال تحديا تاريخيا امام المجتمع العراقي الذي عليه ان يحدد خياراته. قد يتعايش البعض مع هذا التحدي ويتقبله، وقد يهرب منه البعض الاخر، وقد يؤدي ذلك الى تحلل الدولة وتفكك المجتمع ثم انقسام البلد الى دويلات ضعيفة. لكن في المقابل قد تفهم اقلية مبدعة طبيعة هذا التحدي، وتستطيع ان تشخص طبيعته استنادا الى ما تملكه من معرفة وعلم وخبرة في مجالات الحياة المختلفة، الامر الذي يمنحها وعيا عميقا بمسارات التاريخ، وتقرر مواجهة التحدي، تحدي التخلف والفساد والتبعية والتفكك، وتأخذ على عاتقها توعية بقية افراد المجتمع على خطورة التحدي الماثل وضرورة الاستجابة له والرد عليه بما يناسبه، وبما يحفظ العراق واهله ووحدته وسيادته، وبما يدفعه خطوات في طريق النمو والتقدم والارتقاء الحضاري.

وحتى لو قلنا بالصراع بين الشيء ونقيضه، فان هذه الاقلية المبدعة تمثل نواة الدولة الحضارية الحديثة، نقيض المجتمع المتخلف. وعليه يكون الصراع الداخلي بين حالة التخلف السائدة التي تمثلها الطبقة المتخلفة الفاسدة المتسيدة، وبين نقيضها اي مشروع الدولة الحضارية الحديثة، وبين النقيضين تمتد مساحة الجمهور الاوسع الذي يتعين على الاقلية المبدعة ان تكسبه الى جانبها، الى جانب مشروع الدولة الحضارية الحديثة، وتحرره نفسيا من حالة الاحباط واليأس والاستسلام والانسحاب من ساحة التحدي والاستجابة من اجل حسم الصراع لصالح التقدم والحضارة والحداثة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1