ازدادت في السنوات الاخيرة، ظاهرة التسول في المدن العراقية، وتشير إحصاءات غير رسمية، إلى أن أعداد المتسولين وصلت إلى 100 ألف شخص، يجوبون الشوارع والطرقات، يأتي ذلك وسط مخاوف من تحول الظاهرة إلى مهنة لكسب المال.

فقد أصبحت ظاهرة التسول مهنة رائجة للكثيرين في العراق، فيكاد لا يخلو أي تقاطع في العاصمة بغداد وباقي المحافظات من متسولات وأطفالهن، بحيث آخذت هذه الظاهرة بالاتساع لدرجة بات من الصعب السيطرة عليها بسهولة من قبل الجهات المعنية، وانتشار التسول أسباب كثيرة، لعل أهمها الحروب والنزوح والواقع الأمني والاقتصادي المزري والاهمال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فأصبحت ظاهرة واسعة تؤشر على ضعف مستوى الثقافة في البلاد.

ان تتناسل جيوش المتسولين يوماً بعد آخر في العديد من المدن العراقية لاسيما بغداد وكركوك والبصرة ومدن جنوبية أخرى كالنجف وكربلاء، ومعظمهم من النساء والأطفال اتخذوا من التسول حرفة ووسيلة سهلة للحصول على المال نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدل الفقر في البلاد عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ويختبئ المتسولون في العراق وراء بعض الأعمال، من تنظيف زجاج السيارات وبيع المناديل الورقية أو العلكة أو الزهور، مرورا ببائعي الوصفات الطبية والأعشاب، وانتهاء باستخدام الأطفال الرضع، وفبركة قصص لاستمالة عطف المارة الذين بات أغلبهم لا يصدقهم ويحاول تجنب الوقوف أو الالتقاء بهم.

ويؤكد مختصون أنّ بغداد تحتل المرتبة الأولى في أعداد المتسولين، تليها محافظات كركوك والبصرة، معتبرين أن الظاهرة ترتبط بارتفاع معدلات الفقر في العراق إلى مستويات قياسية لم تصلها البلاد منذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي عقب الحرب العالمية الأولى، وبحسب أرقام وزارة التخطيط وتصريحات مسؤولين وبرلمانيين، فإنّ معدلات الفقر في البلاد تجاوزت حاجز الـ 30 بالمائة بشكل عام، و41 بالمائة في المدن المحررة من تنظيم داعش شمال وغرب العراق.

وبحسب مسؤول عراقي بوزارة الداخلية، فإن قوات الأمن اعتقلت خلال العامين الماضي والحالي أكثر من 8 آلاف متسول في عموم بغداد والمحافظات، وتم إطلاق سراح غالبيتهم بعد أخذ تعهدات منهم بعدم العودة للتسول، مبينا أنّ "المتسولين لا يلتزمون بالتعهدات وسرعان ما يعودون إلى الشارع من جديد".

وأشار إلى أنّ "المتسولين لجأوا إلى أساليب جديدة في التسول، من خلال ممارسة أعمال أخرى، فغالبيتهم اليوم يمارسون غسل زجاج السيارات في التقاطعات المرورية، وقد وردتنا شكاوى كثيرة من أصحاب السيارات الذين يتضايقون كثيرا من هذا الأمر"، وأكد، "لم نتمكن من اعتقالهم لكونهم لا يظهرون التسول، فلا توجد فقرة قانونية تتيح لنا اعتقال من يمارس العمل"، محذرا من "خطورة استغلال هؤلاء بأعمال العنف من قبل جهات إرهابية"، وتابع "تحتل بغداد الصدارة في أعداد المتسولين، ونعمل مع الجهات المعنية على منع هذه الظاهرة التي تؤثر على المجتمع".

فرصة ذهبية

زحمة المرور في بغداد يعدها المتسولون فرصة ذهبية لممارسة أساليبهم، لكن انتشارهم لم يقتصر على المناطق المزدحمة فقط، فهم موجودون في كلّ مكان بالمدينة تقريباً، في أسواقها وأزقتها ومستشفياتها وقرب دور العبادة وأماكن أخرى، ورغم هذا الانتشار، فإن وزارة التخطيط تقول إنها لا تملك إحصائية بأعداد المتسولين، في وقت تشير فيه إلى أن نسبة الفقر بلغت 22.5% بحسب إحصائية تعود لعام 2015.

وتقول المنظمات العراقية والدولية إن 1.5 مليون عراقي نزحوا بين عامي 2014 و2017 أثناء الحرب على تنظيم داعش، ويقول مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون إن كثرة العائلات النازحة والبطالة والفقر اضطرت العائلات المتضررة لدفع أطفالها للتسول من أجل لقمة العيش.

التسول في شوارع بغداد

ولم يكن منظر تسول الاطفال والنساء جديداً في شوارع واحدة من اغنى الدول في العالم لكن الفقر فيها متأصل منذ سنوات رغم الثروة الهائلة، وقال مجلس القضاء العراقي في بيان صدر عنه إن من بين قضايا أخرى، اصبح التسول "ظاهرة عامة" ويتعين محاسبة مرتكبيها.

وكان القضاء يشير فيما يبدو الى أن ظاهرة التسول يقف خلفها اشخاص يجبرون الاطفال على مزاحمة الناس في الشوارع لطلب الأموال، وسبق أن حذر مسؤولون عراقيون من ان الاطفال المتسولين يمكن استغلالهم في جرائم اخطر، وبعد تقرير القضاء بيوم، بدأت السلطات المحلية في بغداد بملاحقة المتسولين في شوارع العاصمة ولا يعرف ما اذا كانت الحملة ستشمل مدناً اخرى، او تنفع في معالجة هذه الظاهرة.

التسول في الأنبار

كشف عضو مجلس محافظة الأنبار كريم هلال، عن انتشار كبير لظاهرة التسول في شوارع وأسواق مدن الأنبار، في ظل ارتفاع نسبة الفقر التي تصل لـ 30% تقريباً، وقال هلال في تصريح له إن: "أغلب أقضية ونواحي الأنبار وخصوصاً الرمادي والفلوجة وهيت والمناطق الغربية، تشهد انتشاراً كبيراً لظاهرة التسول، جراء الأوضاع الاقتصادية المتردية وقلة فرص العمل"، وأضاف أن "نسبة الفقر في الأنبار تبلغ 30% تقريباً، مما يتطلب معالجة حقيقية من قبل الجهات المعنية وتعاون كافة الدوائر عبر توفير فرص عمل، عن طريق إنشاء المشاريع الخدمية والصناعية وفتح المجال أمام الشركات الاستثمارية لتشغيل أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل"، وأردف هلال، قائلاً: "نتخوف من انتشار ظاهرة التسول في الأنبار، وخصوصاً من إمكانية استغلال المجاميع الإرهابية والإجرامية للمتسولين من الأطفال والشباب في تنفيذ عمليات مسلحة وسرقة وغيرها من جرائم".

التسول في اغنى محافظات العراق

تضم محافظة البصرة أكثر من 3000 متسول، على الرغم من الحملات الأمنية والملاحقات التي تنفذها الأجهزة الأمنية لملاحقتهم، إلّا أنّها لم تحد من حجم هذه الظاهرة، وقال العقيد باسم غانم في شرطة البصرة، في تصريح له، إنّ "الأجهزة الأمنية بدأت حملتها لمكافحة ظاهرة التسول في البصرة، لكنّ الحملة باتت غير مجديةً وسط غياب القانون الذي لم يتح لنا محاسبة المتسولين"، وأكد أنّ "ما يحصل عليه المتسولون من الأموال أكبر ممّا تمنحه شبكة الحماية الاجتماعية لهم، لذا فهم مستمرون في نشاطهم بالرغم من تكرار الاعتقالات التي تطاولهم"، مبينا أنّ "أكثر من 1000 امرأة و1000 طفل و1250 شاباً يمتهنون التسول في تقاطعات مركز المحافظة"، يؤكد عدد من متسولين أنّ البطالة المستشرية في المحافظة، هي السبب الرئيسي في انتشار ظاهرة التسول فيها، وأنّ الحصول على فرصة عمل أصبح أمرا عسيراً جداً.

القانون العراقي

من العوامل المؤثرة في معالجة ظاهرة التسول والانحراف عند الأطفال الوضع القانوني الذي تتبناه الدولة للحد من هذه الظاهرة، من خلال استخدام الأسلوب الأوفق وليس المعالجة، فقد ثبت إن التشريعات وحدها لا تفي بالمعالجة ما لم تسبقها استعدادات تعبوية شعبية و توعية مفهومة، وأثرها الاجتماعي السلبي على الجميع كي يمكن للتشريعات أن تفعل فعلها بعد ذلك التشريع الوحيد للحد من هذه الظاهرة وكان في عام 1969 من قانون العقوبات العام المرقم 111 المعدل والمتضمن المواد التالية:

1- المادة ـ 290/ يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد على ثلاثة أشهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وجد متسولاً في الطريق العام والأسواق والأحياء السكنية وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة إذا تصنّع المتسول الإصابة بجروح أو عاهة أو استعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الخداع لكسب إحسان الجمهور أو كشف عن جرح أو عاهة أو في الاستجداء.

2- إذا كان مرتكب هذه الأفعال لم يتم الثامنة عشرة من عمره تطبق بشأنه أحكام مسؤولية الأحداث في حالة ارتكاب مخالفة .

3- المادة ـ 291/ يجوز للمحكمة بدلاً من الحكم على المتسول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة، أن تأمر بإيداعه مدة لا تزيد عن سنة داراً للتشغيل من كان قادراً على العمل أو بإيداعه ملجأ أو داراً للعجزة أو مؤسسة خيرية معترفا بها إذا كان عاجزاً عن العمل ولا مال لديه يقتات منه، متى كان التحاقه بالمحل الملائم له ممكناً. 3

4- أما المادة ـ 292 فقد نصت على، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلّ من أغرى شخصاً لم يتم الثامنة عشرة من عمره على التسول، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة التي لا تزيد عن مئة دينار أو إحدى هاتين العقوبتين إذا كان الجاني وليا أو وصيا أو مكلفاً برعاية أو ملاحظة ذلك الشخص.

مع أن هذ المواد القانونية عالجت مشكلة التسول والاستجداء من عدة جوانب اجتماعية وعقابية إلا أنها لم تطبق بشكل فعلي لأ سباب عدة تقف في مقدمتها الظروف الآنية التي يمر بها البلد منذ الحرب الاولى الى يومنا هذا مع غياب الأجهزة الرقابية والتنفيذية المتابعة والأوامر الخاصة حسب الظروف الآنية والمستعجلة، إلا أن صعوبة تفعيلها بسبب ضعف الأجهزة التنفيذية وعدم الجدية في التنفيذ جعل من هذه المواد حبراً على ورق، كما أن عملية التقادم على هذه القوانين وعدم سن قوانين وتعليمات مواكبة لتطور هذه الظاهرة أفرغها من كل فاعلية أو أهمية، وما زالت هذه المعالجات تخضع للظروف الآنية في تفعيلها أو العكس ما أدى إلى انتشار ظاهرة التسول بشكل غير مسبوق، وقد ساهم تعاطف الرأي العام مع ظاهرة التسول في إخفاق تفعيل هذه القوانين باعتبارأن التعرض لهم عمل غير أنساني.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)

..........................
المصادر
- مجلس القضاء الاعلى
- العربي الجديد
- المدى
- الحرة
- الجزيرة
- كوردستان 24
- باسنيوز

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2