ربما لم يعِ كثيرون أن العزلة لا تعني الاستقلالية، بل على العكس من ذلك تماما، فالعزلة تعني الخمول والكسل والسكون في برجٍ عاجٍ يفصلك عن الآخرين، أما الإنسان المتفاعل فهو الذي يمكن أن نطلق عليه بـ الشخص المستقل أو الإنسان الذي يتحلّى باستقلالية عالية، لأنه يتخذ قراراته المتفاعلة من دون تردد، ولا يعزل نفسه عن الناس بسبب التعصب أو الجهل أو وضعه لأحكام افتراضية عن الآخرين يجد فيها أعذارا وتبريرات لعزلته.

ولذلك من غير المقبول أن تفترض أن هذا الإنسان أو ذاك يتحل بطبيعة سيئة إلا بعد أن تحتك به وتتفاعل معه، أما الذهاب إلى اعتزال الناس بحجة الاستقلالية فهي حجج غير واقعية ناتجة عن الجهل أو التحجّر الفكري والعقلي، لذلك يعد هذا النوع من الفكر الوهمي لرسم الآخرين، وتوقّع مواقفهم أو آرائهم او حتى بعض سلوكياتهم، من المؤشرات الواضحة التي توحي بجهل الإنسان، وانتمائه الى التعصب والحدّية، بمعنى لا يصح أن تصدرَ حكما متسرّعا، أو تكوِّنَ انطباعا معينا عن إنسان ما، إذا لم تتيقّن من أن حكمك هذا قد اكتسب الدرجة القطعية من التأمّل والواقعية والدقة، ولا يمكن ان يتحقق مثل هذا الشرط في ظل عقلية مغلّفة بالتعصب والجهل والتسرّع، وهناك بالفعل من يفكر ويتصرف وفق هذه العقلية المغلقة التي لا تسمح له بتوفير رؤية صادقة لا تجنح إلى التعصّب.

الانفتاح دليل قوّة شخصية الإنسان

أما تفاعل الإنسان مع محيطه الاجتماعي العملي الدراسي وسواه، فهو دليل على الانفتاح وقوة الشخصية وإيجابيتها، لذا فإن التأثيرات التي يعكسها التفكير المغلق كثيرة، لدرجة أنها تضغط على الإنسان وتحرمه من أية فرصة جيدة لإقامة علاقات طيبة معهم، كما أنّ هذا الأمر يقف عائقا أمام تقدم الفرد والمجتمع ككل، فعندما تسيء الظن مقدَّما بالآخر ودون أن تحتك به وقبل ان تشتبك معه في علاقة عمل او علاقة فكرية او ثقافية، فإن هذا السلوك والموقف ينمّ عن تسرّع، وسلوك متعجّل، قد يجعلك وحيدا وفاشلا في كسب ثقة الآخرين، حتى لو كنت ترأسهم، أو تقودهم إداريا أو فنيا أو في أي مركز وظيفي أو اجتماعي كان، فالثقة في العمل تُبنى على أساس المواقف المتوازنة وليست المتسرعة أو تلك التي يفرضها التعصب والجهل مسبّقا.

وفي كل الأحوال تؤكد الوقائع أن الإنسان المنعزل – ولا نقصد هنا الاعتكاف الذي يكون دافعا للإنتاج الفكري أو سواه- فاشل في جميع المقاييس، على العكس من الشخص المتفاعل والمبادر في تطوير علاقاته الجيدة مع الناس، فقد أكدت دراسات علمية مؤكَّدة أصدرتها مراكز بحث متخصصة، أن التفاعل الإنساني المنفتح على آفاق واسعة متعددة، يكسب شخصية الإنسان نجاحا وتميزّا، ويصبح في هذه الحالة، محورا لعلاقات كثيرة، فضلا عن نظرة الاحترام التي يكسبها من الآخرين في المحيطين المجتمعي والعملي، ودرجة التعاون التي يبديها الآخرون له، على العكس من الشخصية المتسرعة التي تطلق الأحكام جزافا وتذهب إلى العزلة المريضة البائسة وليست العزلة المنتجة التي تختلف تماما عن عزلة التردد والضعف والفشل الناتج عن الجهل أو المواقف والتصورات الافتراضية التي تسبق التفاعل مع الآخرين ومعرفة شخصياتهم بالتجربة وليس بالافتراض.

لذلك نحن مطالبون بالتفاعل الإيجابي وتجنّب الكسل والخمول اللذين يؤديان إلى العزلة المريضة التي غالبا ما تأتي كناتج للتصورات المفترَضة التي لا يمكن أن يكون حاملها شخصاً ذا تطلّع ايجابي، كذلك لا يعني استقلال الذات أن يتسم الإنسان بالتسرع في رسم شخصية الآخر قبل التفاعل معه، وعدم الإطلاع على مواقفه ومعرفة صفاته وخصاله وأخلاقه، وتصوّر شخصيات الآخرين من منطلق ذاتي صرف، فالتجربة كما هو معروف للجميع خير برهان.

مهارات التواصل مع الآخرين

لذلك ليس هناك أفضل من الإنسان المتفاعل الذي سيحتفظ بذاته المستقلة بسبب نشاطه وتفاعله، مع كونه شخصية متعاونة لا تتخّيل صورا إستباقية للآخرين، لهذا وصفت مجموعة من العلماء في دراسة متخصصة لها، عن سمات الإنسان المتفاعل مع الآخرين (Interdependent) بأنه:

(هو ليس الحالة المعاكسة للإنسان المستقل، بل هو تطوّر للشخص المستقل، فالشخص المتفاعل هو شخص مستقل، لديه من الثقة بنفسه ومن مهارات التواصل مع نفسه ومع الآخرين ما يمكّنه من التفاعل من الآخرين بثقة، ومن البحث عن المشتركات معهم، وحل الخلافات، والوصول إلى أهداف يمكن تشاركها).

فالإنسان الذي يتحلى باستقلالية التفكير، سوف يمتلك استقلالية اتخاذ القرار، بالتالي فهو لا يمكن أن يجعل من نفسه أسيرا للأحكام الافتراضية أو المسبقة، ما لم يتأمّل ويتبصّر في حكمه على الآخرين قبل إطلاقه، لهذا يحتاج المجتمع الى نموذج الإنسان الحيوي النشيط التفاعلي، وينضوي تحت هذه التسمية أو هذا النوع من الناس، الإنسان المتأمّل، المنفتح بذكاء وإنسانية والمتعاون، الذي لا يذهب مطلقا إلى تقييم الناس قبل تجريبهم.

فلو أردت أن تبني استقلاليتك بأسلوبٍ محكم، عليك أن تشتبك في علاقات إيجابية تطوّر شخصيتك ولا تحجِّمها من خلال الانعزال بسبب سمات التلكّؤ التي يدخل ضمنها الكسل، الجهل، التعصب والانغلاق، وهي صفات تشكل عائقا أمام تطوير الذات أولا، وتعقيدا للعلاقات الاجتماعية والعملية ثانيا، الأمر الذي ينعكس على الفرد وعموم النسيج المجتمعي، ويحدّ من حالات التوافق والتشارك والانسجام، ويضع العصي في عجلة تطور المجتمع، لذلك يستدعي الأمر مراجعة للذات، على نحو دائم، لان التعاون (وحسن النيّة)، لابد أن يتقدم على كل شيء في العلاقات البشرية، إلا في حالة كشف الانحراف والخلل الذي قد يرافقها بعيدا عن التصوّرات، وفي مثل هذه الحالة هناك ضوابط قانونية وعرفية وأخلاقية، تضع حدا لمثل هذه الحالات، لذا يجب على الفرد الذي يرغب بجعل شخصيته حيوية منتجة متفاعلة أن يدخل في صميم العلاقات الإنسانية، بصدق وذكاء وضمن الأطر الأخلاقية والعرفية والتربوية التي تحميه من العزلة السلبية.

انقر لاضافة تعليق
محمد الدجيلي
العراق
ما فائدة الإنسان إذا لا يمدّ جسور المحبة والثقة زالتعاون مع الآخرين، موضوع مهم اتمنى أن يصل إلى كل من يرى في العزلة طريقا لحياته، بل العكس طريق الحياة أن تكون انسانا متحركا منتجا مفكرا ذا دور كبير ومتميز في رحلة الحياة2019-01-22
محمد الدجيلي
العراق
ما فائدة الإنسان إذا لا يمدّ جسور المحبة والثقة زالتعاون مع الآخرين، موضوع مهم اتمنى أن يصل إلى كل من يرى في العزلة طريقا لحياته، بل العكس طريق الحياة أن تكون انسانا متحركا منتجا مفكرا ذا دور كبير ومتميز في رحلة الحياة2019-01-22
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في هذا الكون للتعمير والتفاعل
التفاعل السوي بين الإنسان وأخيه الإنسان في الخير بغية التكامل
ولكي يتم ذلك لابد للإنسان من كسر كل أشكال العزلة ليتم التواصل
ولو سادت ثقافة الحب والخير والتسامح والعطاء لعم السلام الكامل
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-22

مواضيع ذات صلة

8