ماذا تعني كلمة الهوية، سؤال تمَّت مناقشته من قبل كثير من المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس، ولا تزال النقاشات جارية وربما ستستمر طويلا، فالهوية باختصار تعني (هو) بكل الصفات والسمات واللوازم التي تُفرِزُ هذا الفرد عن ذاك، أو هذه الجماعة عن تلك، فقدّ عرَّفَ المختصون الهويّة في اللّغة بأنّها مُصطلحٌ مُشتقٌّ من الضّمير هو؛ ومعناها صفات الإنسان وحقيقته، وأيضاً تُستخدمُ للإشارةِ إلى المَعالم والخصائص التي تتميّزُ بها الشخصيّة الفرديّة، أمّا اصطلاحاً فتُعرفُ بأنّها مجموعةٌ من المُميّزات التي يمتلّكها الأفراد، وتُسهمُ في جعلهم يُحقّقون صفة التفرّد عن غيرهم، وقد تكون هذه المُميّزات مُشتركة بين جماعةٍ من النّاس سواءً ضمن المجتمع، أو الدّولة.

وتوجد أيضا تّعريفات أُخرى لمصطلحِ الهويّة، فيُقال أنّها كلُ شيءٍ مُشترك بين أفرادِ مَجموعةٍ مُحدّدة، كما أن الهوية بحسب ذوي الاختصاص مصطلح يستخدم لوصف مفهوم الشخص وتعبيره عن فرديته وعلاقته مع الجماعات (كالهوية الوطنية أو الهوية الثقافية)، ويستخدم المصلح في علم الاجتماع وعلم النفس بشكل خاص، وتلتفت إليه الأنظار بشكل كبير في علم النفس الاجتماعي، وجاء مصطلح الهوية في اللغة العربية من كلمة: هو.

لذلك يعتدُّ الفرد بهويته، لأنها بحسب مختصين تعني مجمل السمات التي تميز شيئا عن غيره أو شخصا عن غيره أو مجموعة عن غيرها، كل منها يحمل عدة عناصر في هويته، وهي عناصر شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى، أما الهوية الشخصية فتعرِّف الشخص بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده، في حين أن الهوية الجمعية (وطنية أو عرْقية) فتدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى، فأفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كونتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة، فما يجمع الشعب الهندي مثلا هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم أيضا دولة واحدة ومواطنة واحدة، كل هذا يجعل منهم شعبا هنديا متمايزا رغم أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى.

وتوجد عوامل ومسببات يمكن أن تسهم في بلورة هوية تتجاوز الفردية إلى الكلّية أو الجماعية وهي كثيرة، أهمها اشتراك الشعب أو المجموعة في الأرض، واللغة، والتاريخ، والحضارة، والثقافة، والطموح وغيرها، وهناك عدد من الهويات القومية أو الوطنية تطور بشكل طبيعي عبر التاريخ، وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرَّعتْ في تبلور المجموعة، وقسم من الهويات تبلور على أساس النقيض لهوية أخرى، وتوجد تيارات عصرية تنادي بنظرة حداثية إلى الهوية وتدعو إلى إلغاء الهوية الوطنية أو الهوية القومية.

إذاً هناك هوية جماعية (وطنية) تجمع شعب ما مع بعضه، ولكن هذا يلغي وجود هويات أقل أو أصغر تتواجد وتنشط ضمن الهوية الأكبر التي يمكن أن نسميها بـ الوطنية، وقد ساهم وجود فكرة الهويّة في التّعبيرِ عن مجموعةٍ من السّمات الخاصّة بشخصيّات الأفراد؛ لأنّ الهويّة تضيف للفرد الخصوصيّة والذاتية، كما إنها تعتبر الصورة التي تعكس ثقافته، ولغته، وعقيدته، وحضارته، وتاريخه، وأيضاً تساهم في بناءِ جسور من التواصل بين كافة الأفراد سواءً داخل مجتمعاتهم، أو مع المجتمعات المختلفة عنهم اختلافاً جزئياً معتمداً على اختلاف اللغة، أو الثّقافة، أو الفكر، أو اختلافاً كُليّاً في كافّةِ المجالات دون استثناء.

في العراق على سبيل المثال هنالك مركّب مجتمعي متنوّع، يتشكّل منه النسيج المجتمعي، لدرجة أن العلماء أطلقوا على التركيبة المجتمعية العراقية بالفسيفساء، في إشارة إلى التنوّع في هذا النسيج، فهناك هوية للفرد العراقي، وهنالك هوية وطنية جمعية عراقية، وما بين هاتين الهويتين هوية الأقليات، وهي هوية أصغر من الهوية الأم، على سبيل المثال يوجد ضمن النسيج المجتمعي العراقي أقليات عرقية ودينية، هل يجوز إلغاء هذه الهويات؟!.

هذا السؤال الجوهري، هناك من يتطرَّف ويخطئ في الإجابة عنه، حين يذهب في رأيه وإجابتهِ وتطرّفه إلى وجوب إلغاء هذه الهويات الفرعية، بحجّة أنها تُضعف الهوية الأم أو الأكبر، والتي يطلق عليها العلماء الاختصاص بالهوية العراقية أو الوطنية، وهناك في المقابل من يدعو إلى أحقية هذه الهويات الفرعية (الأقليات) بالاحتفاظ بهويتها داخل إطار الهوية الأكبر، فأيُّ الرأيين هو الأصح من الآخر؟

هناك من يجيب بأهمية إقصاء الهويات الأصغر، وتذويبها في الهوية الأكبر، وهذا هو الاتجاه المتطرّف الذي لا يتبصّر في هذا الأمر بصورة حكيمة ومعمّقة، وهناك من يدعو إلى حماية الهويات الأصغر الأقليات والحفاظ على خصوصيتها من التذويب والتهميش والإقصاء، بل يمكن لها الاحتفاظ بكامل أفكارها وثقافتها ومعتقداتها المعروفة والتي تميزها عن سواها من الهويات، ولكن في إطار الهوية الوطنية، هذا الرأي يمتلك من العلمية والواقعية الكثير، كما أنه سبب أساس في نجاح الديمقراطيات وتعميقها.

فالدولة التي تحمي أقلياتها وتحافظ على خصوصياتها، وتتجنب إقصاءها، ستنمو وتكبر وتتميز وتكسب مزايا التنوع المجتمعي لصالح تطورها وقوتها الثقافية والاقتصادية والسياسية عن الدول التي تقمع الأقليات بحجة تقوية وتنمية الهوية الأكبر، وهذا تفكير سياسي اجتماعي خاطئ يعود بأضرار هائلة على المجتمع، بل ويخلخل النسيج المجتمعي بالتفكك، ويناوئ السلم الأهلي ويجعله عُرضة للهزال والتهرؤ، وبالتالي نكون أمام مجتمع مفكك لا تحميه هويته الأكبر، الوطنية أو القومية أو غيرها.

انطلاقا مما تقدَّم وبخصوص ما يحدث في العراق حول الهويات وخصوصياتها، وأيهما أصحّ وأفضل للعراقيين، هل الأفضل تركيز الهوية الأم (الوطنية، القومية)، أم الأفضل للدولة والمجتمع، الإبقاء على الهويات الفرعية بلا مضايقات، وحماية خصوصياتها، ولكن حريتها هذه تبقى في إطار الهوية الأكبر، إن هذا التخريج السليم هو الحل النموذجي لمشكلة الهويات في العراق بالمرحلة الراهنة.

فقيام نظام ديمقراطي في الدولة العراقية يجب أن يقوم على التعددية، وعدم تهديد الهويات الأصغر وسلبها خصوصيتها، هذا النظام السياسي الديمقراطي الذي يحمي الأقليات، وينأى عن إقصاء الهويات الأصغر، سوف يتمكن من بناء مجتمع متلاحم يحتفظ بخصوصياته ويحمي أقلياته ويندمج في ضوابط واضحة تساعد على حفظ السلم الأهلي وتدعم وشائج وأواصر التلاحم المجتمعي، كما أنها سوف تتخلص من الصراعات الجانبية وتدفع بالأقليات إلى احترام دولة المواطنة القائمة على التنوع والتعددية والفهم المشترك للهويات بمختلف توجّهاتها، طالما أنها تنتمي إلى الهوية الأم هوية المواطنة.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
من العبث والخطر محاولة الغاء وطمس الهويات
هذا الفعل سيعقبه رد فعل متطرف ومتعصب من الأقليات
وسيجر المجتمع الى مستنقع الكراهية وما تشمله من صراعات
والأفضل هو التوافق والتآلف على العيش المشترك بين جميع الهويات
والإلتقاء حول هوية الوطن الكبري لبناء مجتمع المحبة والتسامح والحريات
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-19

مواضيع ذات صلة

0