يحكى أن أحد قياصرة الروس كان يدرس في هولندا، وكان معجباً بنظام الحياة هناك، وبما يراه من نظام دقيق ونظافة وتطور في مجالات عدّة، وعندما يعود الى بلاده يصطدم بالتفاوت في الظواهر الاجتماعية أمامه، حيث التخلف والفوضى، فتقفز في ذهنه صورة الانسان الهولندي الانيق في مظهره، وهو حليق الوجه، ومصفف الشعر، بينما ابناء جلدته بلحيتهم الطويلة والكثّة، فتشكل في ذهنه السبب في تخلف بلاده بوجود هذه اللحية المثيرة للاشمئزاز! فأمر جميع الروس بحلق لحاهم لعلّهم يصلون الى مستوى الانسان الهولندي! بيد أن النتيجة لم تكن سوى بقاء الانسان الروسي في طباعه وسلوكه ونمط تفكيره، فيما المستفيد الوحيد هي الشركات الهولندية التي بدأت مصانعها تنتج بشكل مضاعف شفرات الحلاقة لتصديرها الى روسيا.

هذه الحكاية المعبّرة لواقعنا الاجتماعي الغارق في المتناقضات والمتاهات الثقافية، تثير السؤال الكامن في نفوس عامة الناس؛ ما الذي يجب على المثقف والمفكر فعله بين اوساطهم؟ والسؤال اللاحق؛ اذا كان يتكلم عن أفكار نهضوية وإصلاحية، ويحمل شعارات الحرية والتنمية والاستقلال وغيرها، فلماذا الناس في هذا البلد او ذاك، وبعد وصول هؤلاء النهضويون والمصلحون الى سدّة الحكم، ما يزالون يعيشون الكبت والتخلف والتبعية؟

ثمة حديث طويل عن اسباب اضطراب العلاقة بين النخبة المثقفة وبين الجماهير في بلادنا، منها؛ الاعتقاد السائد لدى البعض بعدم قدرة الجماهير على التفكير والتقرير، وانها بحاجة لمن يفكر بالنيابة عنها، وهذا الاعتقاد بدوره له جذور في طريقة تفكير شريحة من المثقفين المستوردين افكارهم ونظرياتهم من خارج البيئة الثقافية لجماهيرهم، على أن هؤلاء ليس بالمستوى الذي يمكنهم فهم "مراحل التغيير"، او الطرق الفلسفية في الوصول الى الحقائق كما جربه الآخرون.

في أحد الايام، وخلال زيارة له لمدينة كربلاء المقدسة، تحدث أحد الرموز الفكرية والسياسية البارزة في العراق عن المسيرة الحضارية في البلد، ودعى لأن "تلتحق كربلاء بسائر المدن المقدسة بهذه المسيرة الحضارية..."! بمعنى؛ أن هذه المدينة التي تتميز باحتضانها مرقد الامام الحسين، عليه السلام، وما ينطوي عليه من مفاهيم وقيم استوقفت المفكرين والعلماء من المسلمين وغير المسلمين، معدومة من أي ملامح حضارية، فهي أشبه باحدى المدن في مجاهيل افريقيا!

ان تجربة العراق في صعود معارضين للحكم الديكتاتوري الى سدّة الحكم، وإخفاقهم في تطبيق نظرياتهم وافكارهم على ارض الواقع، ليست التجربة الاولى التي تشهدها شعوبنا العربية والاسلامية، فامامنا التجربة الجزائرية التي انجبت ثواراً ومجاهدين أسهموا في انقاذ شعبهم من الاستعمار الفرنسي وانتزعوا منه الاستقلال فيما يسمى بـ "ثورة المليون شهيد"، بيد ان أول رئيس جمهورية للجزائر المحررة، وهو من الطلائع الثورية؛ أحمد بن بلا، يقول في مذكراته: "إن بيوت الصفيح المنتشرة حول العاصمة الجزائر تمثل ضحايا ثورة التحرير"!

ووقد وضع مفكرون اسلاميون يدهم على الجرح بقوة، واكتشفوا الخلل الفكري في أدمغة بعض "المجاهدين" الذين يقولون ان لهم الفضل في انقاذ بلادهم من الاستعمار او من الديكتاتورية، وهي؛ تجاهل القدرات الذاتية للجماهير على التحول من الغفلة الى اليقظة والوعي، ومن التخلف الى التطور في العلم ونمط الحياة، والأهم من كل ذلك؛ قدرتها على صون تاريخها وهويتها، وهو ما يطلق عليه البعض بالتقاليد"، او الموروثات الشعبية، او الاعراف الاجتماعية، وبدلاً من التقويم والإثراء والتأصيل، وجدنا البعض في شريحة المثقفين والمفكرين عاكفٌ على التشكيك والطعن والتقليل من اهمية كل ذلك لإفساح المجال لما يحملونه من افكار ونظريات يعدونها صالحة للمجتمع.

نعم؛ بإمكان الشريحة المثقفة قيادة المجتمع نحو الخلاص ثم النجاح في مسارات الحياة عندما تساعد على الخصب الثقافي في مجتمعها بما يمكنها من إنجاب المزيد من المثقفين والمصلحين ثم رعايتهم لتكون الانطلاقة من رحم الواقع ومن صميم المشكلة ليصار الى الحل الجذري والحقيقي.

وهذا ما نستفيده من التوجه الحضاري الباهر في القرآن الكريم عندما يتحدث عن مشاريع التغيير في الأمم على يد الرسل والانبياء حيث تقول الآية الكريمة في سورة المؤمنون: ((فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ))، فالمصلح لم يكن ثرياً من طبقة اجتماعية مميزة، ولا حكيماً عاكفاً على تعقله وطريقة تفكيره الخاصة، ولا عابداً بعيداً في صومعته، إنما هو انسان عادي –من حيث الظاهر- يعيش كما يعيش الناس، مع الفارق في تحمله المسؤولية الكبرى لتغيير بني قومه وامته نحو الافضل، وقد أعلن النبي الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله، لبني قومه بأن "إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"، لا أن انسف كل شيء وأفرض عليكم نمط حياة جديدة.

ان الحديث المستمر في بعض الادبيات عن الافكار النهضوية الكبيرة بحاجة الى مصاديق عملية على ارض الواقع على شكل جمعيات واتحادات ونقابات تنظم أنشطة الشرائح المتنوعة في المجتمع من طلبة مدارس وجامعات وعمال وفلاحين ومهنيين وحتى العجزة والاطفال ايضاً، لنشر الوعي، ولكن أيّ وعي؟! انه وعي الذات، وليس فقط الوعي السياسي او الامني او الاقتصادي الذي يفقهه الجميع نظراً للظروف الحاكمة التي تجعل من الجميع محللين سياسيين وخبراء في التجارة والاقتصاد ومنظرين في الامن، وكل هذا مطلوب قطعاً، بل الى جانبه الوعي بالواقع الذي يعيشه افراد المجتمع والتأمل فيه ثم اصدار الحكم عليه، وما اذا كان بحاجه الى علاج او تقويم او ربما تطوير.

ومن ابرز الامثلة على ذلك، وإن كان ليس في سياق الموضوع؛ دعوات علماء النفس لافراد المجتمع بالتواصل مع الاطباء النفسانيين لحل المشاكل الناتجة من اختلالات نفسية تسبب في أزمات أسرية او اجتماعية، وهي الدعوات التي لا تلقى الصدى المطلوب، ثم نسمع من هؤلاء العلماء انفسهم تفهم عدم التفاعل، لوجود انطباع سائد بأن الطبيب النفسي إنما يعالج المجانين وحسب!

الفقر والأمية والتبعية وغيرها من الظواهر الاجتماعية لم تكن يوماً عومل حقيقية لدفع الجماهير للتظاهر او الاحتجاج ومواكبة المثقفين في مشاريعهم المعارضاتية، كون هذه الجماهير –في غالب الاحيان- لا تدرك آثار هذه الظواهر على حياتها، وربما تكون مندمجة مع الاجواء مهما كانت سيئة في نظر المثقفين على المدى البعيد، فهي تعيش يومها الذي قد تراه مناسباً لها، لذا عليا ان تعي المشكلة بذاتها لا ان يأتيها الوعي مترجماً بشعارات من الخارج، فيحصل ما يشهده العراق اليوم من ترحّم على الاوضاع التي كان يعيشها في عهد صدام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4