في أي مجتمع تهيمن عليه النزعة المادية، وتنحسر فيه القيم الأخلاقية والإنسانية، سوف تسود فيه علاقات مشوهة، ظاهرها مقبول وباطنها يغصّ بالزيف والشكلية التي تنهزم أمام الحقائق، وقد تهون النزعة المادية في مجالات معينة، لكنها عندما تهدّد حياة الإنسان، وتستهين بحرمته، فهذا يعني فيما يعنيه دق ناقوس خطر الانحدار في منحدرات الكسب المادي على حساب القيم الإنسانية كالتعاون، والتكافل، والاحترام، وتُصبح المادة أو المال هو الهدف الأول للجميع.

في الطب هناك ثلاثة أقطاب تتمحور حولها العلاقة الثلاثية، وتضم الطبيب الفاحص المشخّص، الصيدلي بائع الدواء، والثالث وهو القطب الأضعف (وسنأتي على أسباب ضعفه) ونعني به المريض، الطبيب المشخص هو من يقوم بعملية فحص المريض، وهو الطرف الذي غالبا ما يُتَّهم بأنه (تحوّل من ملاك رحمة، إلى حالة جشع لا تُطاق)، بالطبع لا يمكن التعميم في هذا المجال، ولكن من كثرة شكاوى الناس المرضى، تكاد المزعة المادية لدى الأطباء تشكّل ظاهرة.

أما الصيدلي فهو يقوم بعمل مكمل لعمل الطبيب ولا يقل عنه أهمية، فهو من يقوم بتوفير العلاج للمريض بعد فحصه أو التداخل الجراحي، إذا لا فائدة من الفحوصات وحدها إذا لم تتبعها العلاجات، ولكن برزت مشكلة جديدة، هي محاولة استغلال الصيدلي للمريض من خلال استشراء النزعة النادية وفرض أجور أدوية كيفية في ظل عدم سيطرة الجهات المعنية، وزارة الصحة، الحكومة عليها، فصار الصيدلي هو (الخصم والقاضي) في نفس الوقت، فهو الذي يعرض العلاج بحسب حاجة المريض وهو الذي يضع الأجر لهذه المادة العلاجية أو تلك، وهذا يؤكد ضعف الطرف الثالث المريض في هذه الحلقة الثلاثية، لسبب واضح، هي حاجته للدواء بسبب غياب هامش التأجيل لأن حيته ستكون مهددة بالفناء أو الاعتلال.

هل المريض هو الضحية؟

وفي كل الأحوال سيكون الضحية هو المريض، الذي سيدفع للعلاج أيّ مبلغ مطلوب، من دون أن يعترض أو يحتج أو حتى يسأل عن سبب غلاء هذا العلاج أو ذاك، وقبل هذه الخطوة سيدفع المريض مبلغ الفحص السريري التشخيصي (مجبرا غير مخيّر)، من دون أن يناقش الطبيب المعالِج عن سبب رفعه لسعر الفحص أو (الكشفية)، هذه العلاقة غير المتكافئة بين الأقطاب الثلاثة تؤكد على أن هناك خللا في القيم، وأن مهنة (ملائكة الرحمة) تحولت من كونها أرفع مهنة إنسانية إلى صفقات ربحية تجارية يكون المغبون بها القطب الثالث المريض.

من أين جئنا بالآراء المطروحة في أعلاه، وهل هناك مغالاة في طرح هذا الموضوع، وهل الهدف منه الإساءة لمهنة الطب والصيدلة؟، هذه التساؤلات يتم طرحها من قبل الأطباء والصيادلة وهو حق مكفول لهم، ولكن هل يجوز أن يُحرم الناس من قول حقائق يتعاملون معها يوميا؟

في لقاء إذاعي مع نقيب الصيادلة في مؤتمر يتعلق بمناقشة هذا الموضوع، صرّح نقيب الصيادلة بأن باب نقابته مفتوح لشكاوى المواطنين من المرضى في حال تعرضوا إلى الغبن من أي نوع كان، وتكلم النقيب عن ظواهر تسيء لمهنة الطب والصيدلة، منها الأسعار الكيفية لفحص المرضى من قبل الأطباء، والأسعار المغالى بها من الصيدليات بغياب التشريعات اللازمة أو عدم تطبيقها، وهناك حالة تكلّم عنها حول (الكشفية المشفّرة)، فقال نحن نرفض أن يقوم الطبيب بكتابة رموز مشفرة في كشفة المريض ويجبره على أخذ الدواء من صيدلية محددة، وطالب المرضى بمراجعة النقابة لرفع شكوى وأن بابه مفتوح للجميع.

هذه التصريحات التي استمعنا لها من إذاعة جمهورية العراق في بغداد، تؤكد ما يدور بين الناس حول الأدوية وأسعارها، وحول الاتفاقات بين بعض الأطباء وبعض الصيدليات عبر كتابة كشفية مشفّرة لا يفهمها إلا صيدلي محدد ومتَّفق مسبقا مع الطبيب، بالطبع لو أمعنا النظر في مثل هذه السلوكيات حتى لو كانت بنسبة محدودة، فإنها لا تليق بهذا القطاع الإنساني الذي لا غنى للجميع عنه، فكما مرّ ذكره يتميز قطاع الطب وحتى الصيدلة بإنسانيته العالية، نعم الجانب المادي هدف مشروع، ولكن شرط أن لا يبلغ مستوى الاستغلال.

الحاجة إلى التشريعات وتطبيقها

هل هناك معالجات يمكن اللجوء إليها للحد من هذه العلاقة الشائكة بين الطبيب، الصيدلي، المريض؟ نعم هناك طرق عديدة للمعالجة، منها إجرائية تنظيمية قانونية، ولكن العنصر الأهم في المعالجة يكمن في تمكين الجانب الإنساني في هذه العلاقة، بمعنى لا يصح ولا يجوز أن تكون الربحية غير العادلة والمادية المطلقة هي المتسيّد الأقوى في هذه العلاقة، بل يجب أن يكون المتسيّد هو إنسانية الإنسان الطبيب والصيدلي والمريض معا، بهذه الطريقة ووفق هذه القيم، يمكن أن يكون هناك توازن مضبوط لأطراف العلاقة، يضمن حقوق الجميع.

كذلك هناك حاجة لتحريك القوانين التي تنظّم هذه العلاقة، لأن الطبيب والصيدلي وحتى المريض إنسان، تتحكم به غرائز ومشاعر وأفكار قد تكون في غير محلها، ربما تدفع بأحدهم إلى تجميد إنسانيته، وترك النزعة المادية تتحكم به كما تشاء، فيتحول بذلك من طبيب أو صيدلي إنسان، إلى تاجر غير منصف هدفه الربح بأية طريقة كانت بغض النظر عن شرعيتها أو درجة قبولها، لذلك يحتاج هذا الأمر إلى نوع من التنظيم، وسن القوانين المناسبة مع أهمية تطبيقها، مع أن الأولية تبقى لصالح إنسانية التعامل، ومحاربة الهيمنة المادية، وإعطاء النموذج الإنساني أولية تفوق كل المخرجات الأخرى.

ويقودنا هذا الموضوع إلى بروز ظاهرة المستشفيات الأهلية التي تفوقت على الحكومية في خدماتها الطبية وجودتها، لكن رغم الحالة الصحية لظهور هذا النوع من المستشفيات الخاصة، إلا أن هناك شكاوى مادية أيضا تظهر بين آونة وأخرى من المرضى حول الأسعار تحديدا، سنبحثها في مقال آخر.

انقر لاضافة تعليق
زهراء محمد صادق
العراق
قبل أيام رأيت بنفسي طبيب معروف وغني جدا يمتنع عن معالجة مريض لأنه لا يملك النقود.. أما الصيدليات فحدث ولا حرج، فعلا تبدلت مهنتهم إلى تجارة رابحة بالجشع والطمع.. الله يستر على أمة محمد2019-01-06
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
كانت الطب في سابق الزمن مهنة انسانية
كان الأطباء يهتمون بعلاج المرضى بغض النظر عن المكاسب المادية
لكن مع مرور الزمن شعر الأطباء بأن الأقل منهم كثيرا يتمتعون بالرفاهية
بينما لايجد بعضهم ما يجعله يظهر في الحياة بما يتناسب ومكانته الإجتماعية
فوصل الحال بهم للى عنق المرضى وايهامهم في بعض الأحيان للحصول على مزيد من النقدية
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-06

مواضيع ذات صلة

1