إنسانيات - مجتمع

مجتمعات الكهوف

في مجتمع تتصارع فيه الثقافات الفرعية وتتلاحق فيه الأزمات السياسية وتنعدم فيه الخدمات ويتراجع فيه التعليم وتزداد فيه الأمراض ويتضاءل فيه الذوق، لا يمكن وصفه بأي حال بغير المجتمع المتخلف، هذه حقيقة علينا التسليم بها، وكل قول بغير ذلك ينم عن جهل بحقيقة الامور او يراد به توظيفا دعائيا او بعدا سياسيا، فالفجوة بيننا والآخر من حولنا تتسع باطراد، حتى ما عاد الحال بحاجة الى استحضار معايير للاحتكام اليها، فمظاهر التخلف بادية للعيان بمعانيها المادية والمعنوية، وهذا هو حالنا في العراق.

ان تقليل الفجوة او ردمها صار ضربا من الخيال، ذلك ان خطى التحديث في العالم تمضي بخطى متسارعة وبوتائر منتظمة وبثقة عالية، بينما المسير لدينا يراوح في المكان او يتراجع الى الخلف، وفي أحسن أحواله عبارة عن دبيب خجول ينخره الفساد ويعبث به الجهلة الذين يظنون انهم عارفون بالإمور، بينما لا يبصرون أبعد من تحت أقدامهم.

لاشك ان الجميع يتطلع الى عصرنة المجتمع بوصفها شرطا لازما لتكييف المجتمع مع ما حوله وبلوغ ناصية الرفاهية، لكن البعض يظن ان العصرنة ترتبط بما هو مادي، فيعلوا صوته مطالبا بذلك، بينما يغفل ما هو معنوي او ثقافي، بل ويناصبه العداء، ويجهل او لا يريد الاقرار ان التحديث الثقافي أهم بكثير من التحديث المادي، بالرغم من أهمية ما هو مادي وحاجتنا له لتحريك الثقافي الراكد، كما من شأن الثقافي المحافظة على المادي في حال تحقيقه.

ومع ذلك فان مشكلة الفجوة ثقافية قبل ان تكون مادية، ذلك انها لا تتمثل بالبنى التحتية او بمخرجات التكنولوجيا، فمثل هذه الفجوة بالمقدور سدها في غضون مدد وجيزة، لكنها تكمن في الفجوة الثقافية التي هي حصيلة ممارسة المجتمع لأنماط تفكير تختلف في غالبها عما تمارسه المجتمعات المتحضرة، فالسلوك الحضاري الذي يستند الى العقل وليس الى العاطفة مرهون بالارتقاء بأنماط التفكير التي تتراوح لدينا بين ما هو خرافي وتسلطي والمحاولة والخطأ والتي لا يشغل فيها التفكير العلمي الا مساحة ضئيلة، فهل ما زلنا في مرحلة التفكير غير المنطقي ؟ علينا أن نحدد اين نقف بالضبط.

لا يمكن للمجتمع ان يكون عصريا، ما لم يتمظهر التحضر في سلوكياته، لكن التحضر مرتبط بالمنطقي من التفكير او ما يطلق عليه بالتفكير العلمي، وبالتالي فان المدخل لعصرنة المجتمع ثقافي بالأصل، بمعنى انه يستدعي الأصيل من القيم، وما تتمخض عنه حركة المجتمعات المتحضرة من قيم مستحدثة، فمن غير الممكن ان يتعصرن المجتمع بينما هو حبيس ثقافة الماضي، وينبذ ثقافة الحاضر والمستقبل، ولكن كيف يحدث هذا بينما القوى المتسلطة على الواقع تستمد جل قيمها من الموروث، المنطقي منه وغير المنطقي، وتعبأ المجتمع بالضد مما هو حديث، بينما يتعامل المجتمع ويسبح في فضاءات لا حدود لها من معطيات تكنولوجيا الاتصال والتواصل.

لا يمكن باي حال لمنظومات الماضي ان تنتج مجتمعا عصريا على الاطلاق، لان عناصرها وليدة ظرف تاريخي مختلف تماما عما هو حاصل الان في العالم، كما ان بعضا من قيمها تتقاطع مع القيم المستحدثة، وبالتالي فان المضي بهذا السبيل من شأنه صناعة مجتمع بشخصية مزدوجة أبرز حصائله التصارع مع الذات، فنحن نمشي بطريقين لا يمكن لهما ان يلتقيا، ففي الوقت الذي نسعى به الى تحرير الانسان من أنماط تفكيره المتخلفة، نعمل على تثقيفه بعناصر ثقافية مجافية لما وصلت اليه المجتمعات الاخرى، كيف يحصل هذا وأمامنا الكثير من التجارب التي حققت نجاحات باهرة في عصرنة مجتمعاتها ؟ بالتأكيد ان جميع المتاهات التي نكابد الويلات فيها يقف العامل السياسي وراءها، ولذا لابد من اصلاح هذا العامل وتقييده اذا ما اريد الدخول الآمن للمستقبل، وبعكسه فلن نوصف الا بمجتمعات الكهوف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0