الموت الرحيم، أو القتل الرحيم، قضية مهمة وحساسة لاتزال محل نقاش وجدل كبير في العديد من الاوساط الطبية والحقوقية والسياسية كونها وبحسب بعض الخبراء، ترتبط بحياة العديد من البشر المرضى الميؤوس من شفائهم، أو الذين لديهم إعاقة والذين قد يرغبون في انهاء حياتهم لأنهم قد يعتقدون أنهم عالة على أسرهم وأقرانهم أو أنهم يريدوا التخلص من الآلام المستمرة والنفقات. وقد تم ممارسة القتل الرحيم وكما تذكر بعض المصادر منذ العصور القديمة ولكنه قد عاد الى الواجهة من جديد قبل بضع سنوات، ويحمل في طياته "الحق في الموت". وكلمة "القتل الرحيم" في اللغة الانجليزية هي تنبع في الأصل من اللغة اليونانية، تعني "الموت الجيد". وقد عرف قاموس أوكسفورد الإنجليزي معنى القتل الرحيم: "إنه القتل الغير مؤلم لمريض يعاني من مرض مؤلم غير قابل للعلاج ".

وكثيرا ما يكون هذا القتل الرحيم مرتبط بالطبيب المساعدة على الموت، ويرتبط أيضا بالطبيب المساعد على الانتحار. في بعض السياقات القتل الرحيم يعني ببساطة "المساعدة على الموت"، ويندرج أيضا تحت ذلك الانتحار بمساعدة الغير. للقتل الرحيم عدة طرق وأشكال هي القتل الفعَّال أو المباشر، كإعطاء المريض جرعة قاتلة من دواء معد لذلك، وهو على أشكال: الحالة الاختيارية أو الإرادية وتكون بناء على وصية مكتوبة مسبقاً من المريض، والحالة اللاإرادية عندما يكون المريض فاقدًا الوعي فيقوم الطبيب بتقدير حالة المريض.

الثانية: المساعدة على الانتحار، كإطلاق النار في الرأس، أو القفز من مكانٍ عالٍ... الطريقة الثالثة: القتل غير المباشر، عبر إعطاء المريض عقاقير لتهدئة الآلام وبمرور الوقت يكون لهذه العقاقير مضاعفات في إحباط التنفس وتثبيط عمل عضلة القلب، وفي النهاية الموت. الرابعة: هي القتل غير الفعال، ويتم ذلك برفض علاج المريض أو إيقاف العلاج اللازم كالأجهزة الحيوية للمحافظة على الحياة، أو ايقاف عمل الآلة، أو تخفيف كمية الأوكسجين، أو اعطاء المريض أدوية خاصة على مراحل تؤدي الى توقف عمل القلب.

وهناك العديد من اختلاف وجهات النظر والآراء والمفاهيم التي أثيرت حول القتل الرحيم. بينما بالنسبة لبعض الناس القتل الرحيم هو مظهر من مظاهر الحكم الذاتي الفردي؛ الحق في تقرير المصير، استجابة إنسانية لمعاناة هائلة لشخص ما أو واجبا طبيا لاجراء ماهو افضل مصلحة المريض، بالنسبة لأشخاص آخرين فأن القتل الرحيم هو بمثابة أو مجرد كناية عن القتل، وانتهاك حياة الإنسان وتعديا على حق الإنسان في الحياة، ويتعارض مع حرمة عقيدة الحياة ويسهل الإساءة في معاملة الأشخاص المعرضين للخطر.

قانون فرنسي

وفي هذا الشأن وبالغالبية الساحقة، وافق نواب الجمعية العامة في البرلمان الفرنسي على مشروع قانون "نهاية الحياة" الذي يقوم بالسماح للمرضى الذين قاربت حياتهم على الإنتهاء بوقف العلاج الطبي وطلب تعاطي مهدئ عميق إلى أن يموتوا. وحصل مشروع القانون، الذي تظهر استطلاعات الرأي أن أغلب الفرنسيين يدعمونه، على تأييد 436 عضوا في تصويت بالجمعية الوطنية "المجلس الأدنى" في البرلمان مقابل اعتراض 34. ومن المتوقع أن يحصل على الموافقة النهائية من مجلس الشيوخ "المجلس الأعلى" في مايو أيار أو يونيو/حزيران. ويتفق مشروع القانون مع جهود الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند كمصلح اجتماعي بعدما دعم الموافقة على قانون مثير للجدل يشرع زواج المثليين في 2012 ووسع التعليم بشأن المساواة بين الجنسين في المدارس الابتدائية.

ويبقى موضوع نهاية الحياة من المحرمات المعقدة في المجتمع الفرنسي المحافظ، تفادى عدد من السياسيين الغوص فيه لما يمثله من حساسية عند الكثيرين. وأبدى الرئيس الفرنسي دعمه له بعدما وعد خلال حملته الانتخابية في 2011 بتعديل قوانين "حق الموت" إذا وصل إلى سدة الحكم. وتظاهر عشرات الأشخاص من مناصري ومناهضي مشروع القانون الجديد، الذي يرى فيه بعض المتظاهرين "خطورة" على المجتمع الفرنسي، وآخرون "خطوة إيجابية لكنها غير كافية"، داعين السلطات الفرنسية المسؤولة بالمضي قدما في هذا الموضوع لأنها متأخرة جدا مقارنة بجيرانها الأوروبيين. كما رفع خمسة مسؤولين دينيين عريضة نشروا مضمونها في صحيفة "لوموند" الفرنسية تضمنت نداء مباشرا يطالب بعدم جر فرنسا نحو "تقرير إعطاء حق الموت". بحسب فرانس برس.

والموقعون هم الرئيس الشرفي للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية محمد موساوي، هييم كورسيا الحاخام الأكبر لفرنسا، وفيليب بارباران رئيس أساقفة ليون، والمطران إيمانويل رئيس جمعية الأساقفة الأرثوذكسيين في فرنسا، وفرانسوا كلافيرولي رئيس الفيدرالية البروتستانتية في فرنسا. ويذكر بأن البرلمان الفرنسي سبق له وأن ناقش مرتين موضوع "الموت الرحيم" في (2011 و2013 )، وأوصى المجلس الوطني لجمعية الأطباء الفرنسيين وقتها بضرورة شرعنة "الموت الرحيم" للأشخاص الميؤوس من حالتهم.

منظمات ومطالب

على صعيد متصل أعلنت منظمة سويسرية تساعد الراغبين في إنهاء حياتهم وتدافع عن حقهم في رفض العلاج الطبي أن عدد أعضائها وصل إلى رقم قياسي العام الماضي بعد ارتفاع بلغ 20 في المئة في طلبات الانضمام إلى عضوية المنظمة. وقالت منظمة (إجزيت) التي توفر عقاقير قاتلة للأشخاص المصابين بمرض عضال إن عدد أعضائها ارتفع إلى 81015 شخصا في الجزء الناطق بالألمانية والإيطالية في سويسرا بعد أن كان 67602 شخص عام 2013. وساعدت المنظمة 583 شخصا على الموت عام 2014.

وعزت المنظمة ارتفاع عدد أعضائها إلى التقدم في سن السكان وارتفاع عدد من يعانون من الخرف وازدياد الرغبة بين الناس لتحديد مسار حياتهم بأنفسهم. وأشارت إلى أن ارتفاع عدد الأعضاء ربما زادته التغطية الإعلامية لتصويت اعضاء المنظمة على توسيع نطاق مساعدتهم ليشمل الأشخاص الذين لا يعانون من أمراض مميتة بل من مشاكل نفسية وجسدية خطيرة. بحسب رويترز.

وتجيز سويسرا القتل الرحيم إذا ما قام به شخص لا مصلحة له في حالة الوفاة غير أنه من غير القانوني إعطاء جرعة الدواء القاتلة للشخص الراغب في وضع حد لحياته بدلا من إتاحتها له فقط. وتقنن بلجيكا وهولندا فقط في أوروبا القتل الرحيم في حين يناقش البرلمان الفرنسي مشروع قانون يتيح للأطباء أن "يخدروا" الأشخاص الميؤوس من شفائهم بشكل عميق حتى تحين لحظة وفاتهم.

من جانب اخر طلبت الفتاة الشيلية فالنتينا موريرا ذات الـ 14 سنة، والمصابة بمرض التليف الكيسي الوراثي الذي لا يرجى شفاؤه، في شريط مصور من الرئيسة ميشيل باشيليه موافقتها على انهاء حياتها. وقد شاهد الشريط الذي نشرته الفتاة في الانترنت آلاف المتابعين، وجدد اللغط حول "القتل الرحيم" المحظور في تشيلي.

يذكر ان مرض التليف الكيسي يصيب الرئة بالدرجة الأولى كما يصيب غدة البنكرياس والأمعاء.

وردت الرئيس التشيلية على طلب الفتاة بزيارتها في المستشفى الذي ترقد فيه. وقال الناطق باسم الرئيسة باشيليه طلب فالنتينا لا يمكن تلبيته، ولكن الحكومة قررت تحمل نفقات أي علاج نفسي قد تكون بحاجة إليه. تجاوز ميديا بلايرمساعدة خاصة بميديا بلايرخارج ميديا بلاير. وقالت فالنتينا "طلبت أن اتحدث بشكل مستعجل مع الرئيسة لأنني ضقت ذرعا من العيش مع هذا المرض." وقالت إن اخاها الأكبر توفي بنفس المرض عندما كان في السادسة من عمره، ولذا فهي تعرف أي مصير ينتظرها.

الاطفال الميئوس من شفائهم

الى جانب ذلك أصدرت بريطانيا توجيهات جديدة توصي بشدة الأطباء المعالجين لأطفال في حالة حرجة أو ميئوس من شفائهم بان يضعوا في حسبانهم رغبة الأطفال أنفسهم إن كانوا يفضلون الموت او البقاء على قيد الحياة. وقال الخبراء إن هذه التوجيهات التي أصدرتها الكلية الملكية لطب وصحة الاطفال ستراعى بحرص في مختلف أنحاء العالم لان بريطانيا واحدة من بين قلة من دول العالم التي تحتفظ باطار عمل يساعد الاطباء في اتخاذ قرار إن كانت ثمة ضرورة اصلا لوقف علاج طفل في حالة تهدد حياته وموعد القيام بذلك.

وقالت جو بريرلي طبيبة الأطفال واستشارية الرعاية المركزة لحديثي الولادة بمستشفى جريت أورموند ستريت بلندن "إنها منطقة من الطب ليست باليسيرة على الإطلاق. للأسف لا يمكننا انقاذ حياة كل طفل. الدول الاخرى تنصت لما نقوله وتقتدي بما نقوم به". وتوصي هذه التوجيهات -التي شارك في وضعها أطباء ورجال قانون وعاملون في مجال الاخلاقيات الطبية- لأول مرة بضرورة ان تتاح للأطفال المرضى في سن التاسعة ممن تتضاءل احتمالات بقائهم على قيد الحياة الفرصة بصورة أكبر لان يوضحوا إن كانوا يريدون وقف علاجهم. بحسب رويترز.

وتقول التوجيهات إن الطفل الذي قضى جلسات عديدة في العلاج الكيماوي للاورام أو زراعة نخاع العظام أو زرع الاعضاء ولم تفلح كلها "ستكون لديه رؤية أصوب بشأن مواصلة العلاج من البالغ الذي يخضع لهذا العلاج للمرة الاولى". وتحث التوجيهات الاطباء على التفكير مليا فيما غذا كان استمرار العلاج هو الحل الصائب لكل طفل مريض. وقال سايمون نيويول استشاري حديثي الولادة بمستشفى ليدز العام ببريطانيا "بالنسبة للبعض فان مواصلة العلاج بغرض الابقاء على قيد الحياة لا يسهم إلا في إطالة أمد المعاناة في مواجهة أمر محتوم".

قتل امه وشعر بالارتياح!

في السياق ذاته حكم على رجل فرنسي في الخامسة والستين بالسجن سبع سنوات لاقدامه في العام 2012 على قتل والدته البالغة 88 عاما والمصابة بمرض الزهايمر. وقد اقدم الرجل على فعلته لانه لم يعد يطيق ان يرى التراجع الجسدي والذهني الذي يصيب والدته التي كانت يعيش في منزلها مع زوجته في بومون ليزوتيل (جنوب غرب باريس).

وقد عثر في 12 آب/اغسطس 2012 على ليون كوزان (88 عاما) وقد غرقت في بركة ماء على بعد 600 متر من المنزل الذي تسكن فيه مع ابنها الوحيد دانييل. وخلال المحاكمة نفى هذا الاخير اولا ان يكون وضع حدا لحياة والدته لكنه اكد لاحقا انه دفعها من دون سابق تصور وتصميم عندما كانت الى جانبه قرب البركة. وردا على سؤال خلال جلسات المحاكمة حول الشعور الذي انتباه قال دانييل شعرت ب"الارتياح" موضحا "لقد خلصتها من بؤسها. فهذا المرض المقيت يجعل الناس عفنين". وطلب المدعي العامي الحكم عليه بالسجن 15 عاما الا ان هيئة المحلفين لم تقتنع بتهمة القتل عن سابق تصور وتصميم.

من جهة اخرى حكم على ممرض ألماني سابق بالسجن مدى الحياة إثر قتله مريضين "من شدة الضجر" وهو قد يمثل أمام القضاء مجددا بتهمة ارتكاب عشرات الجرائم المماثلة. وأقرت محكمة أولدنبورغ (الشمال) بذنب نيلس إتش (38 عاما) الذي يمضي عقوبة سجن مدتها سبع سنوات ونصف السنة إثر محاولة قتل سابقة، في جريمتي قتل خطيرتين ومحاولتي قتل، في إطار قضية لم تنته بعد تطوراتها.

وقال رئيس المحكمة عند تلاوة الحكم إن "خطورة الأفعال قد أثبتت"، ما يمنع المتهم من المطالبة بإطلاق سراحه وإبقائه تحت المراقبة بعد 15 عاما من السجن. واتهم نيلس إتش بإعطاء جرع زائدة من الأدوية لعدة مرضى. وكان المتهم قد اعتذر من عائلات ضحاياه خلال محاكمته، معربا عن "أسف شديد" وموضحا أن الحقن كانت تؤدي إلى دفع المرضى إلى شفير الموت ليستعرض بعد ذلك قدراته على إنعاشهم "من شدة الضجر". بحسب فرانس برس.

وتعود هذه الأفعال إلى العام 2005 عندما ضبطت ممرضة نيلس إتش وهو يجري حقنة لمريضة لم تكن موصوفة لها في عيادة في شمال ألمانيا. وحكم على الممرض سنة 2008 بتهمة محاولة القتل. وصرح نيلس إتش لأحد المعتقلين معه في السجن أنه قتل نحو خمسين مريضا آخر، ما أدى إلى فتح تحقيقات في كانون الثاني/يناير 2014 قبل أن يعترف لطبيبه النفساني بأنه ارتكب حوالى 30 جريمة قتل و60 محاولة. وشكلت خلية خاصة من المحققين للتحقيق في 200 حالة وفاة مسجلة بين العامين 1990 و 2005 في المراكز الطبية التي عمل نيلس إتش فيها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1