العنف الأسري في العراق بين تقبل المجتمع وغياب القانون


يعرف العنف الأسري بانه الإساءة الأسرية وهو شكل من أشكال التصرفات المسيئة الصادرة من قبل أحد أو كلا الشريكين في العلاقة الزوجية أو الاسرية.

وله عدة أشكال منها الاعتداء الجسدي (كالضرب، والركل، والعض، والصفع. والرمي بالأشياء وغيرها). أو التهديد النفسي كالاعتداء الجنسي أو الاعتداء العاطفي، السيطرة أو الاستبداد أو التخويف، أو الملاحقة والمطاردة. أو الاعتداء السلبي الخفي كالإهمال، أو الحرمان الاقتصادي، وقد يصاحب العنف الأسري حالات مرضية كإدمان الكحول والأمراض العقلية.

لا يقتصر العنف الأسري على الإساءات الجسدية الظاهرة بل يتعداها ليشمل أموراً أخرى كالتعريض للخطر أو الإكراه على الإجرام أو الاختطاف أو الحبس غير القانوني أو التسلل أو الملاحقة والمضايقة.

وتكمن خطورة العنف الأسري لما قد يترتب على العنف المنزلي من ردود أفعال مختلفة لدى الضحايا، وتشمل العواقب الرئيسة لتجريم العنف المنزلي قضايا الصحة البدنية مثل كسور العظام، إصابات الرأس، تمزقات، ونزيف داخلي هذه بعض التأثيرات الحادة التي تحدث وتطلب العناية الطبية والنفسية والعقلية ومشاكل صحية جسدية مزمنة وإن افتقار الضحية الكامل للموارد المالية يؤدي به إلى الوقوع في براثن الفقر والتشرد وغيرها من الاثار التي لا تعد ولا تحصى.

ومن المرجّح أن يواجه الأطفال الذين نشأوا في أسر ينتشر فيها العنف طائفة من الاضطرابات السلوكية والعاطفية يمكن أن تؤدي بهم إلى اقتراف ذلك العنف أو الوقوع ضحية له في مرحلة لاحقة من حياتهم. وتم الكشف أيضاً عن وجود علاقة بين العنف الممارس من قبل الشريك المعاشر وارتفاع معدلات وفيات الاطفال الرضّع وزادت معدلات إصابتهم بالأمراض (مثل أمراض الإسهال وحالات سوء التغذية).

وتكمن اهمية تناول الموضوع بسبب شيوع العنف في المجتمع العراقي حيث تشير نتائج الاحصائيات والتي سنذكرها لاحقا إلى انتشار العنف في الأسرة بأشكاله ومستوياته لدرجة يقال معها ان الأسرة العراقية أصبحت من أكثر مؤسسات العنف في المجتمع.

هذا من جانب ومن جانب اخر سهولة ارتكاب العنف في الأسرة وصعوبة اكتشافه بسبب حساسية الموضوع مما يترتب عليه انخفاض معدلات الإبلاغ وإنكار حدوث العنف.

والتساؤل الذي يثار هنا هل يتمتع (المعنف) بأي حماية دستورية وقانونية للحماية من التعرض للعنف مجددا؟

خصص دستور العراق النافذ المادة (29) للأسرة:

(اولاًـ أـ الاسرة اساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والاخلاقية والوطنية.

ب ـ تكفل الدولة حماية الامومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشئ والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم.

ثانياًـ للأولاد حقٌ على والديهم في التربية والرعاية والتعليم، وللوالدين حق على اولادهم في الاحترام والرعاية، ولاسيما في حالات العوز والعجز والشيخوخة.

ثالثاًـ يحظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال بصورهِ كافة، وتتخذ الدولة الاجراء الكفيل بحمايتهم.

رابعاًـ تُمنع كل اشكال العنف والتعسف في الاسرة والمدرسة والمجتمع.)

إنطلاقا من نص المادة (29) من الدستور يثار التساؤل الآتي: أين حقوق المرأة والطفل داخل الأسرة العراقية؟

بحسب "مسح صحة الأسرة العراقية للمدة 2007-2016" (IFHS) ذكرت بأن واحدة من كل 5 نساء عراقيات تتعرض للعنف الأسري البدني، وتوصلت دراسة لوزارة التخطيط صدرت عام 2012 الى أن 36 بالمئة على الأقل من النساء المتزوجات أبلغن بالتعرض لشكل من أشكال الأذى النفسي من الأزواج، وأبلغت 23 بالمئة بالتعرض لإساءات لفظية، وأبلغت 6 بالمئة بالتعرض للعنف البدني، و9 بالمئة للعنف الجنسي. وفي حين لا تتوفر دراسات وطنية أحدث، تستمر منظمات حقوق المرأة في الكشف عن معدلات عالية للعنف الأسري. إضافة إلى حالات الاعتداء التي لاتعد ولاتحصى على الاطفال من قبل أحد الابوين داخل الاسرة العراقية والتي دونت في سجلات محاكم الأحوال الشخصية والجنائية الأمر الذي ولد مخاوف من تفاقم الظاهرة في ظل غياب القوانين الرادعة.

لابد من الإشارة إن العنف لايعني فقط الضرب والاعتداء الجسدي، وإنما أيضاً العنف (النفسي، الجنسي، الاجتماعي، الاقتصادي والمادي)، فالعنف الجسدي: هو العنف الأكثر شيوعاً، لأن دلالاته واضحة، ولكن بالتأكيد هناك أنواع أخرى من العنف لا تقل تأثيراً عنه، مثل العنف النفسي: الذي يشمل كل المحاولات لإحباط الآخر والإقلال من أهميته وإهانته المتكررة، أما العنف الجنسي: فقد تداخلت فيه الكثير من الأمور مثل: الهجر وعدم التقرب، الإزدراء والتهكم على التغيرات الفسيولوجية واستغلالها للحط من قدر الشريك، والعنف هنا يكمن بالإمتناع والإبتعاد، أو الإجبار على الفعل الجنسي رغم عدم توفر الرغبة لدى الآخر، ويأتي بعده العنف الإجتماعي: الذي تقوم به المجموعة من عزل واضطهاد وازدراء اجتماعي، وأخيراً العنف الاقتصادي والمادي: وهو العنف الذي يمارس ضمن إطار العائلة.

إن العنف الأسري يؤثر تأثيراً مباشراً على كل أفراد العائلة، ولذلك فإن الدول التي تجرم العنف بقوانينها أصبحت تجرم تعرض الأطفال إلى العنف غير المباشر، أي عندما يقوم الأب بضرب الأم بوجود الأطفال، فيصبح الجرم مضاعفاً (حتى وإن لم يكن الأطفال جزءاً منه)، لأنه يصيبهم بالضرر.

وكيف للمرأة والطفل العراقي أن يطالبوا بالحماية في ظل مجتمع ونظام قانوني يجيز ذلك، حيث إن الموروث العشائري يحط من كرامة المرأة ويجعل منها وسيلة لحل النزاعات العشائرية كما حدث في حل نزاع مابين عشيرتين في البصرة مقابل 50 إمرأة وحالات عديدة مشابهة.

ومن جهة القانون، فقد نصت المادة 41/1 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل "لاجريمة اذا وقع الفعل استعمالا لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالا للحق: (1- تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الاولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً او قانوناً او عرفاً)".

أي أن افعال الضرب والعنف التي يمارسها الزوج تجاه زوجته والاباء تجاه أبنائهم استناداً للمادة المذكورة تعد من قبيل استعمال الحق والذي يعد بدوره سببا من أسباب الإباحة، والتي بمقتضاها لا يمكن مساءلة الزوج أو الأبوين جزائياً ولا مدنيا عما يقع من إعتداء مادام قد استخدموا حقهم المنصوص عليه قانونا بموجب المادة سابقة الذكر.

واشتراط ان يكون التأديب في حدود المقرر عرفا وشرعاً وقانوناً، وهذا يعني انه اذا اطلقنا حدود السماح العرفي "طبقا للمادة القانونية" يعد التصرف العشائري ضمن حدود العرف.

غير إن ظاهرة العنف الأسري لا تعد ظاهرة محلية بل هي ظاهرة دولية. اذ كان العديد من دول العالم قبل عام (1990)، يفتقر إلى قوانين تحمي الأسرة من العقاب المنزلي، ويحرم العنف ضد المرأة والأطفال في الأسرة، حتى أصدرت الأمم المتحدة عام (1993) وثيقة أكدت فيها على الدول الأعضاء، اعتبار العنف الأسري جريمة وطالبت بسن قوانين لتجريمه، ومن هنا أصبح واضحاً أن الحرية في العائلة لا تعني اضطهاد أحد أفرادها، ولكن، ومع شديد الأسف، مازال العقاب الجسدي للأطفال مسموحاً به، وبدرجات مختلفة كجزء من التربية في الكثير من دول العالم، وكذلك ضرب وإهانة الزوجة مازالت لا تعتبر جريمة في بعض البلدان.

استنادا إلى هذه المعطيات كان لابد على المشرع العراقي أن يأخذ الموضوع على محمل الجدية والاهتمام والإسراع في وضع تشريع يحد من العنف الأسري. وفعلا تم طرح مشروع قانون الحماية من العنف الأسري من قبل لجنة المرأة والاسرة والطفولة البرلمانية عام 2015 على مجلس النواب وتم قراءته للمرة الأولى والثانية في جلسته الاعتيادية الرابعة للفصل التشريعي الثاني من السنة التشريعية الثالثة للدورة النيابية الثالثة التي عقدت برئاسة الدكتور سليم الجبوري رئيس المجلس وبحضور 222 نائبا يوم الاثنين 16/1/2017، ونحن نناشد مجلس النواب للإسراع في تشريع هذا القانون لضرورته الملحة والحد من هذه الجرائم بحق الاسرة العراقية.

إلا إن هذا المشروع اختص بحماية المرأة فقط داخل الاسرة ولم يشر إلى الطفل داخل الاسرة وكان من الاجدر أن يشمل القانون المرأة والطفل كون الطفل يحتاج إلى الحماية أكثر من المرأة فهو كائن لاحول له ولا قوة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مجتمع)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك