في هذا الكتاب يقدم المؤلف نظرية هامة حول الصراع داخل المجتمعات وفيما بينها. ورغم ان الكتاب نُشر عام 2005، لكنه لا يزال من الكتب القيمة اليوم، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة تعاني من كلا النوعين من الصراع.

احدى العبارات الملفتة في الكتاب كُتبت بعد وقت قصير من الاطاحة بصدام حسين في العراق ولكن قبل عدة سنوات من ظهور ما يسمى الدولة الاسلامية في العراق والشام:

نظرية الحدود ما بعد الاثنية، تتنبأ بان حماقة الغرب ستخلق في النهاية استجابة مضادة، ربما على شكل خلافة ثيوقراطية جديدة، لأن هذه هي الطريقة التقليدية التي استجابت بها المجتمعات الاسلامية للتحديات من جانب الحضارات الاخرى.

الكاتب يوضح المصطلح الذي صاغه ما بعد الاثنية "metaethnic" بالقول، الناس عادة لديهم هويات اثنية متعددة تتداخل مع بعضها البعض.. التجمع الاوسع من الناس الذي يوحد العديد من الامم هو عادة يسمى الحضارات، لكننا نفضل تسمية هذه الهويات بجماعات ما بعد الاثنية وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (ميتا) وتعني ما وراء و(ايثوس) "الجماعة الاثنية" او "امة"... من حيث الاساس نجد الاختلافات الثقافية تكون اكبر بين الشعوب التي تنتمي لجماعات ما بعد اثنية مختلفة، احيانا تكون هذه الفجوة كبيرة جدا لدرجة ينكر فيها الناس انسانية اولئك الذين هم في الجانب الآخر من مسائل الاختلافات الما بعد اثنية.

رغم ان هذا الوصف ربما مفهوم بداهة، لكنه يفتقر للإقناع الكافي. كيف يمكن للمرء التمييز بين جماعة ما بعد اثنية وجماعة انسانية اخرى ليست من هذا الصنف. مصطلح آخر يستخدمه الكاتب هو العصبية التي ينسبها الى ابن خلدون. يذكر الكاتب عصبية الجماعة هي مقدرة اعضاءها للالتصاق ببعضهم ليتعاونوا، انها تسمح للجماعة بحماية نفسها من الاعداء وفرض رغبتها على الآخرين. الجماعة ذات العصبية العالية سوف تكون هي الرابح عندما تشتبك مع جماعة اقل عصبية.

يرى المؤلف ان العصبية تبرز عندما تكون الجماعة تحت التهديد، وعندما يصبح التهديد واضحا على الحدود بين جماعتين ما بعد اثنية. حينما يجد المجتمع ذاته على هذا الخط من الاختلاف فهو سيطور عصبية كافية ليبقى حيا، هذا المستوى من التماسك الداخلي يمكّن المجتمع ليتطور الى امبراطورية.

"من المغول في القرن 13 الى ميسوكوفتش muscovites في القرنين 16 و17 ومن ثم لدى الامريكيين... فان جميع بناة الامبراطوريات.. امتلكوا قدرة عالية لتنسيق عمل جماعي.. نشأ من حدود الاختلاف الشديد والطويل".

بالنسبة لامريكا، على سبيل المثال، حدود الاختلاف كانت بين الناس المقيمين والمواطنين الاصليين.

احدى نتائج الحياة في حدود الاختلاف في امريكا الشمالية كانت ذلك الوعاء الشهير للانصهار. في الحقيقة، عندما تواجه هؤلاء الغرباء كما صُوروا، متعطشو للدماء، هنود حمر، مستوطنين اوربيين، حتى لو جاءوا من دول مختلفة، فلن ينفع معهم الا الشعور بوحدة النسب... وبما ان خط الاختلاف عُرّف بعبارات عرقية، فان المهاجرين المنتمين الى اعراق غير بيضاء مثل السود او الصينيين، لم يُقبلوا كـ "امريكيين" (هذا النموذج بدأ يتغير في القرن العشرين).

الصحفي البريطاني انتول ليفين يرى ان امريكا اليوم تتصرف تجاه العرب بنفس الطريقة التي تصرف بها المستوطنون الامريكيون تجاه الامريكيين الاصليين. انه كما لو ان هذا السلوك كُتب في الجينات الثقافية.

على طول الكتاب، يطرح الكاتب امثلة عن التماسك الداخلي ضمن جماعة اجتماعية بالتزامن مع عداء خارجي نحو من هم خارج تلك الجماعة. فمثلا، (حسبما يذكر) هناك الآن هوية فلسطينية متميزة بينما لا توجد مثل هذه الهوية قبل الهجرة الواسعة لليهود الاوربيين الى فلسطين. عصبية الفلسطينيين ازدادت بشكل كبير.

الكاتب يقتبس من فرنسيس فوكاياما (صاحب كتاب نهاية التاريخ والانسان الاخير) الذي اشار الى ان الشركات الكبرى يمكن ان تتشكل فقط في المجتمعات ذات الثقة العالية، لأن في الشركة الكبيرة يجب ان يكون الناس مرتاحين للتعاون في بيئة حيث لا يعرفون كل شخص يعملون معه. يضيف الكاتب، من المفارقة انه رغم المنافسة الذابحة للشركات الخارجية في السوق الحر، لكن عملها الداخلي يثق ليس فقط في قوى السوق، وانما في تضامن الجماعة وهذه من افضل اسرار علم الاقتصاد.

انه من السهل جدا للمتساوين تحقيق وحدة الهدف وتطوير وسيلة مشتركة للفعل. مساواة التعاون. ذلك بسبب ان قدرة الافراد على التضحية بالمصلحة الذاتية لأجل الصالح العام هي شرط ضروري للتعاون.

يرى الكاتب نماذج دورية متجسدة في المجتمعات الزراعية بشأن التماسك الاجتماعي.

... ان الاستقرار والسلام الداخلي الذي تفرضه الامبراطوريات القوية يحتوي في داخله على بذور الفوضى. الاستقرار والسلام الداخلي يجلبان الازدهار، والازدهار يخلق زيادة في السكان. النمو الديموغرافي يقود الى افراط سكاني، والافراط السكاني يقود الى اجور منخفضة وايجارات عالية للأراضي وهبوط الدخل لكل فرد. اخيرا، الاجور القليلة والايجارات العالية يجلبان ثروة للطبقة العليا، لكن مع زيادة اعدادها وطمعها، هي ايضا تبدأ تعاني من هبوط الدخل. انخفاض مستويات الحياة يخلق الاستياء والتوتر. النخب تتجه نحو الدولة بحثا عن اعمال ودخول اضافية، وتزيد انفاقها في نفس الوقت الذي تهبط فيه العائدات بسب الحالة الفقيرة للسكان. عندما ينهار تمويل الدولة، تخسر سيطرتها على الجيش والشرطة. وبعيدا عن جميع القيود، يتصاعد التذمر في اوساط الطبقة العليا الى حرب اهلية، والاستياء بين الطبقات الدنيا ينفجر على شكل ثورة شعبية.

الامبراطوريات تفقد تدريجيا عصبيتها عبر عدة دورات حلقية. ايضا، نجاح الامبراطورية يدفع التهديدات بعيدا عن مركز الامبراطورية. وبالتالي، يفقد المواطنون القريبون من المركز معنى التضامن الذي يأتي من كونهم تحت التهديد.

يعترف الكاتب ان نظريته تنطبق على المجتمعات الزراعية التي يعيش معظم افرادها قريب من هامش مالتس.

عندما تصبح الارض نادرة.. سيبدأ من ليس لديهم ارض كافية لإطعام انفسهم ببيع ما لديهم. وبالتالي هم يصبحون اكثر فقرا. بالمقابل، اولئك الذين لديهم الكثير من الاراضي لإطعام انفسهم سوف يكون لديهم فائض في الدخل يمكنهم استخدامه لاكتساب المزيد من الارض. وهكذا الغني يصبح اكثر غنى.

في اقتصادنا الحديث، هناك آليات اخرى تعمل فتخلق تفاوتا اكبر ومن ثم تضعف العصبية. الكاتب يجادل بان مرحلة التشظي في اقتصادنا بدأت في اواخر القرن الماضي. لكنه يلاحظ بانه

لا يمكن للمرء الافتراض ان القوى الاجتماعية والاقتصادية التي عملت في المجتمعات الزراعية لإنتاج حلقات طويلة ستستمر في العمل بنفس الطريقة حاليا... نحن نعيش في عالم مختلف عن ذلك العالم الذي قطنه الرومان والنورمان.

... السبب الرئيسي لعدم وجود مجاعة في انجلترا او اي بلد متطور اليوم هو ان انتاجية الهكتار من الغلة هي الان أكثر بعشر مرات مقارنة بما كان سائدا في القرون الوسطى.

لايزال الكاتب يجد عددا من الميول المزعجة بما فيها زيادة متطلبات التعليم في سوق العمل. في اواخر القرن العشرين، كان مجرد انهاء الكلية ليس كافيا للدخول الى سوق العمل الحاد المنافسة، بينما عدد الخريجين من حملة الدكتوراه بدا يتزايد.

هذه الميول هي علامات لأزمات مؤكدة تعكس المنافسة المتزايدة بين النخب...

في النهاية يذكر الكاتب هل نستطيع تصميم مجتمعات بطريقة لا تنحسر فيها العصبية باستمرار؟ هل يحتاج الناس دائما للتهديد من عدو خارجي لكي يتعاونوا بفعالية اكبر؟

بالنسبة للتحرريين، تُعتبر هذه الاسئلة مصيرية. لكي يعمل السوق جيدا، يجب ان يكون مندمجا في ثقافات تكرس السلوك المعزز اجتماعيا وتفضي للثقة. اذا كان غياب الصراع الخارجي يُضعف الروابط المانعة للصراع الداخلي، عندئذ فان الهدف التحرري للتعاون السلمي في جميع المجالات سيكون وهما.

* كتاب الحرب والسلام والحرب: صعود وسقوط الامبراطوريات للكاتب peter Turchin صدر في شهر شباط عام 2007

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0