المكتبة القادمة ليست مخزن كتب، ولا مقهى مزينًا بالرفوف، ولا منصة بيع محلية فحسب. إنها فضاء مقاوم للتشتت، ومختبر للقراءة، ومركز لمحو الأمية الرقمية، وحاضنة للمؤلفين، ومكان يعيد للمعرفة بعدها الإنساني. وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعل الحصول على الجواب أسهل، فإن المكتبة ستبقى ضرورية لأنها تعلّمنا كيف نصبر...

لم تعد المكتبات في عصر الذكاء الاصطناعي تواجه سؤالًا بسيطًا من نوع: هل سيختفي الكتاب الورقي؟ فهذا السؤال، على أهميته، أصبح أضيق من الواقع. السؤال الأعمق هو: ما وظيفة المكتبة حين يستطيع القارئ أن يحصل على ملخص كتاب، أو إجابة معرفية، أو خطة قراءة، أو قائمة توصيات، خلال ثوانٍ عبر أدوات الذكاء الاصطناعي؟ وما موقع المكتبة حين تتحول القراءة من فعل تأملي طويل إلى بحث سريع عن جواب مختصر؟ وما معنى وجود رفوف الكتب وأمناء المكتبات وباعة الكتب والنوادي الثقافية، في زمن تستطيع فيه النماذج اللغوية أن تنتج جوابًا سريعًا، وتختصر كتابًا طويلًا، وتقترح برنامجًا للقراءة، بل وتعيد صياغة النصوص وتلخص الأفكار وتبني المقارنات؟

المفارقة التي تكشفها المؤشرات الحديثة أن القراءة الطويلة تتعرض لضغط واضح، لكن المكتبات، خصوصًا المستقلة منها، تشهد في الوقت نفسه عودة لافتة بوصفها فضاءات اجتماعية وثقافية وليست مجرد محال لبيع الكتب. فقد أشار تقرير حديث لموقع «أكسيوس» إلى أن الأميركيين يقرؤون كتبًا أقل مما سبق، لكن المكتبات تعود وتفتح فروعًا جديدة وتحقق مبيعات أفضل. وفي السياق نفسه، أظهر استطلاع لشبكة «سي بي إس نيوز» أن ثلث الأميركيين يقولون إنهم يقرؤون كتبًا أقل للمتعة مقارنة بما كانوا يفعلونه قبل عشر سنوات.

هذه المفارقة تعني أن أزمة القراءة لا تساوي بالضرورة موت المكتبة، وأن صعود الذكاء الاصطناعي لا يعني نهاية الكتاب، بل يعني إعادة تعريف العلاقة بين القارئ، والمعرفة، والمكان، والوقت. فالمكتبة التي كانت سابقًا تعتمد على الوفرة: رفوف كثيرة، عناوين كثيرة، ووجود مادي واسع للكتاب، لم تعد قادرة على المنافسة بهذا المنطق وحده. الوفرة الآن موجودة في الشاشة، بل صارت مفرطة إلى حد الإرباك. لذلك تتقدم قيمة جديدة: الاختيار الموثوق، التزكية البشرية، اللقاء، النقاش، الهدوء، والانتماء. في عالم تغمره الإجابات الفورية، قد تصبح المكتبة مكانًا لاستعادة السؤال، لا مجرد الحصول على جواب.

ومن هنا لا ينبغي النظر إلى المكتبات بوصفها ضحية مباشرة للذكاء الاصطناعي، بل بوصفها مؤسسة ثقافية تدخل مرحلة اختبار عميق. فإما أن تبقى أسيرة نموذج البيع التقليدي، فتتحول إلى متجر ضعيف أمام المنصات الرقمية، وإما أن تعيد تعريف نفسها بوصفها فضاءً معرفيًا واجتماعيًا وإنسانيًا، يعلّم الناس كيف يقرؤون، لا كيف يحصلون على كتاب فقط؛ وكيف يناقشون، لا كيف يستهلكون معلومة فقط؛ وكيف يميزون بين المعرفة العميقة والإجابة السريعة.

المكتبات بين نبوءة النهاية وواقع العودة

منذ صعود التجارة الإلكترونية والكتب الرقمية، تكررت النبوءات التي أعلنت نهاية المكتبات. وقد بدا سقوط سلسلة «بوردرز» عام ٢٠١١ دليلًا قويًا على هذا التحول. فقد واجهت الشركة ضغطًا مزدوجًا: صعود «أمازون» في سوق بيع الكتب عبر الإنترنت، ثم انفجار سوق الكتب الإلكترونية مع أجهزة مثل «كيندل» و«آيباد» و«نوك». ويشير تقرير موقع «آن آربر دوت كوم» عن تصفية «بوردرز» إلى أن مبيعاتها عبر الإنترنت كانت تمثل نحو ثلاثة في المئة فقط من إجمالي إيراداتها وقت الإفلاس، كما نقل عن محللين أن انتقال المبيعات من الورقي إلى الرقمي جعل القراء يزورون المتاجر لكنهم يغادرون دون شراء.

غير أن درس «بوردرز» لا يقول إن المكتبة تموت حتمًا أمام التكنولوجيا، بل يقول إن المكتبة التي لا تفهم طبيعة التحول تموت. فالمشكلة لم تكن في الإنترنت وحده، بل في العجز عن بناء نموذج جديد. الشركة توسعت في نموذج المتاجر الضخمة، وتباطأت في التجارة الإلكترونية، وفشلت في تحويل المكان إلى تجربة يصعب استبدالها. وهذا الدرس مهم جدًا في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فكما لم يكن الإنترنت مجرد قناة بيع جديدة، ليس الذكاء الاصطناعي مجرد أداة بحث إضافية. إنه يغير طريقة الوصول إلى المعرفة، وطريقة التوصية، وطريقة التلخيص، وطريقة صناعة النصوص.

وهنا تتضح نقطة محورية: التكنولوجيا لا تلغي المؤسسات الثقافية تلقائيًا، لكنها تكشف هشاشتها إن كانت بلا رؤية. فالمكتبة التي لا تمتلك شخصية، ولا علاقة حية بمجتمعها، ولا قدرة على انتقاء الكتب، ولا فعاليات، ولا دورًا تربويًا أو ثقافيًا، ستجد نفسها أمام منافس لا تستطيع مجاراته في السعر أو السرعة أو الوفرة. أما المكتبة التي تفهم وظيفتها الجديدة، فإنها تستطيع تحويل التهديد إلى فرصة.

تؤكد عودة «بارنز آند نوبل» هذا المعنى. فقد كان يُنظر إلى السلسلة، في مرحلة ما، بوصفها مهددة بأن تلقى مصير «بوردرز». لكن الرئيس التنفيذي جيمس دونت اعتمد فلسفة معاكسة لمنطق السلاسل الموحدة: أن تكون السلسلة أقل تشابهًا وأكثر محلية. وقد لخّص تقرير لموقع «أكسيوس» عام ٢٠٢٣ فكرته بعبارة دالة مفادها أن سر بائع الكتب الكبير هو ألا يتصرف كبائع كتب كبير. فقد منح مديري الفروع المحليين صلاحية أوسع لاختيار الكتب وترتيب المتاجر، وأزال منتجات لا علاقة لها بالكتب، وركّز على تحويل المتجر إلى مكان يريد الناس البقاء فيه.

هذه السياسة ليست تفصيلًا إداريًا، بل تحول فلسفي في معنى المكتبة. فالمكتبة ليست مخزنًا محايدًا، بل عين بشرية تقرأ ذائقة المجتمع المحلي وتعيد تنظيم العالم المعرفي بما يناسب الناس. ولهذا انخفضت نسبة الكتب المعادة إلى الناشرين في «بارنز آند نوبل» من مستويات مرتفعة جدًا إلى نحو تسعة في المئة، بحسب ما ذكره جيمس دونت في مقابلة مع «أكسيوس»، لأنه ربط الإرجاع بحكم الزبائن على جودة الاختيار المعروض أمامهم.

إن تجربة «بارنز آند نوبل» تكشف أن المستقبل لا يكون دائمًا لمن يمتلك التقنية الأكبر، بل لمن يفهم الإنسان أكثر. فالزبون لا يريد فقط كتابًا مرصوفًا على رف، بل يريد إحساسًا بأن هناك من اختار هذا الكتاب، وأن المتجر ليس نسخة مكررة من متجر آخر، وأنه يدخل مكانًا له ذاكرة وذوق وشخصية. وهذا المعنى يزداد أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تميل الخوارزميات إلى التشابه والتكرار، بينما تزداد قيمة الاختيار البشري المحلي.

صعود المكتبات المستقلة بوصفها قلبًا اجتماعيًا

التحول الأبرز لا يظهر فقط في السلاسل الكبرى، بل في المكتبات المستقلة. فقد نقل تقرير «أكسيوس» عن جمعية بائعي الكتب الأميركية أن عدد شركات المكتبات في الولايات المتحدة ارتفع من ألفين وعشر شركات عام ٢٠٢١ إلى أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمئة شركة عام ٢٠٢٥. كما أشار التقرير إلى أن ثلاثة وسبعين في المئة من بائعي الكتب سجلوا زيادة في المبيعات عام ٢٠٢٥، وأن أكثر من سبعة وأربعين في المئة منهم قالوا إن المبيعات ارتفعت بما لا يقل عن ستة في المئة.

أما التقرير السنوي لجمعية بائعي الكتب الأميركية لعام ٢٠٢٥ فيقدم صورة أكثر تفصيلًا؛ إذ يذكر أن ستمئة وخمس شركات مكتبات افتتحت خلال العام، بينها ثلاثمئة وتسع وتسعون واجهة متجر، ومئة وستة متاجر مؤقتة، وثلاثة وعشرون متجرًا إلكترونيًا، وسبع وسبعون مكتبة متنقلة، مقابل إغلاق خمس وستين شركة مكتبات فقط. كما يذكر التقرير أن مئتين وتسعًا وتسعين مكتبة كانت تخطط للافتتاح، وأن النمو في افتتاح المتاجر ارتفع بنسبة سبعة وثمانين في المئة مقارنة بعام ٢٠٢٤.

هذا النمو لا يعني أن سوق الكتب أصبح سهلًا. فالهوامش لا تزال ضيقة، والمنافسة مع عمالقة التقنية والتجارة الإلكترونية قاسية، وأسعار الإيجارات والعمالة والطباعة والتوزيع تشكل تحديات مستمرة. لكن المكتبات المستقلة وجدت في خصوصيتها قوة. فهي لا تنافس «أمازون» في السرعة والسعر فقط، ولا تنافس الذكاء الاصطناعي في القدرة على التلخيص السريع، بل تنافسهما في شيء آخر: بناء تجربة لا تتحقق إلا بالحضور. ولهذا يصف تقرير جمعية بائعي الكتب الأميركية المكتبات المستقلة بأنها نبض مجتمعاتها، لأنها لا تبيع الكتب فقط، بل تدعم القراءة، وتخلق مساحات للفرح، وتقاوم النماذج المتشابهة للأحياء، وتضيف مصادر دخل عبر المقاهي، والفنون المحلية، والألعاب، والفعاليات.

من هنا تتضح قيمة المكتبة بوصفها مكانًا ثالثًا، أي مساحة لا هي البيت ولا العمل، لكنها تمنح الإنسان فرصة للقاء الهادئ والوجود الاجتماعي غير الاستهلاكي الصرف. في ديترويت، مثلًا، أشار تقرير «أكسيوس» المحلي إلى أن المكتبات المستقلة تبني فضاءات لقاء في عالم يزداد عزلة، وأن الزوار لا يُدفعون إلى الشراء السريع والمغادرة، بل يُشجعون على الجلوس والمشاركة في نوادي الكتب والفعاليات المصممة بحسب اهتمام المجتمع المحلي.

وتكشف ناشفيل بدورها جانبًا آخر من هذه الظاهرة. فدليل «أكسيوس» للمكتبات المستقلة في المدينة لا يعرضها بوصفها نقاط بيع فقط، بل بوصفها منظومة من التجارب: مكتبات تجذب مؤلفين كبارًا، مكتبات تنظم نوادي قراءة وفعاليات للأطفال، مكتبات ذات هوية شمولية، ومكتبات تخلق تحديات قراءة وتوسعات مكانية جديدة. وهذا يعني أن المكتبة المستقلة لم تعد تعيش على الحنين وحده، بل على قدرتها على بناء برنامج ثقافي واجتماعي مستمر.

إن هذه العودة الاجتماعية للمكتبات تضعنا أمام معنى مهم: كلما زادت عزلة الإنسان في العالم الرقمي، ازداد احتياجه إلى فضاءات ملموسة للقاء. وكلما ازدادت سرعة المحتوى، ازداد احتياجه إلى أماكن بطيئة. وكلما ازداد حضور الخوارزميات في ترشيح ما نقرأ ونشاهد ونشتري، ازدادت قيمة الترشيح الإنساني. ولذلك ليست المكتبات المستقلة مجرد بقايا جميلة من زمن قديم، بل قد تكون من أكثر المؤسسات قدرة على الإجابة عن أمراض العصر الرقمي: العزلة، التشتيت، فقدان الثقة، وفقر الحوار.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي القراءة لكنه يغير عاداتها

الذكاء الاصطناعي لا يهاجم المكتبات من باب واحد. إنه يضغط على القراءة من ثلاثة أبواب: اختصار المعرفة، تغيير مسارات البحث والاكتشاف، وإضعاف الحاجة إلى بعض أنواع الكتب، خصوصًا الكتب الإرشادية أو العملية. فحين يسأل القارئ نموذجًا لغويًا عن أفضل طريقة لبناء عادة، أو عن ملخص أهم أفكار كتاب في الإنتاجية، أو عن خلاصة كتاب في الإدارة أو التسويق أو التنمية الذاتية، فهو قد لا يرى حاجة إلى شراء كتاب كامل أو قراءته من الغلاف إلى الغلاف. هذه ليست نهاية القراءة كلها، لكنها تهديد لنمط معين من الكتب: الكتب التي تقدم وصفات عملية مباشرة، أو خطوات قابلة للتحويل إلى إجابة مختصرة.

طرح تيم فيريس هذه المسألة من زاوية شخصية في مقال طويل على مدونته، إذ عرض بيانات مبيعات كتبه المطبوعة في السوق الأميركية، موضحًا أن مبيعات محفظته من الكتب تراجعت تدريجيًا بعد عام ٢٠٢٢ ثم هبطت بقوة في عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، وربط ذلك بصعود النماذج اللغوية مثل «تشات جي بي تي» و«كلود»، مع الإقرار بوجود عوامل أخرى محتملة.

الأهم من الأرقام في حالة تيم فيريس هو التحليل الذي يقترحه: أن الذكاء الاصطناعي يحول المحتوى الأصلي إلى مادة خام تُستخرج منها الإجابات، بدل أن يكون الكتاب نفسه مقصدًا للقارئ. فهو يرى أن الكتب الإرشادية قد تكون المؤشر المبكر على تحول أوسع؛ إذ يصبح الذكاء الاصطناعي واجهة البحث، والشراء، وتلخيص الدروس، وتصفح الفيديوهات، وربما حتى تصفح الكتب.

لكن هذا لا يعني أن كل الكتب ستتضرر بالطريقة نفسها. الرواية، والشعر، والتاريخ العميق، والفلسفة، والمذكرات، والنقد الثقافي، والكتب التي تمنح القارئ تجربة فكرية أو وجدانية لا تُختزل بسهولة، قد تظل أكثر قدرة على الصمود. المشكلة ليست في المعلومة وحدها، بل في الفرق بين المعلومة والتحول. فالذكاء الاصطناعي يقدم إجابة، لكنه لا يضمن أن يعيش القارئ التجربة الذهنية الطويلة التي تصنع الفهم. وهنا بالضبط يمكن أن تجد المكتبات مستقبلها: أن تكون مكانًا يدافع عن القراءة بوصفها ممارسة لا بوصفها مجرد استخراج معلومة.

إن القراءة العميقة لا تُقاس فقط بما يحصل عليه القارئ من نتائج، بل بما يتغير فيه أثناء الطريق. فالقارئ حين يقرأ كتابًا طويلًا لا يكتسب معلومة مفردة، بل يدخل في إيقاع ذهني وزمني وأخلاقي: ينتظر، يقارن، يتردد، يعيد النظر، يتأمل، يعترض، يتذكر، ويربط. أما الجواب الآلي السريع، مهما كان نافعًا، فإنه يختصر المسافة بين السؤال والنتيجة، وقد يحرم الإنسان من تجربة النضج التي تحدث في الطريق نفسه.

ولهذا فإن مستقبل المكتبات لا ينبغي أن يكون مجرد بيع كتب لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيصها، بل إعادة تربية القارئ على قيمة القراءة الطويلة. فالمكتبة تستطيع أن تقول للقارئ: ليس كل ما يُختصر يُفهم، وليس كل ما يُلخّص يُمتلك، وليس كل جواب سريعًا هو جواب عميق. بهذا المعنى، تتحول المكتبة إلى مؤسسة مقاومة لثقافة الاختزال، لا لأنها ترفض التقنية، بل لأنها تحفظ حق الإنسان في التجربة المعرفية الكاملة.

أزمة القراءة ليست تقنية فقط بل أزمة انتباه

تراجع القراءة لا يمكن تفسيره بالذكاء الاصطناعي وحده. استطلاع «سي بي إس نيوز» يبين أن من يقرؤون أقل يعزون ذلك إلى الانشغال، وقلة الوقت، وكثرة المشتتات، وتراجع مدى الانتباه. كما أن أكثر من نصف من يقرؤون أقل قالوا إنهم يقضون وقتًا أكبر في مشاهدة الأفلام والتلفزيون وعلى وسائل التواصل، وكان حضور وسائل التواصل أقوى بين من هم دون الثلاثين.

إذن المشكلة أوسع من منافسة بين كتاب وشاشة. نحن أمام اقتصاد انتباه كامل يعيد تشكيل السلوك الثقافي. القراءة الطويلة تحتاج وقتًا هادئًا، وصبرًا، وقابلية لتأجيل المتعة، بينما المنصات الرقمية تقدم تدفقًا سريعًا من المحفزات. وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة: ليس فقط تشتيت الانتباه، بل توفير بديل يبدو أكثر كفاءة من القراءة نفسها. فإذا كان القارئ يشعر بضيق الوقت، فالملخص الآلي يبدو حلًا. وإذا كان يشعر بالإرهاق المعرفي، فالإجابة الجاهزة تبدو خلاصًا. وإذا كان يفتقد الصبر على التعقيد، فالشرح المبسط يبدو كافيًا.

غير أن الخطر هنا أن يتحول الإنسان من قارئ إلى مستهلك نتائج معرفية. القراءة ليست مجرد نقل محتوى من الكتاب إلى الذاكرة، بل تمرين على الانتباه، وبناء للحكم، وتدريب على تحمل الغموض، واكتشاف تدريجي للعلاقة بين الأفكار. لذلك، حين تحافظ المكتبة على أندية قراءة، ولقاءات نقاش، وفعاليات مؤلفين، فهي لا تبيع كتابًا فقط، بل تحمي شروط القراءة نفسها.

فالكتاب يحتاج إلى زمن، والزمن يحتاج إلى بيئة، والبيئة تحتاج إلى عادة. لذلك فإن المكتبة في المستقبل قد تكون أحد آخر الأماكن العامة التي تدافع عن بطء المعرفة. ففي المقهى قد يهيمن الهاتف، وفي البيت قد تشتت الأعمال اليومية، وفي العمل قد تضغط المهام، أما المكتبة الجيدة فتخلق طقسًا مختلفًا: رفوف، صمت نسبي، حضور كتب، قارئ آخر، بائع كتب يقترح عنوانًا، ندوة تنتظر، ومجتمع يضع القراءة في قلب النشاط اليومي.

ومن هنا يمكن القول إن المكتبة لا تواجه الذكاء الاصطناعي وحده، بل تواجه نمطًا كاملًا من الحياة السريعة. إنها تقاوم فكرة أن كل شيء يجب أن يكون سريعًا، مختصرًا، سهل الهضم، وفوري المردود. ولعل هذا هو جوهر دورها المستقبلي: أن تعيد الاعتبار للانتباه بوصفه قيمة ثقافية، لا مجرد قدرة نفسية.

الذكاء الاصطناعي ومشكلة الاستسلام المعرفي

تقرير «أكسيوس» عن الأمية الوظيفية في أميركا يضيف زاوية شديدة الأهمية: الذكاء الاصطناعي قد يخفي ضعف القراءة بدل أن يحله. فالتقرير يشير إلى أن ملايين العاملين يعانون صعوبات في القراءة الوظيفية، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تساعدهم على إنجاز مهام لا يفهمونها بالكامل، ما يؤجل ظهور المشكلة إلى لحظة الحاجة إلى الحكم، أو حل المشكلة، أو تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي. كما ينقل التقرير عن باحثين وصفهم لهذه الحالة بأنها نوع من الاستسلام المعرفي، حين يعتمد الناس على نتائج الذكاء الاصطناعي دون تقييم كافٍ.

هذا المعنى يربط مستقبل المكتبات بمستقبل محو الأمية والمهارات الأساسية. فالمكتبة في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تكتفي بتوفير الكتب، بل عليها أن تسهم في تعليم الناس كيف يقرؤون المخرجات الرقمية نفسها: كيف يسألون؟ كيف يتحققون؟ كيف يميزون بين ملخص سطحي وتحليل عميق؟ كيف يعرفون حدود النموذج؟ وكيف يعودون إلى المصادر الأصلية؟ لقد كانت المكتبات تاريخيًا مؤسسات لمحو الأمية الورقية؛ وفي المستقبل يمكن أن تصبح مؤسسات لمحو الأمية الخوارزمية.

وهذا التحول جوهري؛ لأن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يقلل الحاجة إلى المهارات الأساسية بل قد يزيدها. فالتقرير نفسه ينقل عن متخصصين أن أثر الذكاء الاصطناعي في العمل قد يرفع الطلب على مهارات أساسية أعلى، لا أقل، لأن العامل أو القارئ سيحتاج إلى فهم المشكلة التي يحاول حلها، لا مجرد قبول جواب جاهز.

إن الذكاء الاصطناعي قد يمنح الإنسان قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات، لكنه لا يمنحه تلقائيًا القدرة على الحكم. والحكم يحتاج إلى لغة، وخبرة، وقراءة، وسياق، وذاكرة معرفية. فالقارئ الذي لا يعرف كيف يقرأ نصًا طويلًا، ولا كيف يميز بين مصدر وآخر، ولا كيف يلاحظ التحيز أو النقص أو الخطأ، قد يصبح أكثر اعتمادًا على الآلة لا أكثر استقلالًا. ومن هنا يصبح خطر الذكاء الاصطناعي ليس في أنه يعرف أكثر من الإنسان، بل في أن الإنسان قد يكتفي بما تقوله الآلة دون أن يمتلك أدوات المساءلة.

هنا تظهر وظيفة جديدة للمكتبة: أن تكون مدرسة للثقة النقدية. فالمكتبة تستطيع أن تقدم ورشًا في التفكير النقدي، والقراءة المقارنة، والتحقق من المعلومات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وفهم التحيز الخوارزمي، وحماية الخصوصية، واحترام حقوق المؤلفين، والتمييز بين النص البشري والنص المولد آليًا. وهذه الوظيفة لا تقل أهمية عن إعارة الكتب أو بيعها؛ لأنها تتصل بجوهر المواطنة المعرفية في العصر الرقمي.

من محرك البحث إلى محرك الإجابة.. أزمة الاكتشاف

في الماضي، كانت المكتبات تواجه تحدي محركات البحث: كيف يذهب الناس إلى المكتبة إذا كان محرك البحث يفتح لهم أبواب المعلومات؟ لكن الذكاء الاصطناعي يطرح تحديًا أعمق؛ فهو لا يعرض قائمة مصادر فقط، بل يصوغ إجابة واحدة تبدو مكتملة. وهذا يغير مسار اكتشاف المعرفة. تقرير «أكسيوس» عن اضطراب البحث في عصر الذكاء الاصطناعي يحذر من أن اعتماد أدوات البحث الذكية على محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي قد يخلق حلقة تغذية راجعة تجعل الإجابات أضيق، وأكثر تشابهًا، وأسهل تلاعبًا. كما يشير إلى أن محركات البحث التقليدية تعرض تنوعًا أكبر من المصادر، بينما قد يؤدي البحث عبر الذكاء الاصطناعي إلى تقليص مجال الأفكار التي يعتمد عليها الناس.

وهذا يفتح وظيفة مستقبلية عظيمة للمكتبات: الدفاع عن التنوع المعرفي. فالمكتبة الجيدة لا تعطيك دائمًا ما طلبته بالضبط، بل تضع أمامك ما لم تكن تعرف أنك تحتاجه. الخوارزمية تميل إلى التخصيص، والتخصيص قد يتحول إلى تضييق. أما أمين المكتبة أو بائع الكتب المتمرس فيستطيع أن يوسع ذائقة القارئ، وينقله من العنوان السهل إلى العنوان الأعمق، ومن الجواب المعتاد إلى السؤال الجديد.

ويحذر التقرير نفسه، نقلًا عن بحث متعلق باستخدام «تشات جي بي تي» في التفكير، من أن الأفراد قد ينتجون أفكارًا أقوى عند استخدامه شريكًا بحثيًا، لكن المجموعات التي تستخدمه قد تتقارب نحو مفاهيم متشابهة، وهو ما يعزز الخوف من فقدان التنوع والعشوائية والاكتشاف.

إن الاكتشاف في المكتبة ليس عملية حسابية فقط. قد يدخل القارئ بحثًا عن كتاب محدد، فيخرج بكتاب آخر وجده مصادفة. وقد يتوقف أمام غلاف، أو عنوان، أو رف لم يكن في حسابه. وقد يسمع نقاشًا، أو يحضر فعالية، أو يتلقى توصية من قارئ آخر. هذه المصادفات ليست هامشية في الثقافة؛ إنها جزء من تكوين الذائقة. أما البحث الآلي المفرط في التخصيص، فقد يعطينا ما يشبهنا أكثر مما ينبغي، ويبعدنا عما يخالفنا أو يوسعنا أو يربكنا بصورة خلاقة.

لذلك يمكن القول إن المكتبات تحمي المصادفة المعرفية. وفي زمن الخوارزميات، تصبح المصادفة قيمة. فالإنسان لا ينمو فقط حين يحصل على ما يريد، بل حين يلتقي بما لم يكن يتوقعه. والمكتبة، بما فيها من رفوف متنوعة وعناوين متجاورة وأصوات متعددة، تستطيع أن تكون فضاءً مقاومًا لانغلاق الذائقة.

المكتبة بوصفها بديلًا للمنصة لا عدوًا للتقنية

لا ينبغي فهم مستقبل المكتبات بوصفه عودة رومانسية إلى الماضي ضد التكنولوجيا. فالمكتبات التي ستنجح هي التي تستخدم التقنية دون أن تفقد روحها. جمعية بائعي الكتب الأميركية تذكر في تقريرها أن منصة «التجارة المستقلة ٢.٠» وصلت إلى مرحلة نضج في عام ٢٠٢٥، وأن تسعين في المئة من متاجر النسخة السابقة هاجرت إليها بنهاية العام، وأن المنصة ساعدت في زيادة مبيعات التجارة المستقلة بنسبة تزيد على واحد وعشرين في المئة مقارنة بعام ٢٠٢٤، مع تعزيز الحماية من نشاط الروبوتات والتهديدات الرقمية.

هذا يعني أن المكتبة المستقبلية ليست ورقية فقط. إنها هجينة: تملك حضورًا ماديًا جذابًا، وحضورًا رقميًا فعالًا، وقدرة على تحويل الزائر من الإنترنت إلى المكان. ومن اللافت أن تقرير جمعية بائعي الكتب الأميركية يذكر أن المنصة تدعم تكامل المخزون المحلي بما يساعد على قيادة الحركة من الرابط الرقمي إلى الواقع المادي، وتحمي المتاجر من هجمات الروبوتات وتجريف الذكاء الاصطناعي.

بهذا المعنى، ليست المشكلة في أن تستخدم المكتبة الذكاء الاصطناعي أو التجارة الإلكترونية، بل في أن تصبح خاضعة لمنطق المنصة بالكامل. يمكن للمكتبة أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الفهرسة، واقتراح الكتب، وتنظيم الفعاليات، وتحليل احتياجات المجتمع المحلي، ومساعدة القراء في بناء قوائم قراءة. لكنها يجب أن تبقي القرار التحريري والثقافي في يد الإنسان. فالذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، لا أمين مكتبة بديل.

ويجب التمييز هنا بين الرقمنة والمنصنة. الرقمنة تعني استخدام الوسائل الحديثة لخدمة القارئ وتوسيع الوصول وتحسين الإدارة. أما المنصنة فتعني أن تخضع المكتبة لمنطق السوق الخوارزمي: السرعة فوق العمق، الأكثر مبيعًا فوق الأكثر قيمة، التشابه فوق الاختلاف، والبيانات فوق العلاقة الإنسانية. المستقبل الصحي للمكتبات هو أن تكون رقمية بقدر ما تحتاج، وإنسانية بقدر ما تستطيع.

ومن هنا يمكن تصور مكتبة مستقبلية تستخدم الذكاء الاصطناعي في تنظيم المخزون، لكنها لا تترك له وحده قرار اختيار الكتب. تستخدم أدوات التوصية، لكنها تضيف إليها صوت بائع الكتب. تنشر قوائم قراءة رقمية، لكنها تجعلها مدخلًا إلى نقاش حي. تستفيد من التجارة الإلكترونية، لكنها لا تجعل البيع هدفها الوحيد. تملك موقعًا وتطبيقًا ونشرة بريدية، لكنها تظل مكانًا يذهب إليه الناس لأنهم يريدون أن يكونوا بين الكتب وبين الناس.

مستقبل الكتب غير الروائية بين الاختصار والتجربة

تشير بعض المؤشرات إلى أن الكتب غير الروائية الجادة، خصوصًا السياسية والسيرية والتاريخية الموجهة تقليديًا لفئة من القراء الرجال، تواجه تراجعًا في المبيعات. فقد نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرًا بعنوان «كتب الآباء أصبحت نوعًا آخذًا في الانقراض»، ووصفت فيه تراجع مبيعات عناوين غير روائية عن السياسة والسير وموضوعات مشابهة.

لكن قراءة هذا التراجع تحتاج حذرًا. فقد تكون بعض الأنواع في دورة هبوط مؤقتة، وقد تكون أذواق القراء تتحول نحو الرواية، والرومانسية، والخيال الرومانسي، والكتب القصيرة، والوسائط الصوتية. كما أن جيمس دونت، في تقرير «أكسيوس»، رفض التعميم بأن القراءة في تراجع شامل، ورأى أن بعض الأنواع تتغير صعودًا وهبوطًا بسرعة، وأن الكتاب غير الروائي لا يزال يؤدي جيدًا في مواضع أخرى.

الأدق إذن أن نقول إن سوق الكتاب يتفتت. هناك كتب ستضعف لأنها كانت تبيع الوصفة التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيصها. وهناك كتب ستزداد قيمة لأنها تمنح تجربة لا يمكن اختصارها: صوت المؤلف، عمق السرد، البحث الأصلي، المتعة اللغوية، الرحلة الفكرية، واللقاء المجتمعي حول الكتاب. وهنا تصبح المكتبات شريكًا في إنقاذ الكتاب غير الروائي العميق عبر تحويله من سلعة فردية إلى حدث: ندوة، حلقة نقاش، قراءة جماعية، لقاء مع مؤلف، أو برنامج تعلم ممتد.

إن الكتب غير الروائية التي تكتفي بتقديم خطوات مباشرة قد تواجه منافسة شديدة من الذكاء الاصطناعي، لأن القارئ قد يحصل على الخلاصة العملية بسرعة. أما الكتب غير الروائية التي تقدم بناءً فكريًا عميقًا، أو قراءة تاريخية مركبة، أو شهادة شخصية صادقة، أو تحليلًا أصليًا، فإن قيمتها لا تكمن فقط في نتائجها، بل في الطريق الذي تقود القارئ عبره. وهذا الطريق لا تختصره الآلة بسهولة.

وهنا تستطيع المكتبات أن تلعب دورًا إنقاذيًا. فحين تعرض كتابًا غير روائي ضمن سياق، وتربطه بفعالية، وتدعو مؤلفه، وتدير حوله نقاشًا، وتضعه إلى جانب كتب أخرى، فإنها تمنحه حياة اجتماعية جديدة. الكتاب لا يبقى منتجًا على رف، بل يصبح موضوعًا لحوار. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد يكون مستقبل بعض الكتب مرهونًا بقدرتها على أن تتحول من نص منفرد إلى تجربة جماعية.

وظائف المكتبة في المستقبل

المكتبة في عصر الذكاء الاصطناعي ستؤدي وظائف جديدة إلى جانب وظائفها القديمة. أولى هذه الوظائف هي وظيفة الترشيح الموثوق. في بحر المحتوى المولد آليًا، سيبحث الناس عن جهة بشرية تقول لهم: هذا يستحق وقتكم. وقد كانت توصيات الأصدقاء والعائلة مهمة دائمًا، لكن استطلاع «سي بي إس نيوز» يبين أن القراء يعتمدون بدرجات مختلفة على التوصيات، وأن كبار السن يميلون إلى مراجعات الكتب، بينما يتجه من هم دون الثلاثين أكثر إلى وسائل التواصل والمؤثرين.

الوظيفة الثانية هي إبطاء المعرفة. فالمكتبة ليست فقط مكانًا للحصول على كتاب، بل مكان يعلّم الإنسان أن بعض المعارف تحتاج إلى وقت. وهذا مهم جدًا في مواجهة ثقافة الملخصات. فالمكتبة التي تنظم نادي قراءة لا تبيع نصًا، بل تخلق إيقاعًا: أسبوعًا للقراءة، ساعة للنقاش، اختلافًا في التأويل، وعودة إلى النص.

الوظيفة الثالثة هي بناء المجتمع. لقد أصبح هذا البعد من أهم أسباب عودة المكتبات. في ديترويت، ربط أصحاب مكتبات بين افتتاح المتاجر وحاجة الناس إلى المجتمع بعد العزلة، وقالوا إن بعض القراء صاروا يقرؤون بطريقة مختلفة لأنهم متحمسون للقاء الجيران والحديث معهم.

الوظيفة الرابعة هي تعليم الذكاء الاصطناعي النقدي. يمكن للمكتبة أن تقيم ورشًا في التحقق من المعلومات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون استسلام معرفي، وكتابة الأسئلة الجيدة، ومقارنة الإجابة الآلية بالمصادر، وحماية الخصوصية والحقوق الفكرية.

الوظيفة الخامسة هي حماية التنوع الثقافي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد يدفع الناس نحو إجابات متشابهة، فإن المكتبة تستطيع أن تضع القارئ أمام كتب محلية، وأصوات جديدة، ومؤلفين ناشئين، وتجارب لا تهيمن عليها خوارزميات الشهرة.

الوظيفة السادسة هي رعاية المؤلفين المحليين. فالمكتبات المستقلة تستطيع أن تمنح الكاتب المحلي فرصة لا توفرها المنصات الكبرى دائمًا: لقاء مباشر مع القراء، توقيع كتب، نقاشات، عرض في الواجهة، توصية بشرية، وبناء علاقة طويلة مع المجتمع. وفي زمن تزداد فيه صعوبة ظهور الأصوات الجديدة وسط تدفق المحتوى، تصبح المكتبة مساحة عادلة للاكتشاف.

الوظيفة السابعة هي بناء ذاكرة المدينة. فالمكتبة التي تعرف مجتمعها وتحتفظ بكتب مؤلفيه وتنظم فعالياته وتعرض قضاياه، تتحول إلى أرشيف حي للمدينة. إنها لا تحفظ الكتب فقط، بل تحفظ الأسئلة التي تشغل الناس، والنقاشات التي تدور بينهم، والتحولات التي تمر بها الأحياء.

الوظيفة الثامنة هي مقاومة العزلة. فالعالم الرقمي يمنح اتصالًا واسعًا، لكنه لا يمنح دائمًا علاقة حقيقية. والمكتبة تستطيع أن تعيد بناء علاقة هادئة بين الناس، حول كتاب أو فكرة أو فعالية أو حوار. وهذا الجانب الاجتماعي قد يكون من أهم عوامل بقائها في المستقبل.

شروط بقاء المكتبات وازدهارها

لكي تنجح المكتبات في المستقبل، تحتاج إلى نموذج يجمع بين الأصالة والتجديد. أول شرط هو التحرر من وهم أن كثرة الكتب تكفي. الرفوف ضرورية، لكنها ليست كافية. قيمة المكتبة في حسن الاختيار، وفي بناء شخصية للمكان. كل مكتبة ناجحة يجب أن تجيب عن سؤال: لماذا يأتي القارئ إلينا بدل أن يطلب الكتاب من منصة كبرى أو يسأل الذكاء الاصطناعي؟

الشرط الثاني هو المحلية. تجربة «بارنز آند نوبل» بعد جيمس دونت تقدم درسًا واضحًا: عندما تُمنح الفروع قدرة على معرفة مجتمعها، تتحسن العلاقة بين الكتب والقراء. وهذا ينطبق أكثر على المكتبات المستقلة، لأنها تملك مرونة أعلى في بناء هوية قريبة من الحي والمدينة والذاكرة المحلية.

الشرط الثالث هو الفعاليات المستمرة. المكتبة التي لا تنظم نشاطًا ستبقى متجرًا، أما التي تنظم نوادي قراءة، وورش كتابة، ولقاءات أطفال، ونقاشات فكرية، وأسواقًا صغيرة، وتعاونًا مع المدارس والجامعات والمقاهي، فستتحول إلى مؤسسة اجتماعية.

الشرط الرابع هو بناء حضور رقمي مستقل. لا يكفي أن تكون المكتبة جميلة من الداخل إذا لم تكن مرئية رقميًا. المنصات الإلكترونية، القوائم البريدية، الحجز للفعاليات، عرض المخزون المحلي، البيع عبر الإنترنت، ونشر توصيات بشرية ذكية، كلها عناصر مهمة. لكن هذا الحضور الرقمي يجب أن يخدم العودة إلى المكان، لا أن يذيب المكتبة في منطق المنصة.

الشرط الخامس هو جعل الذكاء الاصطناعي خادمًا لا سيدًا. يمكن استخدامه في إدارة المخزون، وتحليل الاتجاهات، وإعداد نشرات قراءة، وترجمة وصف الكتب، ومساعدة القراء على العثور على عناوين مناسبة، أو أرشفة الفعاليات. لكن لا يجوز أن يحل محل الذوق البشري ولا أن يحول المكتبة إلى آلة توصية بلا روح.

الشرط السادس هو بناء الثقة. في عالم تكثر فيه النصوص المولدة آليًا والمعلومات المتضاربة، ستصبح الثقة رأسمالًا ثقافيًا نادرًا. والمكتبة التي تحافظ على مصداقيتها في الاختيار والتوصية والنقاش ستكون أكثر قدرة على البقاء.

الشرط السابع هو تنويع مصادر الدخل دون فقدان الهوية. يمكن للمكتبة أن تضيف مقهى، أو منتجات فنية، أو بطاقات، أو ألعابًا تعليمية، أو فعاليات مدفوعة، أو اشتراكات قراءة، لكن بشرط ألا تتحول الكتب إلى ديكور. فالمكتبة تنجح حين توسع نشاطها حول الكتاب، لا حين تستبدل الكتاب بنشاط آخر.

الشرط الثامن هو التعاون المؤسسي. فالمكتبات تحتاج إلى علاقات مع المدارس، والجامعات، والبلديات، والمراكز الثقافية، ودور النشر، والجمعيات، والمؤلفين. فالمكتبة المنعزلة أضعف من المكتبة التي تتحول إلى عقدة في شبكة ثقافية واسعة.

الشرط التاسع هو الاستثمار في العاملين داخل المكتبة. فبائع الكتب ليس موظف بيع عاديًا، بل وسيط ثقافي. قدرته على القراءة، والتوصية، والحديث مع القارئ، وفهم الذوق المحلي، وبناء الثقة، جزء من قيمة المكتبة نفسها. لذلك فإن تدريب العاملين ودعمهم واحترام خبرتهم من أهم شروط المستقبل.

الشرط العاشر هو الدفاع عن القراءة كقيمة إنسانية. لا يكفي أن تقول المكتبة: اشتروا الكتب. عليها أن تشرح لماذا نقرأ، ولماذا نحتاج إلى القراءة الطويلة، ولماذا لا يكفي التلخيص، ولماذا يحتاج الإنسان إلى علاقة حية مع النصوص. فالمكتبة في المستقبل يجب أن تكون صوتًا ثقافيًا لا مجرد متجر.

المكتبات والذكاء الاصطناعي في المجال العربي

رغم أن معظم الأرقام والتقارير المشار إليها تتعلق بالسوق الأميركية، فإن الأسئلة التي تطرحها تتجاوز السياق الأميركي. فالعالم العربي يواجه تحديات مضاعفة: ضعف عادة القراءة في شرائح واسعة، محدودية انتشار المكتبات العامة والحيّة، تراجع بعض المكتبات التجارية، ارتفاع أسعار الكتب، ضعف شبكات التوزيع، ومنافسة المحتوى الرقمي السريع. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، قد يزداد الميل إلى الاكتفاء بالملخصات والإجابات الجاهزة، خصوصًا لدى الأجيال الشابة.

لكن هذا التحدي يفتح فرصة أيضًا. فالمكتبات العربية، إن أعادت تعريف نفسها، تستطيع أن تتحول إلى مراكز ثقافية محلية: نوادي قراءة، جلسات حوار، ورش كتابة، برامج للأطفال، لقاءات مع مؤلفين، معارض كتب مصغرة، شراكات مع المدارس، برامج لمحو الأمية الرقمية، ودورات في استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية. فالمستقبل ليس لمن يملك الكتب فقط، بل لمن يعرف كيف يجعل الكتاب حدثًا وحوارًا وعادة.

كما أن المكتبات في العالم العربي تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا في حماية اللغة العربية. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد على إنتاج النصوص العربية، لكنه قد يساهم أيضًا في نشر نصوص ركيكة، أو ترجمات ضعيفة، أو معلومات غير موثقة. ومن هنا تحتاج المكتبات إلى أن تكون حارسة للغة الجيدة، والنص الموثوق، والقراءة الواعية. وهذا لا يتم بالمنع، بل ببناء ذائقة نقدية عند القراء.

وإذا كانت المكتبات المستقلة في مدن أميركية قد نجحت في بناء مجتمعات قراءة محلية، فإن المدن العربية تحتاج إلى مثل هذا النموذج بدرجة أكبر. فالمكتبة يمكن أن تكون مساحة للشباب، وللأطفال، وللعائلة، وللحوار الفكري، ولتجديد الصلة بالكتاب خارج منطق المدرسة والامتحان. فالكثير من الناس لم يكرهوا القراءة لأنها صعبة فقط، بل لأنهم لم يعيشوها كتجربة ممتعة وحرة واجتماعية.

خاتمة: المكتبة لا تعيش لأنها تبيع الكتب فقط

حاضر المكتبات يكشف مفارقة غنية: هناك تراجع في القراءة الطويلة عند شريحة من الناس، وهناك عودة للمكتبات عند شريحة أخرى، وهناك صعود للذكاء الاصطناعي الذي يختصر المعرفة، وهناك تعطش للمجتمع لا تستطيع الشاشة إشباعه. لذلك فإن مستقبل المكتبات لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي على السرعة، بل في تقديم ما لا تمنحه السرعة: العمق، الثقة، الاختيار، الرفقة، والذاكرة.

المكتبة القادمة ليست مخزن كتب، ولا مقهى مزينًا بالرفوف، ولا منصة بيع محلية فحسب. إنها فضاء مقاوم للتشتت، ومختبر للقراءة، ومركز لمحو الأمية الرقمية، وحاضنة للمؤلفين، ومكان يعيد للمعرفة بعدها الإنساني. وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعل الحصول على الجواب أسهل، فإن المكتبة ستبقى ضرورية لأنها تعلّمنا كيف نصبر على السؤال، وكيف نقرأ بعمق، وكيف نلتقي حول المعنى.

إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر كتابًا، لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده مجتمع قراءة. يستطيع أن يقترح عنوانًا، لكنه لا يمنح المكان ذاكرة. يستطيع أن يجيب بسرعة، لكنه لا يعلّم بالضرورة فضيلة التمهل. يستطيع أن يحلل النص، لكنه لا يعوض دفء النقاش الحي بين القراء. لذلك فإن مستقبل المكتبات لا يقوم على مقاومة التكنولوجيا بالحنين، بل على تحويلها إلى أداة في خدمة رسالة أعمق: صيانة الإنسان القارئ، الإنسان المتأمل، الإنسان القادر على التمييز والحوار وبناء المعنى.

ومن هنا يمكن القول إن المكتبات لن تبقى لأنها تبيع الكتب فقط، بل لأنها تمنح الكتاب حياة اجتماعية، وتمنح القارئ مكانًا، وتمنح المجتمع ذاكرة، وتمنح المعرفة وجهًا إنسانيًا في زمن تتكاثر فيه الواجهات الآلية. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون المكتبة أقل أهمية مما كانت عليه في الماضي، بل ربما تصبح أكثر أهمية، لأنها تذكّر الإنسان بأن المعرفة ليست جوابًا سريعًا فحسب، بل علاقة طويلة بين العقل، والنص، والمكان، والآخرين.

اضف تعليق