كتاب فرانك ترنتمان (امبراطورية الاشياء) عمل هام وملفت يشبه كتاب منهجي في تدريس التاريخ. انه يتوغل في تاريخ عدة دول ليرى كيف انتقلت السلع من مكان الى آخر. يجب ملاحظة ان الاستهلاك ليس فكرة جديدة وانما تطور بسرعة بفضل العصر الصناعي وظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية.

كيف تغيرت المواقف من الاستهلاك المادي على مر العصور؟ الكاتب يعرض تاريخا طموحا لهذا الموضوع بدءاً من القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر استوفى فيه الآراء المؤيدة والمعارضة للاستهلاك المادي. كارل ماركس اعتبر الاستهلاكية خطيرة اخلاقيا وربما آثمة. المجتمع الاستهلاكي الذي انتقده ماركس كان يتجسد بوضوح في محلات التسوق البريطانية مثل هارودس، حيث تأتي لحوم الابقار من الارجنتين والخمر من البرتغال والمنتجات الاخرى للتجارة العالمية التي وفّرت مستويات غير مسبوقة من "عبادة السلعة".

مصطلح الاستهلاكية consumerism وهو مشتق من اللاتينية، ارتبط بالهدر او النفايات. بعد ماركس بقرن افترض الكاتب الايطالي ومخرج الافلام Pier Paolo Pasolini وجود عنصر فاشي في الاستهلاكية. ايطاليا الكاثولوكية كانت تتغير بسرعة في الستينات من القرن الماضي حسبما يذكر المؤلف. باسوليني صب جام غضبه على منتجات مثل العلكة والكوكا كولا والجينز وغيرها من سلع الموضة الامريكية.

لسوء الحظ باسوليني لم يستطع رؤية ان الناس الشباب سعوا دائما للتعبير عن أنفسهم من خلال الارتباط العاطفي بالأشياء. الجماعات البريطانية ذات العلامات المميزة، الشركات الايطالية المتخصصة بالقهوة، مكائن الكاباجينو كلها تعمل بالضد من الطبقة الراسخة والامتثال. حاجات المستهلك تعمل احيانا على تجاهل وإضعاف الوضع القائم. عبودية الاطلسي كانت من الانظمة التجارية الاكثر كمالا في العصر الحديث. مؤيدو التجارة الحرة يميلون لرؤية الاستهلاك كتجسيد لحق الفرد بالخيار الاستهلاكي. وفق رؤيتهم الليبرالية الجديدة، انفاق النقود على السلع المادية يقوّي قيم الديمقراطية والازدهار للجميع. رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر "عرّابة الليبرالية الجديدة"، يذكر المؤلف انها سعت لتحطيم المواقف الماركسية المضادة للاستهلاكية. عندما قامت في مارس 1987 بزيارة الى موسكو السوفيتية مرتدية قبعة من الفرو، استقبلها الروس كسفيرة ترمز للحرية والثروة.

اما العناصر اليسارية الميول في الكنيسة الكاثوليكية استمروا بانتقاد "الاستهلاك الصريح" واللامساواة في نمو المبيعات. البابا يوحنا الثالث والعشرون (اول بابا يفتح الكاثوليكية امام الجدل الماركسي) انتقد القيم الاستهلاكية في رسالته البابوية للسلام عام 1963 باعتبارها مضادة للروابط الاجتماعية. ومن جهة اخرى، احتضن العديد من المسيحيين الانجيليين في الولايات المتحدة "انجيل الرفاهية"، حيث ان يسوع طرد صرافي العملة، لكن التسوق قد يجلب شعورا رائعا في السعادة. كتاب ترنتمان ليس فقط عن التسوق. النصف الاول من الكتاب يسجل تاريخ "التقدم العالمي للسلع"منذ القرن الخامس عشر وحتى ظهور الاسواق في اسيا اليوم.

من غير المدهش ان عبودية الاطلسي شغلت الكثير من الكتاب. من عام 1700 الى 1808، اصبح السكر (المنتج النهائي للعبودية البريطانية) مربحا جدا، لدرجة ان ازدهار موانئ العبيد الانجليزية مثل بريستول وليفربول كانت مشتقة من المتاجرة بما اطلق عليه المؤرخ سدني منز "الاغذية الدوائية الاستوائية". سفن العبيد الاستوائية تحمل السلع التجارية مثل البنادق والمواد المتفجرة التي تأتي من انجلترا الى افريقيا، بعد ذلك تأتي بالعبيد من افريقيا الى الكاريبي، واخيرا تجلب السكر والقهوة والقطن والرز والكحول مجددا الى انجلترا. انه من افضل النظم التجارية في العصر الحديث، حيث جسّد منحنى للعرض والطلب خال من العيوب.

الكتاب يؤكد الحاجة الى تقييم حقيقي وواقعي لحاجتنا للسلع والتضحيات التي نقدمها مقابل ذلك. يؤكد المؤلف على فكرة تقليل الحاجات، والاستثمار في نوعية السلعة، وفهم تأثير الاستهلاك على الكوكب الذي نعيش فيه. سنناقش هذه القضايا تباعا وفق تحليل الكاتب.

بيع العمل

منذ وقت طويل، سعى الناس لتلبية حاجاتهم. العوائل كانت مكتفية ذاتيا بما تصنع او تنتج. كان من النادر للعوائل ان تشتري اشياءا مصنوعة سلفا، بدلا من ذلك، كان الناس يشترون مواد وتجهيزات وتعلّموا كيف يصنعون الاشياء فكانوا اقتصاديين في ما يستهلكون. ولكن لاحقا بدأ رب المنزل بدلا من انتاج ما يحتاجه، اتجه لبيع عمله لكي يستطيع شراء الكثير من السلع. هذا الامر تعزز بالتسويق والاعلانات وترسخ بواسطة الحكومة وببطاقات الائتمان وبمختلف الآليات التي تدفع ارباب المنازل للاعتقاد انهم ليس لديهم ما يكفي للاستهلاك. اما اليوم نحن نبيع وقتنا لأجل النقود، ثم نستعمل تلك النقود لشراء السلع. المشكلة اننا لا نعتقد اننا نمتلك سلع كافية، دائما نريد النوعية الأحدث وهذا خلق دورة لامتناهية. الاستهلاك اصبح اكثر اهمية من الانتاج.

العبيد وصناعة الاشياء الراقية

لو نظرنا الى قائمة السلع الحالية سنجد ان غالبيتها صُنع على اكتاف العبيد. من القطن الى القهوة الى الشوكولاته الى الذهب والبترول وبقية السلع كلها مواد بدأت من مستعمرات للإنتاج للأسواق الكبرى. في البدء كانت بعض المواد مخصصة فقط للنخبة من الناس وكانت تُعرف بمواد الفخامة Luxury. ومع اتساع العولمة وزيادة تدفق السلع بدأت هذه السلع تصل الى الجمهور. الاسواق تطلبت انتاج واسع من هذه السلع وهو ما ادّى الى استغلال الناس للحصول على هذه المواد للاستعمال في المطبخ او للبيوت او للسيارات. ايضا من المهم ملاحظة ان العديد من المنتجات نشأت واستمرت تأتي من العالم المتطور بفعل سياسات التسويق الذكي، لكن لا مجال للشك ان اكثر المواد المفضلة تأتي من بلدان فقيرة. فمثلا اكثرية الشوكولاته تُزرع وتُحصد في غرب افريقيا وحيث تستمر عمالة الاطفال في زراعة الكاكو. كبرى شركات الشوكولاته مثل كادبري، مارس، نستل تستعمل 12% من الكاكو المنتج، لكنها لا تتحدث عن اصله.

حرية المستهلك

الاستهلاك لم يعد ضرورة للبقاء، وانما حق في الحماية. المقدرة على امتلاك الخيار بما يُستهلك اعطى المستهلكين آمانا زائفا. الاختيار في الحقيقة خلق المزيد من النفايات، أخذ المزيد من الطاقة الذهنية. بدا الشعور به كنوع من الحرية، الخيار كبّل الناس بالشعور ان الامتلاك هو الاعظم اهمية وكبّلهم بالخوف من فقدانه.حتى بعد 11 سبتمبر طُلب من الامريكيين للذهاب لأعمالهم والاستمرار بالتسوق والسماح للاقتصاد بالعمل.

"نقد الاستهلاكية" يأتي من فريقين: الاول يرى ان اصل المشكلة فشل اجتماعي واخلاقي. الناس باستمرار يريدون اكثر مما يحتاجون حقا، متحفزين بأصناف المنتجات واصحاب الاعلان والشركات وبرغبتهم في التمظهر وتقليد رؤسائهم. الثاني يرون "الاستهلاكية" كجزء من الافراط الكبير للنمو الاقتصادي الذي نجح بعد الحرب العالمية الثانية. لابد من تحرير المجتمعات الغنية من سحر النمو والعودة الى "صفر من النمو"ووقف الصعود المحموم في السلع المادية. احيانا كلا الرؤيتين تعملان سويا.

الائتمان والديون

الائتمان كان عاملا كبيرا في إنفاق الامريكيين. إدخال نظام بطاقات الائتمان شجع رب المنزل على الشراء ثم الشراء. متوسط الامريكيين سعداء بإنفاق مدخولات الغد. الاشياء يتم شرائها عند اوقات التنزيلات وعند العروض بشراء سلعتين بسعر سلعة واحدة بما يشجع الافراط في الشراء. "اصحاب الاعلان يهتمون كثيرا بعناية النفس القلقة، هناك دائما منتج جديد قريب من المستهلك يعد بالمزيد من الاشباع والقناعة". الديون جعلت الفرد عبدا لمؤسسة الدين. "التنزيلات، الكلمة السحرية، تفرغ جيوبنا، تسيء الى روتيننا اليومي، تسحرنا، تسّرنا، تخيب آمالنا".

الناس أصبحوا مدمنين على الائتمان، لشراء اشياء ليسوا بحاجة لها. الائتمان المريح يغذي عبادة التباهي والتجدد ولكن بنتائج كارثية.. "اشتر الان، ادفع لاحقا "جعلت الناس قصيري النظر وانانيين يسهل انقيادهم للمعلنين الذين يروجون فكرة ان المزيد من الاشياء يعني المزيد من احترام الذات. ما ورثناه من نفوس قانعة القي بها في الريح اثناء السعي نحو الاشباع. الكآبة اصبحت مبرمجة بالمعنى السايكولوجي والاقتصادي".

النفايات وفقدان التنوع الاحيائي

شهد القرن العشرون هبوطا حادا بالتنوع البيئي متراجعا عشرة الاف سنة من التاريخ. استهداف الشركات لمنتج نباتي معين متحديا الطبيعة لكي ينمو اكثر وبوقت اسرع يسمح بوصول المنتج الى طاولة الطعام بوقت غير طبيعي."ما نحمله للبيت في حقيبة التسوق يحمل معه الماضي المادي والمستقبل". اكوام النفايات هي تذكير بإدماننا على الكثير، فهي تذكير مستمر بالأشياء المصممة بنوع من اللامبالاة والتي لم تُصنع لكي تستمر. السلع المستعملة من العالم المتطور تنتهي لدى الدول الفقيرة التي تفتقر للتكنلوجيا والقوانين التي تمكّنها من اعادة استخدامها بشكل ملائم. التحدي الان هو ليس فقط الدول الغنية لديها مستويات عالية من الاستهلاك، وانما الدول النامية بدأت اللحاق بالعالم المحدود الموارد مما خلق اضرارا بيئية كبيرة.

سرعة التغيير

يلاحظ المؤلف ايضا في كتابه ان العالم احتاج لأربعة قرون لكي يزيد استهلاكه الى حد كبير، لكن دول مثل الصين واليابان والهند احتاجت فقط الى ثلاثين سنة لتحقيق الزيادة في نموها وزيادة الطبقة الوسطى. انها فترة زمنية مدهشة لتحقيق الزيادة في الاستهلاك وما رافقه من تغييرات كبيرة في اجسامنا واسلوب حياتنا ونفاياتنا.

ماذا نستطيع عمله؟

جميعنا مستهلكون وجميعنا نشارك في نمو امبراطورية الاشياء، لكننا نستطيع فعل شيء ما عبر طرح الاسئلة التالية في كل مرة نستهلك فيها:

1- هل نحن حقا نحتاج هذه السلعة؟

2- هل نستطيع شراء هذه السلعة كنوع مستعمل؟

3- هل هي تستمر الى المدى الذي نريده؟

4- ما هي النتائج الصحية والبيئية التي تؤثر على صنع المنتج؟

الكاتب يمتنع عن اصدار الاحكام الاخلاقية. ولكن في النصف الثاني من الكتاب هو يبدو يسأل عن قيمة التجارة الحرة وعن الحركات الاستهلاكية شبه المسيحية في القرن العشرين. وفرة المستهلكين في الغرب خلق شعورا بالفضيلة عبر شراء شاي وقهوة اوكسفام (جمعية خيرية). المستهلكون المواطنون في الغرب لديهم الاستهلاك الاخلاقي الراقي بينما الاخرون لا يتمتعون في ذلك.

الكاتب في بحثه المعقد يسأل إذا كان مناخ الاصوليين الاسلاميين في النقاء والطهارة لا يمكن التوفيق فيه مع طوفان السلع الاستهلاكية. الهجوم على الكوكا كولا في إيران لم يلغ المشروبات الغازية وانما استبدلها بزمزم كولا وغيرها من السلع المستنسخة.

* كتاب امبراطورية الاشياء: كيف اصبحنا عالما من المستهلكين للكاتب فرانك ترنتمان استاذ التاريخ في جامعة لندن، صدر عن دار بنجوين في 3 نفمبر 2016

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3