وعى المفكرون مبكراً ميزة الاختلاف وحظّوا الجميع على احترامها والتشبث بها لكي يصبح عالمنا أفضل، ونادوا بالحب للجار أو الآخر حتى يتم ضمان (حب الذات)، فلا يمكن أن يتحقق احترام الإنسان لنفسه وحبّه لذاته، قبل أن يحب الجار أو الآخر، وهذا الملَّخص يناقش أهمية أن تحب لجارك مثلما تحب لنفسك، وهو مبدأ إسلامي ظهر في بواكير الرسالة النبوية في حديث شريف للرسول الكريم (ص): (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ).

يقول سيغموند فرويد إن الدعوة إلى أن تحب جارك مثلما تحب نفسك هي من المبادئ الأساسية للحياة المتحضرة (وحسب ما يرى البعض، أحد المطالب الأخلاقية الأساسية). ولكن ذلك المبدأ أيضا مناقض للعقل الذي تشجعه تلك الحضارة: العقل المتمثل في مصلحة الذات، في البحث عن السعادة. هل الحضارة لهذا السبب قائمة على تناقض يستحيل التغلب عليه؟ هكذا يبدو: لو اتبع المرء مقترحات فرويد، سيصل إلى نتيجة تقول إن المبدأ المؤسس للحضارة يمكن إتباعه فقط بتبني نصيحة تيرتوليان الشهيرة: آمن به لأنه غير معقول.

الحقيقة أنه يكفي أن نسأل (لماذا عليَّ أن أفعله)، (ماذا سيفيدني فعله؟) لندرك معقولية بأن يحب المرء جاره (مثل نفسه)- يحب أي جار لمجرد أنه هو أو هي يمكن رؤيته أو الوصول إليه. إن كان عليّ أن أحب أحدا فإنه يجب أن يكون جديرا بذلك بطريقة أو أخرى. وهو يستحقه إن كان يشبهني كثيرا وبطرق عديدة ومهمة إلى درجة أنني أحب نفسي فيه، إنها تستحق ذلك إذا كانت أكثر كمالا مني لكي أحب المثال الذي تصبو إليه نفسي. (لكن إذا كان غريبا عني وإذا كان لا يستطيع أن يجتذبني لأي قيمة فيه أو أي اهمية كان قد امتلكها بالنسبة لحياتي العاطفية، سيكون من الصعب عليَّ أن أحبه). وتبدو المطالبة بالحب أكثر هشاشة وفوق ذلك مزعجة لأنني في الغالب لا أجد ما يكفي من المؤشرات على أن الغريب الذي يفترض فيَّ أن أحبه يحبني هو أو حتى يُظهر لي (أقل قدر من الاعتبار. فهو حين يحلو له لن يتردد في إيذائي، والسخرية مني، وتشويه سمعتي وإظهار تفوقه عليَّ).

ولذا فإن فرويد يسأل: (ما قيمة مبدأ يقال بكثير من التبجيل إذا لم يكن من المعقول أن يوصى به؟) يقول فرويد إن المرء يجد ما يغري باستنتاج مخالف للمنطق السليم، هو أن (حب الجار)( وصية تبررها فعلا الحقيقة المتمثلة في أنه لاشيء مثل ذلك يناقض الطبيعة الأصيلة للإنسان).

كلما ازداد احتمال عصيان سلوك ما، ازداد احتمال صياغته بقوة وإصرار. والأمر بحب الجار ربما يكون أقل احتمالا بأن يتبع من أي سلوك آخر. حين تحدى أحد الراغبين في اعتناق الدين الحكيم التلمودي الحاخام هلّيل أن يشرح تعاليم الإله بينما كان ذلك المتحدي يقف على قدم واحدة، قال له: (عليك أن تحب جارك كما تحب نفسك) بوصف تلك هي الإجابة الوحيدة والكاملة مع ذلك لأنها تختصر تعاليم الإله بأكملها. غير أن القصة التلمودية لا تخبرنا ما إذا كان المتحدي قد اعتنق الدين بعد تلك الإجابة، إن قبول إجابة الحاخام هلّيل سيكون قفزة إيمانية، قفزة حاسمة ولكنها صعبة جدا، يكسر فيها الإنسان القشرة الصلبة التي تشكلها الرغبات والنزعات والميول (الطبيعية) ويضع نفسه في مقابل الطبيعة، متحولا إلى الكائن (غير الطبيعي) الذي هو البشر، على عكس الوحوش (وبالفعل على عكس الملائكة أيضا، كما بيّن أرسطو).

القبول بمحبة الجار كمبدأ يعني ولادة للإنسانية. كل الطرق المألوفة للتعايش الإنساني، إلى جانب الأعراف والقواعد المهيّأة مسبقا والمكتشفة بأثر رجعي، ليست سوى هوامش غير مكتملة لذلك المبدأ. ويمكننا أن نمضي خطوة واحدة إلى الأمام ونقول إنه إن تم تجاهل ذلك المبدأ أو التخلي عنه تماما، على الرغم من كونه شرطا أولياً للإنسانية والحضارة والإنسانية المتحضرة، فلن يكون هناك أحد موجودا ليعوض تلك القائمة أو التفكير في استكمالها.

ولكن دعوني أضيف مباشرة أنه على الرغم من أن حب الجار قد لا يكون ناتجا رئيسا لغريزة البقاء، فإن حب الذات الذي حُدّد ليكون أنموذجا لحب الجار، هو أيضا ليس كذلك. حب الذات- ماذا يعني؟ ما الذي أحبه (في ذاتي)؟ نا الذي أحبه حين أحب ذاتي؟

صحيح أن حب الذات يحفزنا لأن (نلتصق بالحياة)، أن نسعى جاهدين لنبقى أحياء يغض النظر عن النتائج، أن نقاوم ونحارب كل ما يهدد الحياة بنهاية مبكرة ونحمي ما هو اكثر من ذلك لتزيد، ذلك الاستعداد والحيوية التي نأمل أن تجعل المقاومة ( وكذلك الحماية) فعالة. غير أن القريب أو البعيد من أبناء عمومتنا من الحيوانات أساتذة يقلون مهارة وخبرة عن أكثر المدمنين على اللياقة المخلصين لها والمَهَرة فيها وأكثر شياطين الصحة بيننا. أبناء عمومتنا من الحيوانات (باستثناء من دجّنا منهم، الذين تمكنا من تجريدهم من قدراتهم الطبيعية لكي يساعدونا بشكل أفضل على البقاء، بدلا من بقائهم هم) لا يحتاجون إلى خبراء يقولون لهم كيف يظلون على قيد الحياة محتفظين بلياقتهم. كما لا يحتاجون إلى حب الذات ليعلمهم أن البقاء على قيد الحياة وفي لياقة هو الشيء الصحيح.

إن البقاء (أي البقاء الحيواني، البقاء الفيزيائي، الجسدي) يمكنه أن يتحقق بدون حب الذات. سيكون في واقع الأمر أفضل بدونه مما هو به. ربما تسير غريزة البقاء وحب الذات في طريقين متوازيين، ولكن من الممكن لو وجدنا أن الحياة كريهة بدلا من أن تكون محبوبة. حب الذات يمكنه أن يدفعنا إلى رفض البقاء لو أن حياتنا لا ترقى إلى مقاييس الحب فتصبح غير جديرة بأن تعاش.

ما نحبه حين (نحب ذواتنا) هو ذات تصلح لأن تُحَب. ما نحبه هو حالة، أو أمل، أن نكون محبوبين- أن نكون شيئا جديرا بالحب، أن يُعترَف بنا على هذا الأساس، وأن نُعطى الدليل على ذلك الاعتراف.

باختصار: لكي يكون لدينا حب للذات، نحتاج إلى أن نكون محبوبين أو أن يكون لدينا أمل في أن نكون محبوبين. رفض الحب –تجاهل، رفض، وإنكار أن نكون شيئا جديرا بحالة الحب- يولّد كراهية الذات. حب الذات يولد من الحب الذي يمنحنا إياه الآخرون. لابد للآخرين أن يحبونا أولا لكي نبدأ في حب أنفسنا.

وكيف لنا أن نعرف أنه قد تم تجاهلنا أو جرى التخلص منا على أننا حالة ميؤوس منها ولا قيمة لها؟ كيف لنا أن نعرف أن الحب آتٍ، قد يأتي، وسيأتي، أننا جديرون به حقا؟ إننا نعرفه، نعتقد أننا نعرفه، ونجد ما يؤكد لنا أن اعتقادنا ليس خاطئا حين يتحدث الآخرون إلينا ويستمعون حين يُنصت إلينا باهتمام، اهتمام يشير إلى استعداد المستمع للرد. ندرك عندئذ أن ما نفكر به، نفعله، أو ننوي فعله بهم. أن لنا اعتبارنا. أن بقاءنا أحياء يمثل أهمية. أننا نستحق أن يُعتنى بنا.

إذا كان الآخرون يحترمونني فمن الواضح إذا أنه لابد أن يكون (في) شيء لا يمكن لغيري أن يقدمه للآخرين، ومن الواضح أن هناك آخرين سيسعدهم أن يُقدم لهم ما لديّ وسيكونون ممتنين لو حدث ذلك. أنا مهم، وما أفكر به وأقوله وأفعله مهم أيضا. لستُ صفراً، يمكن استبدالي والتخلص مني. وجودي (يُجِد فرقا) وليس ذلك لنفسي فحسب. ما أقوله وما هو أنا وأفعل له أهمية، وليس مجرد خيالي المجنح. مهما كان الذي حولي في هذا العالم، فإن ذلك العالم سيكون أكثر فقرا، أقل متعة، وأقل وعدا لو أنني اختفيت فجأة من الوجود.

إذا كان هذا هو ما يجعلنا مناسبين لحب الذات، فإن الدعوة إلى حب جيراننا مثلما نحب أنفسنا (أي أن نتوقع من جيراننا أن يرغبوا في أن يُحَبّوا لنفس الأسباب التي تدفعنا لحب الذات) تثير لدى الجيران الرغبة في أن يجد اعتزازهم، هم أيضا، بقيمتهم الفريدة وغير القابلة للاستبدال أو التخلص منها، اعترافا وتأكيدا متشابهين. تلك الدعوة تحفزنا لافتراض أن الجيران يمثلون فعلا قيمة كتلك –على الأقل حتى يثبت العكس. حبنا لجيراننا كما نحب أنفسنا ستعني، عندئذ، احترام بعضنا لتفرّد كل واحد منا- إدراك قيمة اختلافنا الذي يثري العالم الذي نسكنه معاً ويجعله مكاناً أكثر إدهاشاً ومتعة.

............................................................................................................
*هذا المقال ملخص مقتبس من كتاب الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، تأليف زيغمونت باومان وترجمة سعذ البازعي وبثينة الإبراهيم.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
الإختلاف الهادف الى الوصول لرؤية افضل من الامور الجيدة
في تعدد الرؤى تبرز الإيجابيات فيتم تشجيعها لتكون هي السائدة
وتظهر السلبيات ايضا والتي بتجنبها واقصائها تعم على الجميع الفائدة
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والحير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-14

مواضيع ذات صلة

0