في المعنى الأدق لمفردة التوقّد، يتأتى من (الشعلة)، أو الجذوة، وهي منبع إيقاد النار، وتعني مجازا، حيوية الإنسان وتوقّد روحه بالحماسة والاندفاع نحو السمو ودرجات الكمال العليا، يقابل الإيقاد الخفوت كونه ذو علاقة بالنار وكذلك بالضوء.. فإذا قيل خفتت النار أي انطفأت.. وخفت الضوء أي تضاءل وهو في طريقه للانطفاء.. ما علاقة الإنسان بالتوقّد؟.. الإنسان روح والأخيرة ضوء يمكن أن نشعر به ولا يمكن لمسه.. فإذا انطفأ ضوء الروح سكن الجسد وغادر الإنسان عالم الوجود الى عالم الفناء.. هكذا ينظر بعض المختصين الى الروح بوجه عام.

بالنسبة للمبادرة.. فقد جاء عنها في معجم المصطلحات الفقهية.. أنها تأتي في معنى بادر يبادر مبادرة وبدّارا.. وهو الإسراع وعدم المماطلة.. أما في اللغة فالمُبادَرة تعني السبْق إلى اقتراح أمرٍ أو تحقيقه.. وقد تطور مفهوم المبادرة خلال السنوات الأخيرة.. فأصبحت المبادرة فكرة وخطة عمل تطرح لمعالجة قضايا المجتمع وتتحول إلى مشاريع تنموية قصيرة المدى.. وتصدر عادة عن المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والجمعيات الخيرية والتطوعية.

وقد تكون المبادرة فردية أو جماعية، كذا توجد لها أنواع من حيث الهدف.. فربما تكون سياسية أو اقتصادية وقد تكون ذات هدف حربي وهكذا، وتعني المبادرة في معجم المعاني الجامع سبْقا إلى اقتراح أمرٍ أو تحقيقه، ففي الحرب تعني أن يسبق قائدُ جيش قائدَ جيش العدوّ إلى خطَّة حربيَّة تمكِّنه من الانتصار عليه.. وتعني أيضا القدرة أو الميل المطلوب لبدء شيء ما مثل تجارة، أو عمل أو هدف ما يقرره الشخص.. وهذا ما يهمنا بالضبط.. فنحن نبحث في المبادرة الفردية والجمعية التي تلتصق بالإنسان والشباب على وجه التحديد.

هل يعاني الإنسان في مجتمعاتنا من الخمول.. ونحن هنا نستهدف الشرق بالأخصّ.. ومجتمعات المسلمين والعرب كذلك.. في العراق مثالا.. الناس كما نتأمل ذلك في حركتهم ونشاطهم.. يبدون كأنهم لا أهداف لهم.. وفي علم النفس من لا هدف له لا حركة له ولا رغبة صوب الانجاز.. خامل.. كسول.. مستكين.. هاجع كما يصفه اللغويون.. متى يكون الإنسان هاجعا؟.. سيكون كذلك عندما تنطفئ جذوة المبادرة في أعماقه.

ولماذا يصطف البشر عند هذه الدرجة من التحييد.. لا يؤثر به قول أو فعل.. معه أو بالضد منه.. لا تعنيه مفردة التغيير بشيء.. ولا التطور.. ولا النمو.. لا شيء يستثيره عدا تلك الحركة الآلية التي تأخذه نحو أهداف آنية.. لا تصل الى أبعد من رؤيته القاصرة القصيرة.. عديدة وقاهرة تلك الأسباب التي تقف خلف هذا الخفوت المدقع للروح الشبابية وسواها.

ما هي دواعي الخفوت هنا؟.. الإنسان العربي المسلم محاصَر بالخمول.. لماذا.. روحه شبه منطفئة.. سقف الطموحات منخفض.. مستوى إيقاد المبادرة يصل درجة الصفر وقد تكون تحته أحيانا.. في الأفق تلوح مسببات.. ما هي من وجهة النظر السايكولوجية الاجتماعية والتربوية.. هل مجتمعاتنا راكدة الى هذا الحد.. هل شبابنا مكبَّلون بالسوداوية وضياع الأمل وخلو الحياة من دوافع الاندفاع قُدُما؟ ربما يكون الأمر كذلك.. علينا أن نبدي شيئا ما.

الأسباب لافتة تعلن نفسها بلا غموض.. على أننا لا نرى تحرّكاً صوب المعالجة.. شباب مطوَّق باليأس والإهمال.. ضبابية في الهدف.. ضآلة في الرؤية.. سكونية مطلقة في الطموحات.. غياب شبه تام للتخطيط الرسمي والمدني.. لا أحد يهمه هذا الخفوت المخيف للشباب وغيرهم.. لا أحد يوجعه قلبه على ما يحدث من تراجع وخمول وكسل للإرادة.. العقل الشبابي محاصر بالنواقص من جهة والعوائق والسدود من جهة أخرى.. فيما تفكير صانعي القرار وعقولهم محاصرة بالمنافع السريعة حتى لو كان وقودها الشباب وبسطاء الناس.

جماعات الضغط لم تعد تجدي نفعا.. ربما قدمّت ما بوسعها حتى تحوّل سخطها ونقمتها الى الى نشاط محيَّد وحركة آلية تسير هي أيضا نحو الخفوت والانطفاء.. أحيانا نسمع صرخة احتجاج هنا أو هناك.. نرى مبادرة صغيرة هنا أو هناك.. ولكن كما يقولون (الفتق كبير والرقعة صغيرة).. هذه الأصوات والحركات الساخطة على صانعي القرار لم تنجح في التغيير.. أصحاب المناصب كما يظهر للرائي لا يعنيهم واقع مجتمعاتهم.. العراق مثالا.. شبابه في حالة ضياع.. خمول.. وروح المبادرة في تراجع مستمر وليس ثمة حالات إيقاد تلوح في الأفق.

لا نسعى لتقديم لوحة سوداوية لواقع واعد.. يجب أن نرصد ما يحدث فعلا ونحن نقوم بهذا.. لا نأتي من عندياتنا بشيء.. إنما نتكلم عمّا نراه لا على ما نتمناه أو نحلم به.. واقعنا لا يسرّ.. علميتنا لا يمكنها النهوض بنا إذا لم يكن هناك جذوة متوقدة تشعل في أعماقنا وإرادتنا روح المبادرة.. عقولنا لا تزال ميّالة الى الدّعة والراحة والهجوع.. نرى نارنا في طريقها الى الخفوت واستحالة التوقد.. لكننا لا نعبأ بذلك.. فنلهث نحو مكاسبنا الآنية بإصرار لا يلين.. ولا يضيرنا أن تنمو وتكبر شريحة الفقراء أو القابعين تحت خط الفقر المدقع.. إننا لا نلاحظ ذلك.. وإن لاحظنا شيئا من هذا القبيل.. تركبنا الحيادية والمآرب الذاتية والأنانية الراكزة.

هل نغالي في رصد حقائق مأخوذة من حركة الناس وأفكارهم.. هل نرسم واقعا يختلف عن واقعنا الذي نعيش.. هل شبابنا في خير ونحن نتهمهم بانطفاء هممهم وأرواحهم وضآلة عقولهم وقلة طموحهم ومشاريعهم؟.. هل أولي الأمر منّا.. سياسيونا.. صانعو قراراتنا.. يؤدون ما عليهم.. ويدعمون روح المبادرة لدى الشباب.. وينمّون مواهبهم.. ويستوعبون طاقاتهم؟.. هل نحن نتبلّى على الواقع ونحرفهُ عمّا هو عليه.. هذه تساؤلات أو أسئلة واقعية ملحة يجيب عنها بوضوح واقعنا الخافت أو المفتقر لحالة الإيقاد والمثابرة.

معالجة روح المبادرة.. ورفع سقف الطموحات.. وإيقاد الحماسة في إرادة الشباب وعامة الناس.. أهداف لا يجوز وضعها خلف ظهورنا وتقديم ما يشغلنا من مطامح آنية.. لا تعدو كونها منافع لا تسمن ولا تغني من جوع.. في مقابل مراعاة ما هو أهم وأبقى وأكثر فائدة وفاعلية من المنافع السريعة.. فكيف السبيل الى ذلك.. ومن له إمكانية رأب الصدع.. وخرق ما هو سائد وفرض ما هو مغاير؟.. حتى نتلمّس طريقنا بإرادة واعية قوية متوقّدة.

مَن هو صاحب القرار القادر على ترويض المشهد المكتظ بالتردّي.. ومعالجة ما ينبغي علاجه؟.. هل الشاب نفسه عليه أن يوقد روح المبادرة في ذاته.. أم المسؤول يتصدر مسؤولية هذا الهدف.. أم المجتمع الأعم.. أم النخب بأنواعها.. أم المنظمات الثقافية والمؤسسات الخيرة ومنظمات المجتمع المدني؟.

نحن نقف أمام مفترق طرق.. ربما في لحظة حاسمة من التاريخ.. وقد تكون محطة محورية.. تدخلنا في متاهات لا نعرف كيف نخرج منها سالمين.. نحتاج الى شباب قوي الشكيمة متوقد الروح والإرادة.. الكل مطالب بوضع هذا الهدف نصب عينيه.. المجتمع.. النخب.. الشباب.. الحكومة.. كل أنواع المنظمات بالأخص الشبابية.. تجميع الفعل الكلي وتوجيهه نحو هدف معروف.. إعادة زمام المبادرة وإيقادها في روح الشباب بعد توفير الأرضية الفكرية والنفسية والعملية والمعنوية لإنجاز هذا المشروع الاستراتيجي الحيوي.. هل سنفعل؟؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1