يُقصد بالنخب، مجموع الأفراد والعقول المتخصصة المتميزة في المجالات الرئيسة المؤثرة في حركة المجتمع وأنشطة الدولة المتعددة، فالسياسة مثلا من أهم المجالات التي تؤثر في حياة الناس، كونها تهيمن على توجيه العلاقات الخارجية والداخلية، وتضع بصمتها على الاقتصاد وتظهر لمساتها على قطاعات خدمية واسعة كالصحة والتعليم والاجتماع وسوى ذلك، لذا تعد النخبة السياسية من أهم النخب التي يمكن أن تسهم في تقدم الدولة أو تراجعها.

ينطبق هذا على النخب في المجالات الأخرى، وكما يمكن أن نجزم بلا تردد بأن اجتماع الطاقات الفردية تحيلها الى قدرات جماعية منتجة ومؤثرة، فإن اجتماع النخب يمكن أن يؤدي الى نتائج خارج سياق المتوقَّع، باتجاه الأفضل.. فغالبا ما تعود حالات التجمع المدروس للخبرات المتخصصة بنتائج مذهلة، ولكن ما هي الطريقة التي تجتمع بها هذه النخب، وكيف يمكن الإعداد لها، ومن الذي يتبنى هذه الاجتماعات المهمة ومن يقف بالضد منها؟.

إن الاجتماعات أو المؤتمرات المدروسة جيدا، هي أفضل وسيلة لتجميع الخبرات النظرية والتطبيقية، حيث تعني مفردة المؤتمر، أن يجتمع وجوه المجتمع، أو المسؤولون عن أمر ما لمناقشته والخروج بأفضل السبل والبدائل والمقترحات والحلول الناجعة، والنابعة من عمق الخبرات المتخصصة، ويحق بطبيعة الحال لعامة الناس أن يأتمروا لهدف ثقافي او خدمي او فكري او توجيهي، وبالنتيجة تكون للمؤتمرات فوائد كبيرة تعود بالفائدة على المعنيين وغيرهم، ولا يصح أن تُقصَر التجمعات على نخب بعينها، ولكن نستطيع أن نستفيد من تجارب الأمم التي سبقتنا في هذا المجال، ذلك أن التشرذم والعمل العشوائي لا يعطي النتائج المرتقبة.

هل هناك من يرفض هذا الأسلوب في استقطاب الخبرات والكفاءات والاستفادة من تجاربها وآرائها وعقولها المنتجة؟، نعم يوجد بالفعل من يرفضها، ولكن هل هناك أسباب مقبولة لهذا الموقف، أليس من الأفضل أن نقرّب المهارات والخبرات ونأخذ منها ما يفيدنا ويعطيها زخما إضافيا للمضيّ قُدُما؟ بلا شك هذا أفضل، فلمَ الوقوف بالضد، ومن المستفيد؟.

بين الرفض والتأييد

في حين تذهب آراء أخرى الى وجهة نظر مؤيد لعقد مثل هذه الاجتماعات، وإن كانت مخصصة للنخب الفاعلة في الدولة والمجتمع، فالمؤتمرات يجب أن تكون سائدة بين أوساط النخب وغيرهم، كونها تشكل سبيلا لجمع شمل المعنيين من قادة او غيرهم، وذلك لمناقشة الشؤون السياسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية والدينية وكل ما يتعلق بحياة المجتمع، والإشكالات الكثيرة التي تعيق العمل اليومي في هذا المجال او ذاك، وكلما كثرت التجمعات التي تجمع أطياف المجتمع كافة، كلاً ضمن تخصصه وانشغالاته، كلما كانت النتائج الجيدة تصب في صالح المجتمع، على أن يتم توظيف هذه الجهود بصورة دقيقة وفعالة، وأن تتم إدارتها على نحو مدروس ومنظّم بصورة جيدة.

أما مساوئ الوقوف بالضد من استقدام الخبرات، فهي كثيرة، وتؤدي الى إهدار الفرص التي يمكن أن تدفع الجميع نحو فرص التقدم، لأن عدم إقامة المؤتمرات لها نتائج كثيرة غير محمودة، أولها حدوث جفوة كبيرة ودائمة بين أطياف ووجوه المجتمع، ومن ثم ضعف او غياب روح التعاون وتبادل الآراء بشأن طرح الحلول للمشكلات التي يتعرض لها الإنسان في حياته سواء كان فردا او جماعة، لاسيما إذا عرفنا أن النخب في الغالب تمثل مختصر لآراء أعداد كبيرة من أفراد المجتمع، وهي بمثابة ممثل مقبول عنها أو لها.

بطبيعة الحال من يكون له وجهة نظرة مضادة أو مختلف لابد أن تكون له وجهة نظر أو رأي واضح، فهناك من يعلن تذمره بسبب إقامة المؤتمرات ويعدها مضيعة للوقت، وهناك من يرى أنها تكلف خزينة الشعب أموالا طائلة إذا كانت رسمية، إذ يمكن الاستفادة منها في مجالات أهم، وهناك من يرى عدم أهمية الاجتماعات، ذلك لأنها ما أن تعلن انتهاء أعمالها حتى يجف حبرها وتتجول الى حبر على ورق وكلام ينساه الجميع حال مغادرتهم المؤتمر، لاسيما في هذه المرحلة التي كثرت فيها المؤتمرات خارج البلد، مع التمويل بالعملة الصعبة، وعدم إرسال المختصين فيها بسبب خضوعها للحصص الحزبية، فتصبح سفرات سياحية بدلا من اجتماعات مثمرة للعقول المتميزة، هذه هي بعض نقاط الاعتراض على مثل هذه الفعاليات.

أهمية القرارات والنتائج والحلول

قد تصح مثل هذه الملاحظات المذكورة، وربما يتم فرض أشخاص لا علاقة لهم بالأهداف المعلَنة للاجتماع، ولكن نحن نبحث فيما يقدمه الاجتماع المدروس من فوائد مهم للدولة والمجتمع، ولكن يجب القول أن هذه الملاحظات قد يصح منها الكثير، وقد تكون هناك مؤتمرات شكلية لا فائدة منها، وربما تكلف أموالا طائلة دون أن تثمر عن نتائج فعالة، لذا فإن مؤتمرات واجتماعات من هذا النوع غير محبذة ولا مقبولة بطبيعة الحال، ولكن الحل لا يكمن في عدم إقامة هذه الاجتماعات، بل على العكس ينبغي التشجيع على عقدها، مع التأكيد على أهمية القرارات والنتائج والحلول، ومدى القدرة على تطبيقها من خلال واقعيتها وانسجامها مع القدرات المتاحة للمعنيين بالتنفيذ، بعد أن يعود الجميع الى مواجهة الواقع، وإمكانية تطبيق الخبرات والتجارب التي تم اكتسابها.

علما أن هذه السياسة التنموية في تبادل الخبرات، ليست جديدة، فهي أسلوب معروف، قام بتطبيقه العديد من الشخصيات الدولية الشهيرة بسبب النجاحات التي حققتها من مساعيها الفريدة في تناقل الخبرات والمهارات المختلفة، فقد أثبتت تجارب دولية كبرى أهمية عقد المؤتمرات والثمار التي تم قطفها من هذا المنهج الرصين الواعي، وكلنا نتذكر من خلال السمع والقراءة، تلك المؤتمرات الكبرى المثمرة التي كان يعقدها دعاة التحرر إبان فترة الاستقلال للدول التي خضعت تحت نير الاستعمار حقبة طويلة وقاسية.

حيث أفرزت الكثير من النتائج الباهرة التي جاءت كنتيجة لما كانت تبذلك النخب السياسية والثقافية والإعلامية في مواجهة ظلم الاستعمار، ولكن علينا أن نفهم أولا أن مؤتمرات قادة التصحيح والتنوير في العالم، لم تكن شكلية ولا تنطوي على أية أهداف وقتية زائلة، ولا تعقد لصالح أشخاص او لمنافع فردية او فئوية ضيقة الآفاق، بل هناك تخطيط استراتيجي واضح المعالم يهدف إليه المؤتمر ويمضي في ضوئه الى النتائج التي تنتهي الى التطبيق العملي بما يسهم بصورة فعالة ومؤكدة في دفع الدولة والمجتمع الى الأمام.

ومن الأفضل أن نستفيد من التجارب الدولية في هذا المضمار، فهناك اجتماعات قمة لمجموعة نخب دولية تمكنت من حل معضلات هائلة كانت تهدد العالم بأخطارها الوشيكة، تتعلق بالاقتصاد والصناعات والمجاعات والمناخ والحروب المختلفة، وكثير من التعقيدات العالمية والإقليمية التي أسهمت مثل هذه الاجتماعات الدولية والمحلية في إيجاد الحلول اللازمة لها، هذا الطراز من الاجتماعات ينبغي أن ينطوي على ميزتين لا مناص من اعتمادهما أثناء التمهيد والإعداد لأي اجتماعي نخبوي هام، الميزة الأولى: أن لا يكون المؤتمر تقليدي روتيني وأن يعتمد التخطيط في المعالجة وسبل الطرح والنتائج.. أما الميزة الثانية: ينبغي أن لا يجهد الاجتماع النخبوي كاهل الدولة من حيث تكاليف الإقامة والضيافة وما شابه، وأن يتم تقليص الأموال المصروفة الى أدنى حد ممكن، مع التأكيد على تحقيق النتائج الناجحة، فالهدف الأول والأخير ليس قضاء الوقت، ولا إسقاط فرض ما، ولا تبديل الاجتماع الى رحلة سياحية، بل الى نتائج متميزة ومضمونة نقط ثمارها عمليا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1