ولد ارسطو (ابن الطبيب) في مدينة ستاجيرا بمقدونيا سنة 384 قبل الميلاد، ونال تعليمه في اكاديمية افلاطون. وعندما توفي استاذه افلاطون عام 347 قبل الميلاد، عاد المقدوني الى بلده واصبح مدرسا للاسكندر ابن الملك فيليب ملك مقدونيا. كان تلميذه الذي اكتسب لاحقا لقب "الاكبر" محبا لأستاذه ارسطو ونُسب اليه القول "انا مدين لأبي في الحياة لكني مدين لاستاذي في الحياة الجيدة".

بقي ارسطو مع الاسكندر حتى عام 335 قبل الميلاد، حينما اسس اكاديمية خاصة به هي اكاديمية Lyceum في اثينا. مكث في اثينا حتى عام 323 ق.م حيث اجبرته المشاعر المعادية لمقدونيا على الرحيل. "انا لا اسمح للاثنيين ارتكاب الإثم مرتين ضد الفلسفة" مشيرا الى إعدام سقراط، بعدها هرب ارسطو الى جزيرة chaicis ثم مات بعد سنة في عام 322 ق.م

ان قراءة أرسطو أسهل مما يتصورها البعض، حتى اولئك غير القادرين على قرائته باليونانية الاصلية سيغمرهم الحماس ويكونوا اكثر انجذابا له. الشيء الملفت حول سياسة ارسطو، هو الطريقة التي حمل بها هذا الرجل معرفته الواسعة الى محاضراته. كان ارسطو يجذب انتباه مشاهديه بالقصص الممتعة. لم تصل الينا اية رسائل خاصة بارسطو، بل كل ما تبقى له هو محاضراته التي كان يلقيها لطلابه.

ارسطو والسياسة التقدمية

الشيء الاكثر اهمية في فلسفة ارسطو السياسية هو المدى الذي بلغته تلك الفلسفة من حداثة وتقدمية. دراساته تتحدث عبر العصور وتستطيع إلهام الناس بعد اكثر من 2200 عام. لم يكن ارسطو مجرد فيلسوف كتب عن المؤسسات والدساتير المثالية آنذاك، وانما تنبّأ بها كما تبدو في صورتها اليوم. معظم القضايا التي عالجها ارسطو هي قضايا تهمنا حاليا: الارهاب، اللامساواة، اخطار الجشع المفرط للطبقة الصغيرة الثرية، كما ان الحلول والتحليلات التي عرضها كانت ملائمة لزماننا.

من المدهش كيف ان علم ارسطو بالحكومة كان مرتكزا على مُثل جرى التعبير عنها من جانب نشطاء اليسار في الغرب اليوم. فمثلا، الرجل الذي علّم الملك لم يكن صديقا للقوي والثري، وانما كان مؤسسا لعلم سياسي اعلن فيه بجرأة ان "رجل الدولة الديمقراطي الحقيقي يجب ان يدرس الكيفية التي يتم بها حماية الناس العاديين من الفقر الشديد"(السياسة، 132a). ذلك جعله طموحا لليسار الحديث الذي وضع المساواة والعدالة الاجتماعية في قلب الصراع السياسي.

كان ارسطو ديمقراطيا اجتماعيا قبل الفي سنة من تأسيس هذه العقيدة الاقتصادية. هو أصر بان "المعايير يجب ان توضع بطريقة تؤدي الى تقدم دائم للجميع"، وكما في سياسي يسار الوسط اليوم، هو كان يرغب بإعادة توزيع الثروة على اساس ان هذا سيكون افضل للدولة والامة ككل. هو اوضح ايضا كيف يتم هذا: "الطريق الأنسب كما كتب هو "ان تُجمع كل العائدات النقدية في صندوق وتقوم الدولة بتوزيعه دفعة واحدة". في الحقيقة هو اقترح كيف ان المحتاجين يجب "ان يُجهزوا برأس مال ليبدأوا الاعمال" (132a).

هذه الافكار ليست بعيدة عن متبنيات الاتجاه الديمقراطي الاجتماعي والليبرالي اليوم. وكما في التقدميين من يسار الوسط اليوم هو كان مقتنعا بقوة بان اعادة التوزيع وتدخّل الدولة لا ينفع فقط الفقراء وانما هو "مفيد للاثرياء ايضا". لم يكن ارسطو معارضا للأعمال بل كان واضحا بالقول "ان النقود تأتي للوجود بهدف التبادل" وليست غاية في ذاتها. هو ميز بين oikonomia "فن ادارة المنزل" و kremastike"فن الثراء". شكوكه حول المصلحة الذاتية المفرطة انعكست في وصفاته السياسية: "اول الخدمات الضرورية للدولة التي لا غنى عنها هي "رعاية او حراسة السوق"، هو يشير هنا الى اخطار تقليص سلطات الدولة.

لا حاجة للمرء قراءة كتاب توماس بكتي (راس المال في القرن الواحد والعشرين) او قراءة عمود كروغمان في ذي نيويورك تايمز اذا كان بإمكانه قراءة السياسة politika لارسطو. ارسطو يجب ان يكون ملهما ليسار الوسط اليوم لأنه اقام تفكيره السياسي على اساس متين من الاخلاق والخوف على اصحاب الموارد القليلة. في الحقيقة، هذا الاساس الفلسفي جعل ارسطو متفوقا على العديد من مفكري الحاضر. اليوم يلجأ السياسيون الى المنفعة والمصلحة الذاتية. بالنسبة لارسطو كان عكس ذلك، "البحث عن المنفعة في كل مكان لايتناسب مع الانسان الحر"(1338ب).

بدلا من ذلك، يجب على علم السياسة ان يرتكز على الاعتراف بان "الحياة الجيدة هي الهدف الرئيسي للمجتمع"(1278ب). ولذلك كتب ارسطو بان "مهمة صانع القوانين هي خلق المجتمع الجيد". وكان ارسطو قد اشار الى ان السياسة هي امتداد للاخلاق "التشريعات هي ما يجب ان نقوم به وما يجب الامتناع عنه، ان غاية علم السياسة يجب ان تكون الخير للانسان". وبكلمة اخرى، نحن لدينا سياسة، ونحن نعلّم الفلسفة السياسية لأننا نريد خلق السعادة الحقيقية او eudaimonia لتحقيق الحالة التي تكون فيها" افعالنا منسجمة مع الفضيلة ومع توفير كامل الحاجيات في حياة تامة (Nicomachean Ethics,1101a).

السياسة ليست فقط حول المصلحة الذاتية وزيادة القوة والسمعة، انها حول الاعتراف بان "الدولة هي من حيث الجوهر جالية". وفي كلام واضح "الدولة ليست مجرد المشاركة في محلية عامة بهدف منع الاضرار المتبادلة وتحقيق تبادل السلع". يعترف ارسطو ان انظمة التبادل والمسائل المالية "هي شروط مسبقة ضرورية لوجود الدولة. لكن حتى لو توفرت كل هذه الشروط، فهي لن تصنع الدولة. لأن الدولة هي شراكة من العائلات والجماعات يعيشون جيدا وهدفها حياة تامة مستقلة".(1280ب).

ارسطو والعنف السياسي

بالطبع، ليس كل افكار ارسطو ناجحة دائما، آراؤه حول العبودية والمرأة هي بالذات مثيرة للجدل. لكن هذا لا يعني اننا نضع فلسفته جانبا. فهناك القليل من المسيحيين يؤمنون تماما بالانجيل سواء العهد القديم او الجديد، ومعظم الدارونيين المحدثين الجدد لا يوافقون مع اجزاء من أصل الانواع.

وللغرابة ان أكثر فلاسفة السياسة البارزين كانوا ذوي بُعد واحد او بُعدين. توماس هوبز ركز خصيصا على السلام والأمن، جون لوك كان مهتما بالملكية والحرية. كارل ماركس ركز تفكيره على مهاجمة النظام الاقتصادي غير العادل. بالمقابل، ارسطو، كان حتى اكثر من افلاطون، مفكرا سياسيا عالج جميع القضايا الكبرى: التعليم، العدالة، الديمقراطية، المساواة، الحرب، السلام، الاضطراب الاجتماعي.

ما يميز نقاشاتنا السياسية الحالية هو العنف السياسي، والثورات والارهاب. هذه القضايا جرت مناقشتها بحرارة ايام ارسطو. من الجدير بالذكر انه وصل الى نفس الاستنتاجات التي توصل اليها علماء السياسة اليوم. اذا كان علماء السياسة اليوم وجدوا ان الارهاب ينشأ بسبب الحرمان، كذلك ارسطو اعترف بان فقدان النفوذ السياسي يخلق الغضب والتمرد والعنف. مما جاء في كتاباته "الناس... يلجأون الى الثورات عندما لا يُسمح لهم بتقاسم النفوذ وعندما يُعاملون بلاعدالة وفجاجة"(1316ب ) و"الناس الغاضبون يهاجمون حبا بالانتقام وليس لأجل الطموح"، ارسطو اثار السؤال البليغ "كيف بامكان الافراد الذين لا يشتركون في الحكومة ان يكونوا طيبين تجاه الدستور؟"(1268ب).

بالطبع الجواب بالنفي. لذا، كان ارسطو مؤمنا اساسا ان الناس المُهمشين المُستبعدين من النفوذ السياسي يلجأون بالنهاية الى العنف. ميكافيلي (1470- 1527) لاحقا كان صدى لأرسطو حين اكّد "من الضروري ان تكون لدى الجمهورية قوانين تمكّن الجماهير من التنفيس عن الغضب الذي تشعر به". لأنه عندما لاتوجد مثل هذه الآلية، "فان طرقا قانونية اضافية سوف تُستخدم وهذه بدون شك ستكون لها نتائج اكثر سوءاً "(Discoursi, 1531,p.102).

لكي تتم المحافظة على النظام السياسي السلمي، يعتقد ارسطو انه من الضروري اشراك جميع المواطنين، لأن سبب استمرار النظام هو، لأن اولئك الذين في الحكم "يعاملون من هم خارج المؤسسات بشكل جيد" وهم يقومون بذلك "عبر جلب قادتهم الى المؤسسات"(1308a). ربما يبدو هذا مثاليا وسطحيا. انما ليس كذلك. دراسة حديثة لأبرز علماء السياسة، Arend Lijphart وجدت ان اكثر الدول الديمقراطية التي تشرك اقلياتها الاثنية في عملية صنع القرار كان احتمال ممارسة هجمات ارهابية خطيرة فيها اقل بست مرات قياسا بالدول غير الديمقراطية(نماذج الديمقراطية، 2012، ص 270).

ان منطق المفكر القديم كان واضحا : المزيد من المشاركة الديمقراطية تقود الى القليل من اللامساواة وادنى مستوى من العنف. من الصعب التقليل من القيمة التقدمية لهذه الرؤية خاصة عند مقارنتها مع السياسات العامة اليوم. لو نظرنا في الخمس عشرة سنة الماضية، في عدة دول نجد السياسة المتبعة تميزت بزيادة المراقبة (في بريطانيا على شكل قانون سلطة التحقيق وحفظ البيانات لعام 2014) وتفضيل التعامل مع الارهاب والعنف عبر الاعمال العسكرية. لم تكن هناك اي نتيجة هامة لتلك السياسات. لو استعملنا الارقام من مؤشر الارهاب العالمي لمعهد الاقتصاد والسلام، ونستبعد منه سوريا ونيجيريا فان العالم شهد زيادة في الهجمات الارهابية بنسبة 80%. ولو أدخلنا ضمن الارقام هاتين الدولتين ستكون الزيادة سبعة اضعاف.

حين يكون الرد المفضل على العنف السياسي هو الانتقام، وتشديد الرقابة من جانب البوليس وشن "الحرب على الارهاب"، فان الامر يستحق النظر في خط التفكير الارسطي، "الناس يهاجمون تحت تأثير الغضب والتهور"(1315a). في الحقيقة، لم يمتنع الارهابيون عن ممارسة العنف بعد اعتماد تلك السياسات كما اشارت الاحصاءات السابقة. عظمة ارسطو تأتي من اعترافه بان مشاركة المواطن ومنحه النفوذ السياسي هو الذي يمنع موجات العنف الاجتماعي والانقسام السياسي وليس القوة. وذلك مؤشر على اتجاه ارسطو التجريبي واعتماده على البرهان في ادّعاء الحقائق الواقعية.

ارسطو والديمقراطية الدستورية

كان ارسطو تجريبيا دائما، جمع كل شيء بدءا من العينات الحيوانية وحتى الحقائق السياسية: هو كتب تعليقات على ما يقارب 170 دستورا قديما. لسوء الحظ بقي فقط واحدا من هذه الدساتير وهو دستور اثينا الذي اكتُشف في الاقصر في آعالي مصر عام 1879.

من غير المدهش ان نجد ارسطو المتحمس لمعرفة الحقائق وضع برهانه الرئيسي للتأثير النافع لما سماه "الطبيعة الديمقراطية" مستندا في ذلك على دراساته التجريبية وبالذات التحليلات المقارنة لدولة قرطاج الديمقراطية. كتب ارسطو بان البرهان على ان "دستورها منظم جيدا هو ان جماهيرها يرغبون بالبقاء مخلصين للنظام السياسي ولم يحصل فيها باي مقدار لا انقسام اهلي ولا استبداد"(1272ب). نجاح قرطاج في تجنب الثورات وما نسميه اليوم الارهاب كان ناتجا حسب قوله من دستورها المتوازن الذي اختير فيه برلمانها المؤلف من 104 عضوا "من كل الطبقات" و"حسب الجدارة". كذلك، في هذا النظام الديمقراطي الملفت جرت موازنة النواب المنتخبين بـ "الكبار" الذين يختارهم الشعب وبرئيس الحكومة باعتباره أعلى سلطة منتخبة"(1272ب).

ومع ان ارسطو حذّر من ان يتحول الحكم بالشعب الى حكم الغوغاء، هو ذكر دائما "انه من مصلحة النظام الديمقراطي لجميع المواطنين ان ينتخبوا القضاة واستدعائهم للمسائلة". في الحقيقة، هو تحدث عن "موافقة المحكوم"(1318ب) وهو الخط الفكري الذي استنسخه لاحقا توماس جيفرسون في اعلان الاستقلال الامريكي.

نموذج ارسطو في الدستور كان قد اتّسم بالارستقراطية المنتخبة لكنها ارستقراطية مرتكزة على التعقل غير العادي والذكاء وليس على الثروة. ولكن حتى في ظل هذا النظام من الحكومة، يبقى للناس الكثير من القول قياسا بمعظم الانظمة ذات الديمقراطية غير المباشرة: في الدولة المثالية لارسطو "عندما يعرض الملوك مشروعا امام الجمعية العامة، فهم لايجعلون الناس مجرد جالسين ومستمعين للقرارات التي اُتخذت سلفا من جانب حكامهم، وانما يمتلك الناس قرارات سيادية"(1278a).

لماذا يضع ارسطو بممارسته الذكية هذه كل الايمان في الناس العاديين؟ لماذا يثق ارسطو بهم في عمل القرارات الجيدة؟ هو اعترف بان بعض الناس اكثر ذكاءا من غيرهم، ولكن اعترف ايضا ان العديد من الافراد الذي يتشاورون مع بعضهم ستكون لديهم معرفة جمعية اكبر مما لدى اكثر الناس حكمة. لتوضيح ذلك نقتبس منه التالي:

"حينما يأتي عدد من الناس مجتمعين سيكون ذلك أفضل ليس انفراديا وانما جمعيا، تماما كما في وجبة العشاء العامة التي يساهم بها الكثير من الناس تكون افضل من العشاء الذي يأتي على حساب وكلفة شخص واحد. حينما يكون هناك عدة افراد، فان كل فرد ستكون لديه جزء من الفضيلة والحكمة، وعندما يأتون مجتمعين، تماما مثلما يصبح حشد من الناس بهيئة رجل واحد بعدة اقدام وعدة احاسيس، كذلك يصبح ايضا شخصية واحدة فيما يتعلق بالأخلاق والملكات الفكرية"(1281ب).

ومن هنا هو استنتج "سبب افضلية الجمهور العام في الحكم"، لأن "مختلف الناس يمكنهم الحكم على جزء مختلف". ولهذا السبب "من الضروري للجميع ان يشاركوا في الحكم وفي كونهم محكومين"(1332ب).

من الصعب ان نجد حالة دقيقة وموجزة للديمقراطية اكثر من الصيغة الارسطية. نفس الاتجاه عبّر عنه العالم الايطالي marsilius of padua (1275-1343). "القوانين التي كُتبت للإيطاليين عام 1324" يجب ان توضع امام هيئة من المواطنين لغرض الموافقة او الرفض... لأن المواطن الاقل تعليما يستطيع احيانا تصوّر شيء ما يجب تصحيحه بشأن القوانين المقترحة حتى عندما لا يعرف اساسا كيفية اكتشاف القانون"(المدافع عن السلام، ص 80). لكننا يجب ان نتذكر ان هذا المفكر، ومثله ميكافيلي، جاءا قريبين جدا من تعاليم ارسطو وسارا على خطى كتاباته. كلا الرجلين تعلما من الاستاذ المقدوني وهو ما يجب ان نتعلمهُ نحن اليوم.

خاطب ارسطو الناس عبر العصور، كتاباته كانت برهانا بان فلسفة الأساتذة القدماء هي ليست مجرد اثرا تاريخيا وانما هي مرشد غير مقيد بزمان. ارسطو الديمقراطي والمدافع عن العدالة الاجتماعية، والمعارض للدولة السلطوية يجب ان يكون في اول قائمة القراءات لكل من يساند التقدمية والثورية.

Philosophy Now oct/Nov 2016*

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1