لماذا تستهدف الوزارات السيادية في الاستجواب؟، هل هذا التوقيت مناسب لإثارة ملفات شبهات فساد وبدأ البرلمان ربيعه المفاجئ؟، ألم تستطع جبهة الإصلاح، إنتظار حسم معركة الوجود؟، من يقف خلف جلسات الاستجواب البرلماني، ومن المستفيد؟، هل سينجح الإصلاحيون في اقالة جميع الوزراء ام انهم يستهدفون جهة معينة؟.

تستمر حلقات مسلسل المزايدات الوطنية التي تعرضها وسائل اعلام محلية وعالمية من خلال بث وقائع جلسات استجواب لوزراء عراقيين من قبل بعض النواب في مجلس النواب العراقي، فقد انطوت جلستين سابقتين لوزيري الدفاع والمالية على مفاجآت لا تحتويها مشاهد افلام هوليود الأكثر اثارة.

فبعد ان اتهم الجميع بالسرقة اختلفوا على قسمتها، وزعم الجميع برائتهم من الفساد، واتفقوا على نقل الصراع إلى ميدان القضاء، في كلمة حق يراد بها باطل، فالمتخاصمون خلال السنوات الاخيرة يحاولون رمي كرة النار في ساحة المحاكم للتخلص من المسؤولية الاخلاقية أمام الناخبين.

منع التعسف

اكد الخبير القانون طارق حرب ان الدستور منع كل اشكال التعسف باستجواب الوزراء في البرلمان لذا فان الاستجواب يجب ان يبتعد عن الاكراه الفكري والسياسي نحو ما قرر الدستور.

وقال حرب في بيان صدر عن مكتبه "ان البرلمان قرر في الاسبوع الاخير من شهر تموز 2016 اجراء استجواب لبعض الوزراء، مشيرا الى "ان الاستجواب اتهام برلماني يصدر من النواب ضد المستجوب وهو يماثل الاتهام القضائي الذي يصدر من المحكمة الجزائية وقد يترتب على الاستجواب البرلماني سحب الثقة من الوزير وبالتالي انهاء صفته الوزارية شأنه شأن الاتهام القضائي الذي قد يترتب عليه الحكم بعقوبة من المحكمة، اي قد يترتب على الاتهام البرلماني والاتهام الجزائي عقوبة، لافتا الى "ان جميع الاستجوابات البرلمانية السابقة لم تسحب الثقة من المستجوب وبالتالي لم تنه صفته الحكومية".

واوضح "ان هناك شروطا يجب ان تتوفر في الاستجواب من احكام دستورية وقانونية، منها ان لا يكون هنالك تعسف في الاستجواب، حيث ان المادة (29/ رابعا) من الدستور منعت كل اشكال التعسف وبالتالي لا بد ان يكون الاستجواب البرلماني بعيدا عن التعسف في استعمال حق الاستجواب، كما ان المادة السابعة من القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 حددت استعمال الحق، كالحق في الاستجواب الذي حددته المادة السابعة من هذا القانون ان لا يقصد به الاضرار بالغير اي الاضرار بالشخصية التي يتم استجوابها كالاضرار بوزير من وزراء الوزارات السيادية، وان لا تكون المصالح التي يرمي استعمال حق الاستجواب الى تحقيقها قليلة ونتيجة ما يمكن تحقيقه من استجوابه ويجب ان يكون استعمال حق الاستجواب يستهدف تحقيق مصالح مشروعة اما المصالح غير المشروعة في الاستجواب فهي شكل من اشكال التعسف التي رفضها الدستور".

تداعيات الاستجواب

ستكون لإقالة العبيدي وزيباري تداعيات كبيرة على العلاقات السياسية الثنائية بين الكتل المتحالفة داخل اروقة مجلس النواب العراقي، فمن تداعيات مسلسل الاستجواب إنقسام التحالف الوطني بين مؤيد ومعارض لسحب الثقة للمستجوب مما يؤدي الى أن تتجه الكتلة الاكبر داخل التحالف الوطني واقصد دولة القانون الراعية لجلسات الاستجواب الاخيرة في إتجاه سحب الثقة، وهذا ماسبب إنفراط عقد التحالف التاريخي بين الكردستاني والتحالف الوطني بشكله السابق في جلسة استجواب وزير المالية.

أما من جانب تحالف أو إتحاد القوى فالأمر ذاته إنقسمت قواه بين مؤيد ومعارض لسحب الثقة مما إدى بالجهة المعارضة الى ان تصدر بيانا تعتبر فيه إن سحب الثقة في جلسة استجواب وزير الدفاع جاء نتيجة إستجواب سياسي ومن تداعياته إنه سيؤدي لإسقاط حكومة العبادي.

لقد تجلت البراغماتية السياسية خلال جلستي الاستجواب الاخيرتين بأبهى صورها في عملية سحب الثقة من العبيدي وزيباري بين قوى كانت متنافرة وبعيدة وبين قوى كانت قريبة ومتحالفة مع بعضها قوميا ومذهبيا وبما ان السياسة هي فن الممكن فقد نجح التحالف الجديد في إسقاط إحدى إيقونات حكومة العبادي.

خلافات داخلية

كان اتحاد القوى او العرب السنة سبباً في الاطاحة بوزير الدفاع العبيدي في تشتتهم وانشقاقهم , لعبت الخلافات داخل البيت الكردي ذات المسببات ان لم نقل كانت العامل الابرز, فالخلافات الكبيرة والقطيعة المستمرة بين الاتحاد الكردستاني والتغيير من جهة والحزب الديمقراطي برئاسة مسعود البارزاني من جهة اخرى, ومع الاتحاد وكتلة التغيير والتحالف الوطني وخاصة دولة القانون المعروفة خلافاتها مع رئاسة الاقليم وكذلك إتهامها بانها وراء تحريك جبهة الاصلاح, كل ذلك كان واضحاً في عدم تمسك الاكراد بالدفاع عن هوشيار الذي يبدو هو الاخر راح ضحية الخلافات الكردية - الكردية التي يبدو ان 28 نائباً وهم يمثلون الاتحاد والتغيير هم مع سحب الثقة وهنا تخلخل البيت الكردي تماماً, من جهة اخرى فإن اقالة وزير الدفاع العبيدي كانت دافعاً مهماً وقوياً امام استمرار النواب في ممارسة عمليات الاستجواب او كما يتهمون بالتسقيط الشخصي والانتقام من الشركاء الذين يختلفون معهم, واخرون ذهبوا الى ابعد من ذلك في اتهامهم بمحاولتهم اسقاط العملية السياسية وبالتالي تضاف وزارة المالية الى الوزارت الشاغرة وقد تكون تنبؤاتهم اصبحت واقع حال.

تصادم الفرقاء

المتابع لعمليات الاستجواب، سيجد هناك أتجاه واحد مقصود داخل مجلس النواب، وهناك جهة تحرك هذه القضايا، بما يخدم مصلحتها. أنشقاق دولة القانون، جناح العبادي وجناح المالكي، يقابله أنشقاقات وخلافات بين الحزب الإسلامي بقيادة سليم الجبوري ومتحدون بقيادة أسامة النجيفي التي ينحدر منها وزير الدفاع.. وتصادم الفرقاء المتخاصمين بأساليب تسقيطية، اتاح للجناح المتهم باستلام التوجيهات من المالكي اللعب على هذا الوتر.

تحدي القضاء

رغم أن البعض يظن الغرض من التلويح بالذهاب إلى المحاكم هو لإثبات حقيقة الاتهامات لكنّ الوقائع تشيّر خلاف ذلك. الاعلان عن اللجوء إلى القضاء وبحسب وجهة نظر هؤلاء هو وسيلة لأخذ قسط من الراحة والانتقال إلى مرحلة اخرى من المساومات؛ لأن الطبيعة القانونية للدعاوى التي تتعلق بالفساد في العراق تقتضي وجود مشتكي أو مخبر عن الجريمة، وهي التي جرى الحديث عنها في مجلس النواب خلال الجلسة. اغلب هذه القضايا يجري تسويتها بعيداً عن المحاكم عن طريق (الترضية المشبوهة)، في حين يتعهد صاحب الادعاء بالفساد بعدم اللجوء إلى القضاء، أو أنه يمتنع عن تقديم الادلة الكافية التي تدين المتهم، وما على القاضي إلا أن يحكم في ضوء ما تقدم له من ادلة وقدّ يكون قراره بغلق الدعوى، وفق ما ورد في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ولعل السؤالين اللذين يجب طرحهما هنا وننتظر الاجابة عنهما اذا تحول الكلام إلى اقوال يدلي بها صاحب الادعاء إلى المحكمة: هل ستبقى ذات الادعاءات التي تطرق اليها المشتكي امام الشعب العراقي عبر وسائل الاعلام، أم يتراجع عنها بمجرد وقوفه محلفاً امام القضاء، وهل سيقدم الادلة الكافية التي تعزّز اقواله؟ بحسب معلوماتي فأن محاكم النزاهة تشبعت بمثل هكذا سيناريوهات؛ لأنها تكتشف في ما بعد أن الواقع يختلف كثيراً عن الحماس الذي يبديه النائب أو المسؤول التنفيذي امام الكاميرات، بعد أن يجري طمس الادلة (أن وجدت)، باتفاقات بين المتخاصمين في الغرف المظلمة.

بعد جلسة إستجواب وزير الدفاع خالد العبيدي، مجلس النواب العراقي منقسم بشكل واضح، ونظرية (عليَّ وعلى أعدائي) من الممكن إيداعها بدائرة الصدق والتصديق، لتأتي بعدها جلسة استجواب وزير المالية هوشيار زيباري التي حملت الكثير من الغموض، والتلويح في قادم الإيام لإستجواب عدد من الوزراء وعلى رأسهم رئيس مجلس الوزراء هي الفيصل والحكم على استمرار هذه الحكومة ام ادارتها بالوكالة، الامر الذي شكل على الإستجوابين الاخيريين الفوضى الخلاقة التي تبعتهما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0