في تاريخنا الاسلامي اقترن الجهاد، كمفهوم وفريضة عبادية، بحمل السلاح وخوض المعارك، ومن يُقال له "مجاهد"، بالضرورة هو "مقاتل"، بيد أن نظرة سريعة على الآيات الكريمة التي ورد فيها الجهاد بألفاظ متعددة، يبين لنا خلاف ذلك، ففي معظم الموارد، اقترن الجهاد بالأنفس، كناية عن القتال في سوح المعارك والتضحية والشهادة، مع الجهاد بالأموال، بمعنى أن القضية ليست مهنة يتخصص فيها أفراد في المجتمع، كما يوجد في بعض البلاد مقاتلين محترفين تستفيد منهم الجيوش لعمليات عسكرية خاصة، إنما هي حالة تفاعلية – إن جاز التعبير- في المجتمع تعمّ الجميع، من الصغير الى الكبير، ويشمل المرأة والرجل والفقير والغني.

هذه الحالة التفاعلية هي التي صنعت لنا الحضارة الشامخة في صدر الاسلام، فالجهاد لم يكن في سوح المعارك، إنما كان يشمل ابعاداً انسانية ايضاً، فهو يشمل النفس الانسانية، فيكون الانسان مجاهداً لنفسه، وقد سمّى النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، هذا النوع من الجهاد بـ"الجهاد الاكبر"، كما يشمل الأسرة ويحقق الدفء للعلاقات الزوجية، عندما تكون المرأة مجاهدة "بحسن تبعّلها" ومعاشرتها لزوجها على قاعدة الاخلاق والآداب.

ولمن يلاحظ المشهد الاجتماعي في العراق اليوم، في ضوء الحرب الدائرة ضد "الإرهاب" المتمثل بتنظيم "داعش"، يجد ثمة اقتراب الى التطابق مع التجربة الاسلامية الاولى في فريضة الجهاد، فقد شارك الشاب الصغير والشيخ الكبير والعالم والمتعلم، فيما وقفت المرأة مواقف مشرفة في هذه المعركة بصبرها ودعمها المعنوي والمادي، ولولا هذه الهبة الجماهيرية الصاعقة والانفجارية التي داهمت الكثير في العالم، وايضاً الاعداء، لما استعاد العراق كرامته ومكانته بين محيطه الاقليمي والدولي، فخلال عشر سنوات يتدحرج في مهاوي الفشل السياسي والاقتصادي والامني، وكاد أن يفقد ثقة العالم بأنه دولة ذات سيادة ومنعة أمام التحديات الخارجية.

هذا النجاح يمكن ان يستمر وينمو ثم يثمر عن نتائج باهرة على الاصعدة كافة، ويتجلّى على ارض الواقع عندما تستمر الشمولية للجهاد في المجتمع، ولا يشعر أي فرد أنه خارج المعادلة مهما كانت الاسباب، فالشاب الجامعي والتاجر وأصحاب المهن والحرف المختلفة وغيرهم، يمثلون القاعدة الاساس لنجاح الجهاد في تحقيق اهدافه، وهذا لن يكون إلا بمزيد من التوجه والتعبئة من لدن الجهات المعنية.

ونحن بذلك لن نأتي بجديد، وطالما صدرت دعوات للاهتمام بالقاعدة الاجتماعية لأي مشروع جهادي لمواجهات التحديات الخارجية، ويأتي في طليعة هؤلاء؛ سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- في عديد مؤلفاته وأحاديثه، منها ما جاء في الكتاب الجديد تحت عنوان "الجهاد حصن الامة وكرامة المستقبل"، وأكد بأن الخطأ الفادح في تجاهل أي فرد بالمجتمع في حالة نشوب صراع بين جبهة الحق والباطل، فالجميع مؤثرون بشكل او بآخر، حتى الشخص البسيط بامكانه انقاذ مجاهد، وفي نفس الوقت قتله! بل والتسبب في هزيمة جيش بأكمله.

بيد أن ثمة مخاوف من الالتفاف على هذه القاعدة او تجاهلها والتقليل من شأنها والعمل على تغليب الادوات السياسية على أنها الاكثر فاعلية وسرعة في التأثير على مجريات الاحداث، مثل التحالفات والصفقات خلف الابواب المغلقة، وهذا ما يهدد ساحة الجهاد التي انطلق اليها ابناء العراق وسطّر ملامح بطولية أمام العالم والحق الهزائم المنكرة بقوات "داعش" مع ما لديها من تنظيم وقوة تعبئة للقتال حتى الموت، فبدلاً من أن تكون الاولوية في الاهتمام والرعاية الى هؤلاء الابطال ومن يقف خلفهم من زوجاتهم وأبنائهم وأسرهم، نلاحظ الاهتمام منصبّ بشكل كبير على كيفية تحقيق التوازن بين القوى المتنازعة على الغنائم في مرحلة ما بعد داعش في العراق.

وبغض النظر عن الاستحقاقات السياسية على خارطة الصراع وتقاطع المصالح وغير ذلك، بيد أن الذي يهمنا استثمار التجربة وأن "العبرة بالنتائج"، فالتعامل السياسي، له جدوائية في أمور الدولة والمجتمع لمرحلة معينة، وبما أن لغة السياسة خاضعة لمتغيرات الظروف، فانها لن يكن بوسعها استيعاب مفهوم كبير ذو أبعاد واسعة مثل "الجهاد"، وما له من مدخلية في مشاريع الإصلاح والتنمية والتغيير في مختلف جوانب الحياة، فالجهاد في الوقت الحاضر، بامكانه ان يكون في البناء والإعمار، وفي التعليم وإحداث نهضة شاملة في مجال التربية والتعليم، الى جانب تحفيز الفضائل والخصال الحميدة في النفوس بما يؤهل الناس لتحقيق النجاح في سائر ميادين الجهاد الاخرى.

أما أن ينحسر الجهاد في ساحة المعركة وتقتصر الرؤية على تحرير هذه القرية او تلك المدينة، وتحقيق بعض الانتصارات العسكرية وما يعدها البعض بامتيازات سياسية تفيد للداخل والخارج، فاننا نكون كمن حفر حفرة كبيرة وسط طريق طويل تضيع فيها الجهود والتضحيات، وفرص للاستفادة من كل هذا التوثب والتفاعل الجماهيري لانطلاقة جديدة للعراق لصنع حاضر مختلف ومستقبل واعد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0