لم يعد خافيا ذلك الدور الذي تلعبه القوات الامريكية في العراق تحت عناوين عديدة وبهدف واحد هو تثبيت عدد من القواعد العسكرية في البلاد خاصة في المناطق الشمالية والغربية لتحقق نوعا من التوازن مع شبه السيطرة الايرانية على المناطق الجنوبية والوسطى والتي استفادت من الروابط الدينية المشتركة ما افضى الى مزيد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

ما يفرق الولايات المتحدة وايران كثير وغير قابل للعد، لكن ما يجمعهما في العراق هو الحرب ضد داعش والتي وفرت الغطاء الذي يمكن لهما التدخل من دون ان يعترض عليهما احد وربما الظهور بصفة المنقذ ليستفيد البلدين من الملف العراقي في تعزيز نفوذهما في منطقة الشرق الاوسط الحافلة بالأزمات السياسية والامنية.

التحالف الدولي ضد داعش في سوريا والعراق اعلن الخميس (9 ايلول 2016) ان الولايات المتحدة نشرت في العراق في الايام الاخيرة اكثر من 400 عسكري اضافي، وذلك بينما تستعد القوات العراقية لشن هجوم واسع النطاق لتحرير الموصل من قبضة تنظيم داعش، وقال المتحدث باسم التحالف الكولونيل جون دوريان ان عدد العسكريين الاميركيين في العراق ارتفع في غضون اسبوع من حوالى اربعة آلاف الى 4460 عسكريا، من دون ان يوضح مهمة هذه التعزيزات التي تمت الموافقة عليها في وقت سابق من العام الجاري.

وتأتي هذه التعزيزات في الوقت الذي تستعد فيه القوات العراقية لشن حملة عسكرية لاستعادة الموصل، ثاني كبرى مدن البلاد، من قبضة التنظيم الارهابي، والثلاثاء توقع قائد القوات الاميركية في الشرق الاوسط الجنرال جو فوتيل ان تتمكن القوات العراقية المدعومة من التحالف الدولي من استعادة الموصل من تنظيم داعش بنهاية العام الحالي، ووصف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحة التنظيم المتطرف في العراق وسوريا خلال العامين الماضيين، المعركة المرتقبة لاستعادة الموصل بانها ستكون حاسمة ضد الارهابيين في العراق.

والموصل هي ثاني كبرى مدن العراق والمعقل الاساسي لتنظيم داعش في هذا البلد، وبحسب الكولونيل دوريان فان عدد مقاتلي التنظيم الموجودين حاليا في الموصل يتراوح بين ثلاثة الاف واربعة الاف ارهابي.

وبدأت قوات الامن العراقية بدعم من التحالف عمليات في محيط الموصل تمكنت خلالها من السيطرة على قرى وبلدات ومنشآت، وتراجعت المساحات التي يسيطر عليها تنظيم داعش في العراق ولم يبق بيده سوى محافظة نينوى وعاصمتها الموصل، اضافة الى بعض مناطق محافظة الانبار.

على صعيد اخر اعتبر مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الاميركي "اف بي آي" جيمس كومي الخميس ان تنظيم داعش سيظل مصدر التهديد الارهابي "المهيمن" على الولايات المتحدة حتى بعد ان تزول "دولة الخلافة" التي اعلن الارهابيون اقامتها في العراق وسوريا، وخلال مؤتمر حول الاستخبارات عقد في واشنطن شدد كومي ايضا على ضرورة تعزيز التعاون الدولي لمراقبة المقاتلين السابقين في صفوف الارهابيين.

وقال مدير الشرطة الفدرالية الاميركية ان التنظيم الارهابي سيتم "سحقه" في سوريا والعراق ولكن "مئات القتلة المتمرسين الذين لن يموتوا في ميدان القتال" سينتقلون الى اماكن اخرى في محاولة منهم "لنقل المعركة" الى تلك الاماكن، واضاف "اعتقد ان التهديد الذي سيكون مهيمنا خلال السنوات الخمس المقبلة بالنسبة للأف بي آي سيكون تداعيات سحق دولة الخلافة".

واعرب المسؤول الاميركي عن امله في ان يتم تعزيز التعاون بين اجهزة الاستخبارات في العالم اجمع في ما خص تبادل المعلومات المتعلقة بمراقبة الارهابيين العائدين من ميادين القتال في سوريا والعراق. واضاف ان "مساعدة شركائنا الاوروبيين على تشاطر المعلومات في ما بينهم ومعنا هو امر يرتدي اهمية قصوى". وجدد كومي ابداء اسفه لإصرار كبرى شركات الانترنت على تطوير ادوات تشفير يصعب اختراقها الامر الذي جعل مراقبة الارهابيين الكترونيا امرا مستحيلا.

وقال "نحن في ظلام دامس، لا يمكننا ان نرى هؤلاء الناس والطريقة التي يتواصلون بواسطتها"، مشددا على ان الاف بي اي مضطرة لان تعزز مواردها البشرية من اجل تعويض هذا النقص في وسائل التنصت.

مهام ميدانية

وتقول واشنطن إن تركيز جنودها في العراق ينصب على التدريب والمشورة وتجهيز القوات المحلية والجيش العراقي والشرطة وقوات البشمركة ومسلحي العشائر السنية الذين يقاتلون داعش وإن العسكريين الأمريكيين لا يباشرون دورا قتاليا، وانتشر المستشارون الأمريكيون وغيرهم من دول التحالف الدولي الذي يقاتل داعش في قواعد عسكرية قليلة لكن مع تقدم الحملة وتحول التركيز إلى الموصل اقترب الأمريكيون أكثر من مواقع القتال.

ورغم أن المستشارين العسكريين والجنود الذين يحمونهم لا يضطلعون بمهام قتالية فإن الظروف أثرت في بعض الأحيان على أدوارهم ودفعتهم للاشتباك مع الدولة الإسلامية. ولم يصدر إعلان بمثل هذه المواجهات سوى ثلاث مرات، وفي أكتوبر تشرين الأول قتل السرجنت جوشوا ويلر في هجوم بالحويجة حيث قال الجيش إن مستشارين عسكريين أمريكيين اضطروا للقتال عندما تعرض مقاتلون أكراد لإطلاق نار.

وفي أبريل نيسان قتل هجوم صاروخي لداعش السرجنت في مشاة البحرية لويس كاردين في قاعدة أمريكية قرب مخمور استخدمت لحماية مستشارين أمريكيين. وبعد الحادث بأسابيع قتل العسكري بسلاح البحرية تشارلز كيتنج في قرية تل أسقف حيث، ال الجيش إنه استدعي في إطار "قوة رد سريعة" لمساعدة مستشارين تعرضوا لإطلاق نار. وسعى الجيش الأمريكي -الذي فرض قيودا على دخول وسائل الإعلام لقواعده ولم يعد يقبل بمرافقة صحفيين للجنود كما فعل فترة الاحتلال- لصرف الانتباه عن أنشطته في العراق.

وأدار الجنود ظهورهم أمام الكاميرات سريعا وتقول وكالة رويترز انهم رفضوا في الآونة الأخيرة طلب من منها لزيارة قاعدة القيارة الجوية التي ترسل إليها وزارة الدفاع الأمريكية المئات من الجنود ضمن مساعدة لتأسيس مركز لوجستي لعملية الموصل، وضمت قافلة عسكرية كانت متجهة إلى القاعدة التي ألحق بها تنظيم داعش أضرارا جسيمة قبل فرارهم مركبات هندسية معقدة ومركبات نقل مدرعة.

ساعة الصفر

أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، نقلا عن قائد عمليات التحالف الدولي ضد داعش، بأن الهجوم لاستعادة مدينة الموصل العراقية من قبضة التنظيم سيبدأ قبل حلول أكتوبر/تشرين الأول. ونقلت الصحيفة على موقعها الإلكتروني، الخميس 8 سبتمبر/أيلول، عن الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند، قوله: "نستعد لمعارك صعبة وطويلة الأمد في الموصل"، وأشار القائد الأمريكي إلى أنه يتحدث عن محاصرة المدينة التي تعتبر أهم معاقل تنظيم داعش في العراق.

وأورد تاونسند أن من 3 آلاف إلى 4500 من مسلحي التنظيم احتشدوا في الموصل، وأن ثلثا منهم لن يلقي السلاح في أي حال من الأحوال، واعتبر قائد عمليات التحالف الدولي أن لدى الجيش العراقي ما يكفي من القوى ومستوى التدريب لبدء الهجوم على الموصل فورا، لكن قوات الشرطة ووحدات الحشد الشعبي تحتاج إلى المرور بتدريبات إضافية لاكتساب القدرات اللازمة لتثبيت سيطرة الحكومة على المناطق المحررة.

وفي سياق متصل أعلن رئيس كردستان العراق المنتهية ولايته، مسعود البارزاني، الجمعة 9 سبتبمر/أيلول، أن الجيش العراقي وقوات "البيشمركة" الكردية أقرا خطة عملية تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم "داعش" الإرهابي. وقال البارزاني، في مقابلة مع قناة "فرانس-24": "أجرى قياديو البيشمركة والجيش العراقي عددا من الاجتماعات اتفقوا نتيجتها بشأن الخطة العسكرية والدور الذي سيقوم به كل طرف".

وشدد رئيس كردستان المنتهية ولايته على أن قوات "البيشمركة" ستشارك بالتأكيد في العملية الهجومية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه لم تتبين حتى الآن كيفية مشاركة قوتي "الحشد الشعبي" و"الحشد الوطني" في تحرير الموصل، وأضاف البارزاني أن العملية ستجري بمشاركة التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، ولفت البارزاني إلى أن توقيت تنفيذ الهجوم على الموصل التي تقع على بعد 360 كيلومترا شمالي بغداد لم يحدد بعد رغم أن قادة عراقيين قالوا إن الهجوم قد يبدأ بحلول أواخر أكتوبر/تشرين الأول.

خطاب التقسيم

مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون برينان شكك الخميس 8 سبتمبر/أيلول في إمكانية عودة العراق وسوريا موحدتين تحت سلطة مركزية. وقال برينان في مقابلة نشرها مركز مكافحة الإرهاب التابع للأكاديمية العسكرية في ويست بوينت: "لا أعرف ما إذا كان ممكنا إصلاح العراق أو سوريا، هناك الكثير من سفك الدماء وتدمير هائل وانقسامات طائفية، إنه توتر محتدم دائما. لا أعرف ما إذا كنت سأبقى حيا لرؤية حكومة مركزية في كلا البلدين لديها قدرة على الإدارة بشكل عادل".

وذكر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في هذا السياق أنه يمكن أن يتصور إقامة نوع من الهيكل الاتحادي الذي ينظم مناطق بحكم ذاتي، بخاصة أن الأكراد في شمال العراق وفي أجزاء من سوريا أنشأوا بالفعل دولة بحكم الأمر الواقع.

من جهة أخرى، قال برينان إن تنظيمي القاعدة وداعش يتعاونان ضد خصومهما من الحوثيين وقوات حكومة الرئيس هادي المدعومة من قبل التحالف العربي في اليمن، على خلاف ما يحدث في العراق وسوريا حيث يتواجهان، موضحا "كلما ابتعدنا عن المعقل العراقي والسوري، كلما كان التعاون أكثر احتمالا بين عناصر القاعدة وداعش وغيره من الجماعات الارهابية".

وأكد المسؤول الاستخباراتي الأمريكي الرفيع أن تنظيم "داعش" سيظل موجودا في الشرق الأوسط لمدة طويلة، وسيشكل المقاتلون الأجانب تحديا للولايات المتحدة يمتد لسنوات عديدة، موضحا "أعتقد أن أعداد (المقاتلين) ستكون تحديا للولايات المتحدة وللحكومات الأخرى على مر السنين"،

وردا على سؤال بشأن ما إذا سيبقى تنظيم "داعش" أم لا في حال تم القضاء على "خلافته" المزعومة، قال برينان إن تنظيم "داعش" سوف "يحتفظ بوجوده في سوريا والعراق على مدى زمن لا بأس به".

هذه النشاطات الامريكية في العراق وزيادة عدد العسكريين الامريكان في العراق لم يخلو مخاطرة فالفصائل العسكرية الموالية لايران رفضت منذ البداية اي تدخل عسكري من واشنطن وهذا ما يفسر انتشار تلك القوات في المناطق السنية والكردية حصرا وحتى الفصائل التي يعرف عنها بعدم الوفاق مع طهران تتفق على رفض التدخل الامريكي ما يضع الولايات المتحدة في زاوية ضيقة لا سيما وانها ترتبط مع العراق في اتفاقية الاطار الاستراتيجي التي وعلى ما يبدو انها لم تطبق حتى الان وذلك بدا واضحا في تصريحات رئيس ائتلاف دول القانون نوري المالكي لدى لقاءه السفير الامريكي الجديد في بغداد.

وفي ظل هذا المشهد المتناقض والحافل بالتقاطعات السياسية والعسكرية والسياسية يبدو ان معركة تحرير الموصل ستكون صعبة على كل المستويات، كما ان ما بعد تلك المعركة لم تتضح معالمه حتى الان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0