منذ بداية الازمة السورية والعلاقات الروسية الايرانية في تطور مستمر، فمن تبادل للادوار واللعب على الخلافات الامريكية الى تدخل روسي في سوريا بضوء اخضر ايراني، الى فتح الاجواء الايرانية للصواريخ الروسية المجنحة التي تنطلق من بحر قزوين لتضرب اهدافها في سوريا، ثم الى فتح الاراضي والمطارات الايرانية للقاذفات الروسية بعيدة المدى، في مشهد لم تالفه ايران منذ انطلاق الثورة الاسلامية وحتى الان.

وفي خطوة تؤكد على عمق العلاقات بين موسكو وطهران نشرت روسيا قاذفات توبوليف-22أم3 ومقاتلات سوخوي-34 في قاعدة همدان الجوية لتوجيه ضربات على سلسلة أهداف داخل سوريا. وهذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا أراضي دولة أخرى غير سوريا نفسها في توجيه مثل هذه الضربات منذ أن بدأ الكرملين حملة قصف لدعم الرئيس السوري بشار الأسد في سبتمبر أيلول الماضي.

ويعتقد كذلك أنها المرة الأولى التي تسمح فيها إيران لقوة أجنبية باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. ونشر القوات في إيران سيعزز صورة روسيا باعتبارها لاعبا محوريا في الشرق الأوسط وسيمكن القوات الجوية الروسية من خفض مدد الطيران وزيادة الحمولات. ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية عن علي شمخاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني قوله إن طهران فتحت منشآتها أمام روسيا لمحاربة الإرهاب ووصف التعاون بين البلدين بأنه استراتيجي.

وتساند الدولتان الأسد وأمدت روسيا بعد تأخير إيران بنظامها الدفاعي الجوي اس-300 فيما يشير إلى تنامي علاقات الشراكة بين البلدين اللذين ساعدا في تغيير دفة الصراع الدائر في سوريا لصالح الأسد وتختبران النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. وتعززت العلاقات بين طهران وموسكو منذ أن توصلت إيران إلى اتفاق العام الماضي مع قوى عالمية بشأن تقليص برنامجها النووي في مقابل رفع عقوبات مالية تفرضها عليها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وزار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إيران في نوفمبر تشرين الثاني وتبحث البلدان بشكل دوري التخطيط العسكري لسوريا حيث وفرت إيران قوات برية تعمل مع حلفاء محليين في حين تقدم روسيا القوة الجوية.

حلب هي الهدف

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن قاذفاتها أقلعت من قاعدة همدان الجوية في شمال غرب إيران. ولكي تصل إلي سوريا كان يتعين عليها استخدام المجال الجوي لدولة أخرى مجاورة يرجح أن تكون العراق. وقالت الوزارة إن ضربات يوم الثلاثاء استهدفت تنظيم داعش وارهابيين من جبهة النصرة في محافظات حلب وإدلب ودير الزور. وأضافت الوزارة أن القاذفات كانت تحميها طائرات مقاتلة في قاعدة حميميم الجوية الروسية في محافظة اللاذقية السورية.

وأضاف بيان الوزارة "نتيجة للضربات تم تدمير خمسة مستودعات سلاح كبيرة... ومعسكر تدريب عسكري.. وثلاث نقاط للتحكم والسيطرة... وعدد كبير المقاتلين." وتابعت أن جميع المنشآت التي دمرت كانت تستخدم لدعم متشددين في منطقة حلب لكن المعركة من أجل السيطرة على المدينة المقسمة والتي كان يقطنها نحو مليوني شخص قبل الحرب تصاعدت في الأسابيع القليلة الماضية.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يراقب تطورات الحرب ويتخذ من بريطانيا مقرا له إن غارات جوية مكثفة يوم الثلاثاء أصابت العديد من الأهداف في حلب وحولها وفي مناطق أخرى في سوريا وقتلت العشرات. وأضاف المرصد أن الضربات التي استهدفت طريق الباب والصاخور في شمال شرق حلب قتلت نحو 20 شخصا في حين قتلت غارات جوية على ممر فتحته المعارضة هذا الشهر على الأجزاء التي تسيطر عليها في شرق المدينة تسعة آخرين.

وقال زكريا ملاحفي المسؤول السياسي لجماعة فاستقم المعارضة في حلب إنه لا يمكنه تأكيد ما إذا كانت القاذفات الروسية التي نشرت حديثا استخدمت لكنه قال إن الغارات على حلب تصاعدت في الأيام الأخيرة. وقال لرويترز إنها أكثر كثافة وليس هناك من سلاح لم يسقطوه على حلب "قنابل عنقودية وقنابل فوسفورية" وما إلى ذلك.

وحلب أكبر المدن السورية قبل الحرب مقسمة الآن إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة ومناطق يسيطر عليها المعارضون. وتسعى الحكومة إلى إحكام سيطرتها على المدينة وهو ما قد يكون أكبر انتصاراتها في الصراع الدائر منذ خمس سنوات. ويعتقد أن مئات الألوف من الأشخاص موجودون في مناطق يسيطر عليها المعارضون ويواجهون حصارا محتملا إذا ما أغلقت الحكومة ممرا يربطها بالخارج.

وذكرت وسائل إعلام روسية يوم الثلاثاء إن روسيا طلبت الحصول على إذن باستخدام إيران والعراق كمسارات لصواريخ كروز تطلق من أسطولها في بحر قزوين على سوريا كما فعلت في السابق.

وكانت قناة روسيا 24 المدعومة من الحكومة قد نشرت في وقت سابق يوم الثلاثاء صورا بدون تعليق لثلاث قاذفات على الأقل وطائرات نقل عسكرية روسية داخل إيران. وقالت القناة إن نشر القاذفات في إيران سيمكن القوات الجوية الروسية من خفض وقت الطيران بنسبة 60 بالمئة. وذكرت وسائل إعلام روسية أن قاذفات توبوليف-22أم3 التي شنت ضربات على سوريا قبل يوم الثلاثاء من قواعدها في جنوب روسيا أكبر من أن تنشر في قاعدة جوية روسية داخل سوريا.

تهديد امريكي

الولايات المتحدة قالت الاربعاء أنها تبحث "ما إذا كان قد حصل خرق" من جانب موسكو لقرار مجلس الأمن مع تجديدها الغارات على سوريا انطلاقا من إيران. من جهتها اعتبرت روسيا أن عمليتها لا تشكل انتهاكا للقرار الدولي بحق طهران.

واعتبرت روسيا الأربعاء أنها لا تنتهك قرار الأمم المتحدة الذي يستهدف إيران، فيما قصف الطيران الروسي لليوم الثاني على التوالي مواقع للارهابيين في سوريا منطلقا من قاعدة همدان الجوية الإيرانية. وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن استخدام بلاده قاعدة همدان لا يشكل في أي حال انتهاكا لحظر الأسلحة أو نقلها الذي يستهدف الجمهورية الإسلامية كما قال متحدث باسم الخارجية الأمريكية الثلاثاء.

وكانت الخارجية الأمريكية رأت الثلاثاء أن الخطوة الروسية "مؤسفة لكنها ليست مستغربة" وأثارت إمكانية أن تكون قد "خرقت" قرار حظر الأسلحة. وقال لافروف "في الوضع الراهن، لم يحصل بيع أو تسليم أو نقل طائرات عسكرية إلى إيران. هذه الطائرات تشارك في عملية لمكافحة الإرهاب في سوريا بناء على طلب السلطات الشرعية السورية وبموافقة إيران".

وكرر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر الأربعاء أن الولايات المتحدة "تبحث وتقيم ما إذا كان قد حصل خرق" من جانب موسكو لقرار مجلس الأمن. وأوضح أن "ذلك يتطلب تحليلا قانونيا دقيقا جدا"، مبديا أسفه لأن روسيا "تواصل تعقيد وضعا خطيرا بالفعل في حلب".

من جهته، رد المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشنكوف أن الضربات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن في سوريا انطلاقا من قاعدة أنجرليك التركية تتنافى وميثاق الأمم المتحدة.

وبررت إيران الأربعاء استخدام الطيران الروسي لقاعدتها، مؤكدة أنها تتحرك "بما ينسجم مع المعايير الدولية". وقال علاء الدين بوروجردي رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إن "الأمر الوحيد الذي يحصل هو أن المقاتلين الروس سمح لهم باستخدام هذه القاعدة لتلقي الإمدادات".

ويرى خبراء أن استخدام القاعدة الإيرانية إضافة إلى قاعدة حميميم الروسية في شمال غرب سوريا يمنح موسكو أفضلية تكتيكية ويتيح لها إرسال قاذفات ثقيلة محملة بعدد أكبر من القنابل وتنفيذ الطلعات في وقت قصير نسبيا.

تحالف ام تقارب

التعاون الايراني الروسي سار بوتيرة متصاعدة منذ رفع العقوبات عن طهران فبوادر عودة هذا التعاون كانت بتسلم ايران القطع الأولى من نظام روسي متطور للدفاع الجوي في شهر نيسان الماضي وقد أشركت قاذفات الصواريخ المضادة للطائرات التي أرسلتها موسكو في عرض عسكري بمناسبة عيد الجيش.

وكان لدى طهران من الأسباب ما يدعوها للاحتفال. فقد كان القرار الذي اتخذه الكرملين قبل عام بالمضي قدما في صفقة كانت متعثرة لتزويدها بنظام إس-300 أول دليل واضح على تنامي الشراكة الروسية الإيرانية التي قلبت الازمة السورية رأسا على عقب وأصبحت اختبارا للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

غير أن إرجاء تنفيذ الصفقة يشير أيضا إلى القيود التي تكبل علاقة صاغها تلاقي المصالح لا اتفاق في الرؤية العالمية في وقت تنقسم فيه القيادة الإيرانية بشأن أمور عقائدية وتبدي فيه روسيا بوادر رفض السماح بتطور هذا التحالف وفقا لما قاله دبلوماسيون ومسؤولون ومحللون التقت رويترز معهم.

ويريد بعض المسؤولين الإيرانيين تحالفا استراتيجيا وتعميق العلاقات بدرجة أكبر. لكن الكرملين يشير فقط إلى تعاون مستمر ذي بعد جديد بسبب الصراع الدائر في سوريا الذي يؤيد فيه الطرفان دمشق. وقال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين في تصريح سابق له "نحن نطور علاقاتنا الودية باستمرار لكننا لا نستطيع حقا الحديث عن نموذج جديد لعلاقاتنا."

وكانت روسيا وافقت على بيع نظام إس-300 إلى إيران عام 2007 لكنها جمدت الصفقة عام 2010 بعد فرض عقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي. ورفعت موسكو أول حظر فرضته من جانبها في ابريل نيسان من العام الماضي مع اقتراب إيران والقوى العالمية من التوصل إلى اتفاق وهو الأمر الذي سمح بعد ذلك برفع العقوبات مقابل الحد من أنشطة برنامجها النووي.

وتدرس روسيا الآن الفوائد المالية والدبلوماسية لمبيعات السلاح إلى طهران رغم ما قد ينطوي عليه ذلك من إثارة استياء دول أخرى من بينها السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال مازيار بهروز الأستاذ المساعد لتاريخ الشرق الأوسط والتاريخ الإسلامي في جامعة سان فرانسيسكو والذي درس العلاقة بين البلدين إن لهذه العلاقة جانبا عسكريا واقتصاديا مفيدا للطرفين." وأضاف "غير أن روسيا وإيران على مستوى الجغرافيا السياسية لا يمكنهما تكوين سوى تحالف تكتيكي قصير الأمد وليس تحالفا استراتيجيا. أعتقد أن الاختلافات العقائدية بينهما عميقة جدا."

دعم دمشق

وبدا في سبتمبر أيلول الماضي أن العلاقات الودية منذ فترة طويلة ستصل إلى مستوى جديد عندما أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتدخل العسكري في سوريا دعما للرئيس بشار الأسد حليف إيران. وقد نشرت إيران بالفعل وحدات من الحرس الثوري دعمت قوات الأسد في وقف زحف قوى المعارضة. لكن الأمر احتاج القوة الجوية الروسية لكسر الجمود وجعل اليد العليا للأسد.

فمن الناحية العسكرية كان كل من هاتين القوتين يكمل الآخر. فقد جلبت إيران قوات برية تعاونت مع القوات المحلية بينما وفرت روسيا الغطاء الجوي الممتاز الذي كانت إيران وحكومة الأسد تفتقران إليه. ومن الناحية الدبلوماسية جعلت العمليات المشتركة موسكو وطهران شريكين أساسيين في أي مناقشات حول الأمن الإقليمي.

وهذا مهم لبوتين الذي سعى لتدعيم التحالف في المنطقة لزيادة نفوذ موسكو منذ مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي الذي كان حليفا لروسيا. والأقل وضوحا من ذلك هو مدى استفادة موسكو عندما يتعلق الأمر بالفوز بعقود مربحة بعد رفع العقوبات ذات الصلة بالمسألة النووية. ولا توجد مؤشرات تذكر الآن على نجاح الشركات الروسية في التغلغل في إيران.

ويرجع ذلك في جانب منه لأسباب عقائدية. فالمؤسسة الإيرانية منقسمة إذ أن الفصيل الذي يمثله الرئيس حسن روحاني مهتم بالتعامل مع الغرب أكثر من اهتمامه بمعارضته وذلك حتى إذا ظلت الكثير من السياسات الأمريكية موضع استنكار.

لقاءات سرية

جاء أول تدخل كبير من جانب روسيا في الشرق الأوسط منذ الحرب الباردة في أعقاب شهور من اللقاءات السرية في موسكو بين بوتين ومسؤولين إيرانيين من بينهم قادة الحرس الثوري الإسلامي وعلي أكبر ولايتي مستشار الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي للشؤون الخارجية.

ومن المحتمل أن يجد خامنئي تحالفا وثيقا وحصريا مع روسيا ملائما. وخامنئي هو أقوى شخصية في إيران وهو القائل إن النفوذ الغربي هو السبب في مشاكل إيران كما أنه ضغط بشدة لتنفيذ سياسته القائمة على التطلع شرقا. لكن هذه السياسة تتعارض مع سياسة الحكومة الإيرانية بقيادة روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي سعى بشكل شبه أسبوعي لاستمالة الوفود الغربية منذ التوصل للاتفاق النووي مع القوى العالمية في يوليو تموز الماضي.

فروحاني الذي تلقى تعليمه في الغرب أقل ميلا نحو روسيا وتربطه علاقة مشوشة ببوتين. وفي نوفمبر تشرين الثاني الماضي وخلال زيارته الأولى إلى طهران منذ ثماني سنوات اتجه بوتين مباشرة من المطار للقاء خامنئي بدلا من رؤية روحاني أولا كما يفعل أغلب الزائرين.

وقال دبلوماسي إيراني لرويترز مشترطا عدم نشر اسمه "روحاني وبوتين لا يأتلفان." كذلك فإن بعض المسؤولين الإيرانيين يخشون من الاقتراب أكثر مما يجب من روسيا التي حاربت بريطانيا من أجل الهيمنة على إيران في القرن التاسع عشر واحتلتها خلال الحربين العالميتين. وقال عبد الله رمضان زادة الذي كان متحدثا باسم الرئيس السابق محمد خاتمي لرويترز من طهران "الروس استغلونا دوما كأداة في سياستهم الخارجية. ولم يبقوا على التزامهم بالتحالف مع أي دولة."

وقد بذل بوتين جهدا كبيرا لتحسين العلاقات مع إيران. وخلال الزيارة التي قام بها في نوفمبر تشرين الثاني قدم لخامنئي نسخة من أقدم المصاحف كانت روسيا قد حصلت عليها خلال احتلالها لشمال إيران في القرن التاسع عشر. وأفاد التدخل في سوريا أيضا كوسيلة لصرف الأنظار عن المشاكل الاقتصادية في روسيا والتي أدت العقوبات الدولية المفروضة على موسكو بسبب دورها في الأزمة الأوكرانية إلى تفاقمها ودفعت موسكو إلى البحث عن شركاء تجاريين جدد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1