التحضيرات لمعركة الموصل بدأت فور الانتهاء من معركة تحرير الفلوجة، والتي كانت من انظف المعارك بحسب وصف مختصين بالشان العسكري ومتابعين لعمليات القوات العراقية ضد جماعة داعش الإرهابية، وهو ما جعلها بطيئة بعض الشيء، وهذا الامر قد ينعكس الوضع الذي يحول دون اقتحام القوات العراقية لمدينة الموصل المعقل الأخير لداعش في العراق، يضاف الى ذلك المساحة الشاسعة للمدينة ذات الأطراف المترامية والتي تحتاج لعدد كبير من القوات، وهذه القوات لم تتفق حتى الان على صيغة نهائية على نوع القوات التي ستقتحم المدينة واي منها يمسك الأطراف وكيف يمكن التخلص من الفيتو على قوات الحشد الشعبي والبيشمركة.

وبينما تناقش القوات العراقية عمليات تحرير الموصل سحب البرلمان العراقي وزارة الدفاع من ارض الميدان الى ارض البرلمان من خلال تحريك ملف استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي ومن ثم اقالته، وهذه الخطوة عدها مراقبون بغير الموفقة والتي ستأثر بشكل سلبي على سير عمليات التحرير وتضعف الجعد العسكري الذي يجري على قدم وساق في الجبهات الامامية للقتال ضد داعش.

المكتب الاعلامي لرئيس مجلس وزراء العراق حيدر العبادي، أعلن الأربعاء 3 أغسطس/آب، عن تلقي الأخير اتصالا هاتفيا من نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن ناقشا فيه عملية تحرير الموصل من "داعش" وذكر بيان صادر عن المكتب أنه جرى خلال الاتصال بحث تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والحرب ضد الإرهاب وتثمين الجهود لتحشيد الدعم الدولي للعراق من خلال التبرع لجهود إغاثة النازحين والعمليات الانسانية.

كما أكد الطرفان على أهمية تسريع إعادة الاستقرار للمناطق المحررة لتكون بشكل يتوازى مع سرعة الإنجازات التي تحققها القوات العراقية والقوات المساندة لها في تحرير ما تبقى من الأراضي التي سيطر عليها تنظيم "داعش".

وأضاف البيان أنه تمت مناقشة الاستعدادات لإكمال تحرير الموصل ومباركة الانتصارات المتحققة على عصابات "داعش". وأشاد بايدن، بحسب البيان، بالانتصارات الكبيرة للقوات العراقية، مجددا دعم الولايات المتحدة المستمر لحكومة العبادي بمختلف المجالات بما فيها العسكرية والأمنية. وتابع البيان أنه قد تمت مناقشة الأوضاع الراهنة في المنطقة وأهمية تركيز كل الجهود لدعم العراق في مواجهة العدو المشترك المتمثل في تنظيم "داعش" الإرهابي.

من جانبه قال وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي الاثنين (التاسع من آب/ أغسطس)، خلال مؤتمر صحفي عقده على هامش زيارته إلى مقر قيادة عمليات نينوى في قضاء مخمور جنوب شرقي الموصل إن معركة استعادة الموصل من سيطرة داعش باتت قريبة جدا، مشيرا إلى أن كل القوات الأمنية العراقية تخضع مشاركتها في عملية تحرير الموصل للخطط العسكرية .

وأضاف العبيدي أن "معركة تحرير الموصل تجري، وكما هو مخطط لها، والانتقال يجري من صفحة إلى أخرى بعد تهيئة مستلزماتها، وكما مخطط لها من قبل غرفة العمليات المشتركة وأن تنسيقا يجري بشكل جيد مع حكومة إقليم كردستان وقيادة عمليات نينوى، وهناك استعداد كبير للتعاون من قبل البيشمركة والسماح للقوات العراقية بالاستفادة والتحرك والتخندق في مناطق متاخمة لإقليم كردستان".

داعش تحتضر

وقال القائد العسكري الأمريكي، الجنرال شين ماكفرلاند، إن قوة "داعش" تآكلت بفضل الحملات العسكرية التي تستهدف التنظيم، مقدرا أعداد مقاتليه في الوقت الحالي بحدود 20 ألف مقاتل. ونقلت صحيفة "إندبندنت" البريطانية عن الجنرال الأمريكي، أنه لا يمكن معرفة أعداد مقاتلي التنظيم بدقة، إلا أنه يمكن تقديرها في المناطق التي تشهد غارات على التنظيم بأنها تتراوح بين 15 ألف و20 ألف مقاتل.

وقال قائد حملة التحالف الدولي ضد التنظيم في سوريا والعراق، إن حوالي 45 ألف مقاتل لم يعد لهم وجود بالتنظيم حاليا "بفضل العمليات الأمريكية". وبهذه العبارة يبدو ان القائد الأمريكي قد يحاول تزوير الحقائق او يتناسى دور القوات العراقية على الأرض والتي كانت تحرر المناطق العراقية قبل مشاركة التحالف الدولي ما يدل على انها تستطيع تحرير البلاد حتى بدون التحالف الدولي، كما تتهم قيادات عراقية التحالف الدولي بعرقلة عمليات التحرير اكثر من المساهمة في زيادة فاعليتها من خلال الربط بين المصالح الامريكية وعمليات التحرير الجارية في العراق.

وبحسب الصحيفة البريطانية ينخفض هذا العدد عن التقديرات السابقة لمقاتلي التنظيم التي تتراوح بين 19 و25 ألف مقاتل. وأشار القائد الأمريكي إلى أن قدرة مقاتلي "داعش" على القتال تتراجع، مقابل التقدم الذي تحرزه القوات التي تدعمها الولايات المتحدة في سوريا والعراق. ويأتي ذلك في الوقت الذي تمكنت فيه قوات "سوريا الديمقراطية" من السيطرة على 90% من مدينة منبج وسط توقعات بتحريرها قريبا، فيما تستعد القوات العراقية، على الجانب الآخر، لتحرير الموصل، معقل "داعش" في العراق منذ 2014.

كما أفاد شين ماكفرلاند بأن العدو، في إشارة للتنظيم المتطرف، يتقهقر على جميع الجبهات وأن السيطرة على الأراضي أصبحت أسهل من العام الماضي. ولفت الجنرال ماكفرلاند إلى أن القوات العراقية استعدت كذلك لاستعادة السيطرة على مدينة الموصل، المعقل المهم لـ"داعش" منذ عام 2014، مشيرا في الصدد إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تأهيل قاعدة القيارة الجوية الواقعة جنوب الموصل قبل شن الهجوم على المدينة لتحريرها.

وفي إطار تعزيز قدرات سلاح الجو العراقي كشفت وزارة الدفاع العراقية الأحد 7 أغسطس/آب عن وصول أربع طائرات من طراز "أف 16" إلى العراق، مؤكدة أنها ستدخل الخدمة مباشرة. وقال المتحدث باسم الوزارة نصير نوري: "القوة الجوية العراقية تسلمت أربع طائرات جديدة من طراز (أف – 16)". وأضاف نوري: "يأتي وصول الطائرات بالتزامن مع بدء الاستعدادات لمعركة استعادة الموصل، الأمر الذي يسهم في تعزيز تقدم القوات البرية على الأرض".

العمليات الانسانية

في الجانب الإنساني شدد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أن حكومته تسعى للحفاظ على حياة المدنيين من أهالي الموصل خلال العمليات العسكرية لتحرير المدينة من سيطرة تنظيم "داعش". وياتي هذا التصريح من اجل تقليل الضغط الذي قد تثيره بعض الدول الداعمة لداعش من خلال مؤسساتها الإعلامية.

وقال العبادي خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الهولندي مارك روته في بغداد الثلاثاء 9 أغسطس/آب،: "الحملة الأخيرة ضد "داعش" ستكون خلال تحرير الموصل، ونحن بحاجة إلى مساعدة دول العالم في الوقوف مع العراق في جميع المجالات لاسيما الإنساني". وأضاف العبادي: "علينا الحفاظ على أهل الموصل والاهتمام بالوضع الإنساني داخل المدينة". وجدد العبادي نفيه لوجود أي جنود أجانب يقاتلون التنظيم على الأراضي العراقية، قائلا: "التحالف الدولي يقف مع العراق ويساند القوات الأمنية جوا، ولا يوجد أي جندي أجنبي يقاتل في الأراضي العراقية".

من جهته قال رئيس الوزراء الهولندي مارك روته إن بلاده تسعى للتأكد من عودة النازحين إلى مدينة الفلوجة، التي حررت مؤخرا، بسلام وتوفير الخدمات الأساسية لهم. وأكد روته: "هولندا تحارب "داعش" على الكثير من الأصعدة ونريد أن نتأكد من عودة النازحين إلى الفلوجة بسلام وتحقيق الخدمات الأساسية لهم".

وفي سياق متصل أكد ضابط في قوات البيشمركه الكردية العراقية الأربعاء 10 أغسطس/آب استقبال أكثر من 800 مدني في منطقة مخمور جنوب الموصل، هربوا من تنظيم "داعش". وقال المصدر: "قوات البيشمركه في منطقة مخمور استقبلت أكثر من 800 شخص هربوا من سيطرة تنظيم "داعش"، بينهم نساء وأطفال ومسنون" وهم من سكان القرى الواقعة تحت سيطرة التنظيم قرب الموصل. وأضاف المصدر: "سينقل الواصلون إلى أماكن آمنة بعد إجراء التحقيقات معهم"، مشيرا إلى أن عمليات الهروب الجماعي من مناطق سيطرة داعش "باتت شبه يومية".

ورغم تسجيل عودة مليون نازح رسميا إلى مناطقهم بعد تحريرها من تنظيم داعش، فإن أكثر من ثلاثة ملايين آخرين لا يزالون قابعين في مخيمات إيواء منتشرة في عموم المحافظات العراقية، وفقا لإحصائيات وزارة الهجرة والمهجرين، التي تبدي استعدادها لكل الاحتمالات لاسيما في حال بدأت عمليات تحرير مدينة الموصل في محافظة نينوى شمالا، والتي يتوقع أن تؤدي إلى نزوح مليوني مدني.

ويقول ستار نوروز، مدير عام دائرة شؤون الهجرة في وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، متحدثا عن استعدادات الوزارة بهذا الشأن "عمليات التحرير خلال الصفحات اللاحقة قد تؤدي إلى نزوح أعداد أكبر، وبالتالي يجب أن يكون لدينا استعداد مسبق. لدينا خطط ولدينا تنسيق مع حكومة كردستان، وأيضا تنسيق مع المنظمات الدولية. هيأنا المواقع التي من الممكن أن تكون مخيمات لإيواء وإسكان هذه العوائل، وأيضا لدينا خطط فيما يتعلق بمسألة المواد الإغاثية التي من الضروري تحضيرها قبل هذه العمليات".

وأكدت وزارة الهجرة العراقية أنها وضعت في حساباتها أسوأ الاحتمالات، في حين تؤكد الأقسام المختصة استمرار عملها على جميع الأصعدة لاستيعاب أي موجة نزوح جديدة. وأكد عامر عباس، مدير قسم المحافظات الوسطى في وزارة الهجرة العراقية، في تصريح لقناة فرانس 24 أن "وزارة الهجرة والمهجرين تعمل بثلاثة محاور، الأول هو إيواء العوائل النازحة، خصوصا في محافظة الأنبار ونينوى، والآخر هو إغاثة العوائل النازحة، والثالث هو توزيع المواد الغذائية والصحة وغيرها والمساعدات الآنية للنازحين".

وتعول الجهات المعنية في العراق على إعادة عدد كبير من نازحي محافظات معينة قبل فتح ملف نازحي الموصل بمحافظة نينوى، بما يسهل عليها عملية استيعابهم.

مشاركة الحشد الشعبي والبيشمركة

ومع انطلاق كل معركة لتحرير المدن العراقية من سيطرة داعش تبقى مسالة مشاركة الحشد الشعبي نقطة خلاف رئيسية، نتيجة الفيتو الذي تفرضه بعض الكتل السياسية، فيما يصف الحشد تلك الأصوات الرافضة لمشاركته بانها مدفوعة من الخارج ولا تعترف بدوره في اسناد القوات العراقية وتحريره المدن والقصبات من داعش. وفي معركة تحرير الموصل دخلت قوات البيشمركة على خط الخلاف لتكون هي الأخرى موضع نقاش.

الخبير العسكري والإستراتيجي الدكتور أحمد الشريفي قال انه في البعد العسكري يحتاج الجيش العراقي الى وفرة في القطعات، لاسيما في اتباع أسلوب العزل والتطويق وأسلوب الإندفاع في العمق باتجاه المواجهة والاشتباك. أما في البعد السياسي، فهناك قوى تتبنى المشروع الإقليمي أو الدولي الذي لا يرغب في أن يكون العراق قويا لا يسمح معه بالتدخل الإقليمي أو الدولي للتأثير على صنع القرار السياسي العراقي.

ويضيف الشريفي، أن الحشد الشعبي في دخوله إلى المناطق مرحب به اجتماعيا، أما غير مرحب به سياسيا، فالكل يدرك أن بوصلة الحشد الشعبي تتجه باتجاه الموصل التي لا ترغب تركيا بخسارتها، كونها ورقة ضغط محلية وإقليمية ودولية، وخسارة تركيا لهذه الورقة سيؤدي إلى تراجعها بشكل كبير جدا محليا وإقليميا بل وحتى دوليا، لذلك هم يحركون الأذرع التي لها امتدادات وانتماءات في تركيا بغية استهداف الحشد الشعبي.

من جانبه أعلن رئيس ممثلية حكومة كردستان العراق في موسكو، أسو طالباني، الاثنين 15 أغسطس/آب، أن المرحلة النهائية لاستعادة الموصل من قبضة "داعش" قد تبدأ خلال شهر أو شهرين بمشاركة قوات كردية. وقال طالباني، في حديث لوكالة "إنترفاكس" الروسية: "أعتقد أن التحضير لإطلاق اقتحام الموصل سوف يستغرق شهرا أو شهرين على الأقل، وكان القرار بشأن مشاركة قوات البيشمركة وفصائل الحشد الشعبي الشيعية قد اتخذ بدعم من بغداد والولايات المتحدة على حد سواء".

وأضاف الدبلوماسي أن القوات الكردية جاهزة للقتال من أجل تحرير الموصل، على الرغم من اعتقاده بأن الأكراد ومقاتلي الحشد الشعبي لن يُسمح لهم لاحقا بإدارة المدينة. وأوضح طالباني أن حزب العمال الكردستاني، الذي حشد قرابة ألفي مقاتل جنوب محافظة كركوك، سيشارك أيضا، على الأرجح، في عملية استعادة المدينة، مشيرا إلى بلوغ اتفاق بهذا الشأن بين الحزب والحكومة العراقية. كما أفاد المسؤول الكردي بأن روسيا سلمت إلى أربيل، أواخر يوليو/تموز، دفعة جديدة من المساعدات العسكرية، تحتوي على نحو مليون قطعة ذخيرة لبنادق وطلقات كلاشنكوف، مضيفا أن هذه الذخائر خصصت لعملية استعادة الموصل.

وأشار طالباني إلى أن الطرف الروسي أكد، لحظة تسليم الذخائر أن هذه ليست الطائرة الروسية الأخيرة من المساعدات العسكرية لأربيل، قائلا في الوقت نفسه إن موعد تسليم دفعة جديدة لم يحدد بعد، كما لم يتضح أيضا ما إذا كانت ستضم أسلحة حديثة، بما فيها منظومات مضادة للطائرات.

وزارة الدفاع مهددة

ومع قرب انطلاق معركة تحرير الموصل والاستعدادات الجارية على قدم وساق، طفت على السطح قضية استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي لتنحرف بوصلة الاحداث من الموصل الى بحث ملفات اقالة الوزير من عدمه.

وبعد مشادات وتصعيد كلامي صوت مجلس النواب العراقي، بالغالبية على عدم قناعته بإجابة وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي الذي أقسم في إفادته خلال جلسة استجوابه مطلع الشهر الجاري على تورط رئيس المجلس ونواب آخرين بملفات فساد.

وأعلن عضو البرلمان العراقي عن جبهة الإصلاح، محمد الصيهود في تصريح لوكالة "سبوتنيك" الروسية، أن البرلمان صوت بالغالبية على عدم قناعته بأجوبة وزير الدفاع في الجلسة التي عقدت مؤخرا. وأضاف الصيهود، أن عدد النواب الذين صوتوا لصالح الوزير خالد العبيدي، يعدون على أصابع اليد الواحدة، ملمحاً إلى أن البرلمان سيحدد جلسة لإقالة العبيدي بعد أن يتقدم البرلمانيون بطلب يحمل 50 توقيعاً وفق النظام الداخلي للمجلس.

وكان وزير الدفاع العراقي، اتهم رئيس البرلمان ونواب أخرين بتمرير ملفات فساد ومحاولت منهم للحصول على أموال تابعة لموازنة الدفاع، والحصول على صفقات منها تسليحية، واستحواذ على التعيينات.

وقد لاقت محاولة اقالة العبيدي استهجان الشارع العراقي بشقية المعارض للوزير وانصاره، كون العراق يعيش مرحلة حاسمة من الحرب ضد داعش، فوفق مراقبين باتت القوات العراقية على اعتاب نصر تاريخي في الموصل بعد سنتين من المعارض ضد جماعة داعش ما يستوجب تسخير كل الجهود لإسناد وزارة الدفاع العراقية، لا سيما وان هناك ملفات فساد في وزارات أخرى يمكن بحثها ومن ثم بحث ملفات الفساد في وزارة الدفاع بعد تحرير الموصل واستعادة كامل الاراض العراقية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1