يمارس سعر الفائدة دوراً كبيرا في الاقتصاد من خلال نافذة القطاع المصرفي والاسواق المالية المحلية والعالمية، فهو الذي يعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي العام في الاقتصاد الوضعي ما بين اسواق سوق السلع وسوق النقود في ظل السياسة السليمة التي تتبعها الادارة النقدية للبنك المركزي، في حين لن تعني الفائدة شيئاُ في الاقتصاد الاسلامي وتسمى بالربا لأنه يرى ان النقود هي وسيلة للتبادل وليس موفّر للأموال.

سعر الفائدة بشكل عام والسلبية بشكل خاص

يمثل سـعر الفائدة المتغير الاقتصادي الـذي يربط بين المقرضين والمقترضين في علاقات مالية ونقدية. إذ يعتبر السعر الذي يدفعه المقترض لقاء استخدامه الأموال المقترضة لفترة زمنية معينة يُتفق عليها أي (سعر الائتمان)، ويتأثر بمجموعة من العوامل النقدية مثل عرض النقود والتضخم وعجز الموازنة العامة وغيرها، والعوامل الحقيقية كالنشاط الاقتصادي ومعدل النمو الاقتصادي وعجز الحساب الجاري وغيرها، تأثير هذه العوامل يكون بشكل طردي او عكسي مع سعر الفائدة وانعكاسه على الاقتصاد بشكل مباشر او غير مباشر.

من غير المنطق ان يودع شخص ما امواله في المصرف من اجل دفع فائدة الى المصرف بل العكس هو الصحيح، أي ان الشخص يودع امواله في المصرف من اجل الحصول على الاموال والتي يعبر عنها بسعر الفائدة الاسمية، كما ان المصارف تعمل على اقراض اموالها من اجل الفائدة أيضاً وليس العكس، أي لم تقرض اموالها من اجل دفع الفائدة لمن يقترضها، وبما ان المصارف دائماً ما تكون مُراقبة او تحت سيطرة البنك المركزي، فإن هذا الاخير في بعض الاحيان يتخذ سياسة نقدية غير تقليدية وهي سعر الفائدة الصفرية او السلبية اي يفرض على المصارف ان تقوم بإقراض اموالها للمقرضين بفائدة صفرية لتقليل كلفة الاقتراض من اجل تحفيز المستثمرين على الاقتراض وتشجيع النشاط الاقتصادي، وفي حالة عدم توظيف اموالها من خلال اقراضها للمقترضين او استثمارها في النشاط الاقتصادي، فان البنك المركزي سيفرض فائدة اقل من الصفر على المصارف أي ان المصرف سيدفع فائدة الى المصرف المركزي في حالة الاحتفاظ بأمواله أي تجمدها داخل المصارف، وكذا الحال بالنسبة للفرد فانه سيدفع فائدة على امواله الى المصارف في حالة قيامه بإيداع امواله في المصرف لان البنك المركزي يأخذ فائدة من المصارف التي تستقبل ايداعات الافراد، وهذه تُعرف بـ "الفائدة السلبية".

بعض الآثار الايجابية للفائدة السلبية على الاقتصاد

وعلى هذا الاساس، فان أي دولة ترى اقتصادها يعاني من حالة الركود فان باستطاعتها العمل على معالجة هذا المشكلة من خلال قيام البنك المركزي بممارسة دوره على المصارف وفرض فائدة سلبية عليها مقابل احتفاظها بالأموال، هكذا عمل يؤدي الى جعل الكفاية الحدية لرأس المال أعلى ما يُمكن، ويؤدي ايضاً الى عقاب المدخرين (افراد ومصارف) كنتيجة لعدم توظيف اموالهم في النشاط الاقتصادي، وبالتالي سيضطر المدخرين الى استنفار كافة اموالهم وتوظيفها في النشاط الاقتصادي للحصول على الكفاية الحدية العالية والتخلص من تكاليف الادخار (الفائدة السلبية)، مما يفضي الى زيادة الطلب على الايدي لعاملة وزيادة الدخول وزيادة الطلب مرة اخرى وتحقيق زيادة انتاج السلع والخدمات أي تحقيق النمو الاقتصادي.

ونتيجة زيادة الانتاج من السلع والخدمات ستنخفض الاسعار وينخفض التضخم، كما ان زيادة الانتاج تؤدي الى تلبية الطلب المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ومن ثم تشجع التصدير وتحسين ميزان المدفوعات، وهذه هي اهداف الاقتصاد الكلي قد تم تحقيقها في ظل فرضية قيام البنك المركزي بفرض الفائدة السلبية على المدخرات وفي ظل توفر بيئة استثمارية مناسبة وجهاز انتاجي مرن يستجيب للتغيرات التي تحصل في الطلب الكلي.

ان تحسين الدخول والارباح وزيادة راس المال وغيرها، سيمكن الدولة من سهولة فرض الضرائب عليها لتمويل النفقات العامة بشقيها الجارية والرأسمالية.

بعض الآثار السلبية للفائدة السلبية على الاقتصاد

لكن في حالة فرض فائدة سلبية مع عدم توفر بيئة استثمارية مناسبة تشجع المستثمرين على الاقتراض وتجعل الكفاية الحدية لراس المال اعلى ما يُمكن، وعدم وجود جهاز انتاجي مرن يستجيب للتغيرات التي تحصل في الطلب الكلي، سيؤدي فرض الفائدة السلبية الى آثار اقتصادية معاكسة، فهذه الاموال ستتجه نحو الاكتناز من قبل الافراد دون المصارف لان المصارف مراقبة من قبل البنك المركزي لا يُسمح بهذا العمل وحتى الادخار لا يُسمح به في حالة تم فرض الفائدة السلبية عليها، او تهاجر دولياً الى البيئة المناسبة لها من قبل الافراد والمصارف معاً، ومن ثم انخفاض حجم الاموال المعدة للإقراض ومن ثم انخفاض انتاج السلع والخدمات فترتفع اسعارها ويحصل التضخم وينخفض النمو الاقتصادي وحصول عجز في ميزان المدفوعات، وهذا ما يعني انها الفائدة تؤثر سلباً على اهداف الاقتصاد الكلي.

كما توثر الفائدة السلبية على الموازنة العامة سلباً، أي إذا تم فرضها في ظل عدم توفر البيئة المناسبة وعدم مرونة الجهاز الانتاج، في هذه الحالة ستنخفض الدخول والارباح كنتيجة لإنخفاض الكفاية الحدية لرأس المال (سعر الفائدة الحقيقي) وعدم قدرة الدولة على استيفاء الايرادات الضريبية ومن ثم انخفاض الايرادات العامة التي تمول النفقات العامة ومن اجل تلبية هذه النفقات لابد من اللجوء إلى الضرائب وهذا مستحيل لعدم قبول الافراد منتجين ومستهلكين بها بسبب انخفاض دخولهم وعدم قدرتها على تحمل الضرائب، كما يمكن اللجوء الى استخدام التمويل بالعجز (الاصدار النقدي الجديد) لتمويل تلك النفقات لكن التمويل بالعجز يؤدي الى ارتفاع التضخم، او قيام الدولة بالاقتراض من الداخل او من الخارج الذي يدخل البلد في نفق التبعية، وهذا ما يعني انها تؤثر سلباً على الموازنة العامة والعكس صحيح، اي انها تؤثر بشكل ايجابي في حالة توفر البيئة المناسبة وتمتع الجهاز الانتاجي بالمرونة الكافية.

بعض الدول المطبقة للفائدة السلبية

يمكن الاستشهاد بمجموعة من الدول التي طبقت سياسة سعر الفائدة السلبية لتحويل الاموال المصرفية الى النشاط الاقتصادي وتحقيق اهداف الاقتصاد الكلي، وهي كل من سويسرا والدنمارك والسويد واليابان … إلخ، هذا ما يعني ان سعر الفائدة يؤثر على الاقتصاد العالمي، اذ تشير الأرقام المتاحة إلى أن خمس الناتج المحلي الإجمالي على المستوى العالمي يأتي حاليا من بلدان تطبق سياسة الفائدة السلبية، بما فيها اليابان والاتحاد الأوروبي والدنمارك وسويسرا والسويد، وأن عدد سكان تلك المجموعة من بلدان الفائدة السلبية يبلغ نحو 500 مليون نسمة، وربما يكون ذلك مؤشرا على اتساع نطاق هذه السياسات على المستوى العالمي، إلا أن هذا لا يعني في نظر كثير من المختصين نجاحها حتى الآن.

اذ اشارت بعض المصادر ان البنك المركزي في اليابان تبنى خطوة مفاجئة في سياسته النقدية (غير التقليدية) اي قام بتخفيض أسعار الفائدة إلى -0.1 في المئة، وأعلن البنك المركزي الياباني، الابقاء على معدلات الفائدة السلبية كما هي، والتوسع في سياسة التحفيز النقدي، من اجل تحفيز النمو الاقتصادي، يعني أن البنك المركزي سيفرض على البنوك التجارية دفع نسبة 0.1 في المئة على بعض ودائعها. وكانت من نتائج تطبيق هذه السياسة النقدية غير التقليدية في اليابان هو ان المصارف اليابانية قد خسرت بنحو 35 في المائة، كما خسرت أسهم المصارف الأوروبية نحو 30 في المائة أما المصارف الأمريكية فإن أسهمها تراجعت بما يقارب 20 في المائة.

هذه النسب تؤكد على مدى فاعلية السياسة النقدية غير التقليدية التي اتبعتها كل من اليابان والدول الاوربية في حين انها كانت اقل بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، هذا ما جعل المخاوف تتصاعد لدى الكثير من المصارف حول العالم من أن يؤدي تبني سعر الفائدة السلبية أن تصبح قاعدة عالمية، وهو ما قد يضر القطاع المصرفي على المستوى العالمي بشكل كبير.

وفي الختام، السؤال الذي يُطرح نفسه، هل بالإمكان تطبيق سعر الفائدة السلبية من قبل البنك المركزي العراقي، لزيادة حجم السيولة النقدية وتحفيز النمو الاقتصادي وتقليل حجم البطالة، الجواب بالتأكيد هو النفي، وذلك لعاملين رئيسيين العامل الاول: عدم مرونة الجهاز الانتاجي؛ لأنه حتى ولو تم تخفيض اسعار الفائدة الى ما تحت الصفر لن يتحسن الوضع الاقتصادي إلا بشكل طفيف جداً، وذلك بسبب العامل الثاني: غياب البيئة الاستثمارية المناسبة المشجعة والمحفزة للمستثمرين اجانب ومحليين من الاستثمار في العراق وزيادة النمو الاقتصادي وتقليل حجم البطالة، لذا ينبغي العمل على اتجاهين هما رفع مرونة الجهاز الانتاجي لأي تغيرات تحصل في الاسعار كنتيجة لزيادة كمية النقود المتداولة بفعل تطبيق السياسة النقدية غير التقليدية (الفائدة السلبية) وهذا ما يساهم بتقليل البطالة وزيادة النمو الاقتصادي، وهذا لن يتحقق مالم يتم الاهتمام بالبيئة الاستثمارية المناسبة المشعة والمحفزة لتحقيق كل ما يصبو اليه الاقتصاد.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0