لقد خاضت الحركة الوطنية العراقية كفاحا طويلا ومريرا ضد الهيمنة البريطانية ابان احتلالها العراق 1920 - 1958 ثم الأنكلو-أمريكية منذ عام 1963 لاستعادة استقلالنا الوطني بعيدا عن النفوذ الاجنبي وقد قدمت في سبيل ذلك تضحيات جسيمة في الارواح والممتلكات وما تزال ولم تتمكن رغم ذلك من تحقيق السيادة الكاملة على أرضنا ومواردنا الطبيعية الا لفترات قصيرة جدا عادت البلاد بعدها للهيمنة الاجنبية المباشرة أو غير المباشرة.

وخلال وبعد كل انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة تتوجه أنظارنا ومسامعنا نحوها على أمل أن تأتي برئيس جديد وسياسة خارجية جديدة مغايرة لسياسة الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان العالم الثالث ومنها بلادنا. وكانت أمالنا في المرة تلو المرة تذهب سدى وتعود بلادنا من جديد بيدقا تحركه الدبلوماسية الأمريكية وفق ما تقتضيه مصالحها الستراتيجية.

وهكذا الحال مع الحملة الانتخابية الجارية الآن على رئاسة القصر الابيض التي يتنافس فيها ممثلا الحزبين الرئيسيين الديمقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون والجمهوري بممثله دونالد ترامب. وتزخر الصحافة ووسائل الاعلام الأخرى الأمريكية والعالمية بمئات المقالات والمقابلات يوميا حول السياسات التي يسعى كلا منهما لتبنيها في حالة فوزه في السباق الرئاسي. وعلى عكس ما جبل عليه مرشحو الرئاسة الأمريكية السابقين بما فيهم السيدة هيلاري كلينتون ينفرد المرشح الجمهوري دونالد ترامب بمواقف مثيرة للاهتمام وتستحق الدراسة والتأمل وبخاصة ما يتعلق بسياسة التدخل الأمريكية في شؤون الدول الأخرى.

ففي خطابه الأخير أثناء مراسم تكليفه كمرشح للحزب الجمهوري تعرض الى ضرورة تطوير الاقتصاد الامريكي من خلال الاستثمارات الداخلية في البنية التحتية لتشجيع رؤوس الأموال الأمريكية التي هاجرت الى الدول الأخرى للعودة الى البلاد والاستثمار فيه لزيادة فرص العمل للقضاء على البطالة بين الأمريكيين. وأعلن عن رفضه لإجراءات التقشف واتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي المثيرة للجدل TTIP التي ما تزال المفاوضات بشأنها مستمرة بين ممثلي الطرفين والمحاطة بسرية تامة.

وأخطر ما في الاتفاقية هو استهدافها القوانين التي تضمن سلامة المنتجات الغذائية وحماية البيئة والرقابة على النظام المصرفي وقوانين حماية مصالح الدول واستقلالها. لهذا ينظر اليها بكونها تهديدا لمصالح المجتمعات الأوربية والأمريكية من جانب الشركات الكبرى التي يشكل ممثلوها في المفاوضات الجارية نسبة 92% بينما يمثل مصالح المستهلكين وحماة البيئة 4.6% أما النسبة الباقية فتمثل لوبيات تعمل للترويج للاتفاقية خدمة لمصالح الشركات الكبرى في كل من أمريكا والاتحاد الأوربي.

وفي الجانب العسكري يرغب السيد دونالد ترامب بخفض النفقات العسكرية عموما وبخاصة تلك الموجهة لحلف الناتو واستخدام الأموال الموفرة منها لتطوير البنية التحتية التي ستخلق ملايين فرص العمل في الاقتصاد الوطني الأمريكي. وتنفيذا لهذا الهدف (اذا لم يتراجع عنه) سيتم الغاء مئات القواعد العسكرية الأمريكية في البلدان الأجنبية كجزء من خطته لخفض الانفاق العسكري مبررا ذلك بعدم الحاجة اليها. فحسب رأي ترامب ان أمريكا لن تحتاج الى قواعد عسكرية للدفاع عن حلفائها فهي قادرة على الدفاع عنهم من الولايات المتحدة ذاتها فالحرب في عالم اليوم ليست كحروب الأمس فهذه لن تحتاج الى تجييش الجيوش. فبفضل التقدم التكنولوجي والسلاح النووي لا أحد سيقوم بغزو بلد آخر، فلن نقوم بإرسال قوات أمريكية لغزو روسيا هذا اذا كنا سنهاجمها , لكن لا أحد يتحدث عن ذلك أصلا لذا فلنكن واقعيين. وكان قبل ذلك قد صرح بأنه ينظر الى بناء علاقات ايجابية مع روسيا والصين الشعبية وانه ليس ضد روسيا بل معها.

وعلى عكس توجهات المرشحة الحالية عن الحزب الديمقراطي السيدة هيلاري كلينتون يعارض السيد دونالد ترامب التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى وتغيير الأنظمة في الدول التي تنتهج سياسات مستقلة عن نفوذ الولايات المتحدة. ففي معرض حديثه عن جمهورية أوكرانيا التي تعتبر ضحية لسياسة التدخل التي ينتهجها الرئيس الحالي أوباما قال: " نحن نحارب في أوكرانيا. أنا لم أسمع أبدا ببلد آخر يحارب في أوكرانيا غيرنا فنحن نحارب هناك بصورة دائمة. نحن الذين نصدر أوامرنا لهم أخرجوا من هنا، افعلوا هذا أو ذاك وأنا أعرف أن أوكرانيا بعيدة جدا عن الولايات المتحدة. كيف لدول مجاورة لأوكرانيا أو قريبة منها تسمع بذلك ولا تحتج؟ أنا لم أسمع أي شيئ من أي جهة عن أوكرانيا عدا الولايات المتحدة. فلماذا بحق السماء نحن هناك في أوكرانيا؟ هل هناك بلد واحد انتفع اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا من تدخل واشنطن غير النزيه وغير المقبول؟ على الحكومة الأمريكية أن تحل مشاكلنا نحن قبل أن تعلم الأمم الأخرى كيف تتصرف. "

وتعبر تصريحات السيد دونالد ترامب هذه عن الجزع من قيام حكومات الولايات المتحدة بدور الشرطي العالمي والحاكم المطلق الصلاحية في التدخل في شؤون الدول الأخرى بصرف النظر عن تكاليفها المادية والاجتماعية التي يتكبدها المجتمع الأمريكي ومجتمعات تلك الدول وأمثلة الصومال وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن حية أمامنا.

أثارت تصريحات ترامب هذه ضجة عنيفة وغضبا ضده عبرت عنها صحيفتا النيويورك تايمز والواشنطن بوست الأمريكيتان حيث قال عنه كاتب العمود في النيويورك تايمز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد البروفيسور بول كروكمان أنه "مرشح سايبيريا" وتساءل، قائلا: هل سيكون ترامب رجل بوتين في القصر الأبيض؟ فيما قالت آن أبليبوم في الواشنطن بوست بأن ترامب هو " مرشح منشوريا في البيت الأبيض". المحافظون الجدد في الحزب الجمهوري والديمقراطي اعلنوا عن معارضتهم لأطروحات دونالد ترامب جملة وتفصيلا وقد وعدوا بعدم التصويت له، بل الوقوف خلف مرشحة الحزب الديمقراطي فهي أفضل من يخدم اهدافهم في القصر الأبيض.

لكن على ما يبدو ان شعبية ترامب تزداد رغم تصريحاته الحادة حول موضوع منع المسلمين والمكسيكيين من دخول أمريكا. وأكثر ما يجذب الأمريكيين اليه هي توجهاته الرامية لتشجيع رؤوس الأموال الأمريكية المستثمرة في الصناعة في الدول الاجنبية للعودة الى البلاد لتحسين أداء الاقتصاد الأمريكي وحل مشكلة البطالة وادارة العلاقات السياسية مع روسيا والصين بما يخدم المصالح المشتركة وادانته لسياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى واعلان الحرب عليها وهو ما يخدم تعزيز الأمن الدولي.

ان قضية استباب الأمن الاقليمي والسلام في العالم وصيانتهما وهما أمران كما نلاحظ يتعرضان للتآكل بفعل تزايد بؤر التوتر في عدة مواقع جغرافية في العالم. ففي ظل الرئيس الحالي للولايات المتحدة وبخاصة في الحقبة الأخيرة من ولايته الثانية تعززت سياسة العداء لروسيا والصين الشعبية وتتوالى لهجة التهديدات العدائية من جانب اليمين الأمريكي والقادة العسكريين الكبار ضد الدولتين بنفس الوقت الذي يدفع بالقطع العسكرية من السفن الحربية والغواصات حول الحدود الاقليمية وفي المياه الدولية في كل من البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والبلطيق وبحر الصين. وخلال ذلك سمح لليابان بالتسلح وتحريك سفنها البحرية الى خارج مياهها الاقليمية لأول مرة منذ استسلامها للحلفاء نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي أوربا يعزز حلف الناتو قواته في دول شرق ووسط أوربا المجاورة لروسيا بعد نشر قواعد للصواريخ متوسطة المدى في بعضها القادرة على ضرب العاصمة موسكو خلافا للاتفاقات المعقودة بين الولايات المتحدة وروسيا اثر حل حلف وارشو وتفكيك الاتحاد السوفييتي. لكن لن يغمض لنا جفن وننام مطمئنين قبل التاسع من شباطفبراير من العام القادم عندما يباشر الرئيس الجديد أعماله لنتثبت من الوعود التي قطعت للناخبين وفيما اذا كنا قد خدعنا هذه المرة ايضا كما علمتنا الانتخابات الأمريكية السابقة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1