تحولات مصادر التشريع والقيم في الرأسمالية....

لقد ظلت أميركا متأرجحة وفق المؤرخ الأميركي هنري آدمز بين جاذبية الصناعة وجاذبية أميركا الرأسمالية، لكنها حسمت الأمر في العام 1893م لصالح النظام الرأسمالي الذي امتدت تأثيراته وهيمنة مفاهيمه على كل المجالات في الحياة الأميركية وأذعنت كل المؤسسات الأميركية إلى مخطط واعتبارات الرأسمالية.

هكذا تغولت القيم الرأسمالية الحافة بالمال والثروة والمحفزة للربح واستحواذ مفهوم المصلحة على العقل الأميركي الذي صاغه المبدأ الذرائعي أو البراغماتي ومجالاته التي ركز عليها في التربية وعلم النفس من أجل التبرير والتربية وفق قيمه. فالمنفعة–المصلحة تبرر الموقف والسلوك الأميركي وتشرع له ذاتيا في خوض الموضوعات التي تعود عليه بالفائدة، وهنا تبرز الفائدة المالية بقوة.

لقد جاءت تلك المفاهيم على أنقاض القيم المؤسسة التي سعى إلى إرسائها الآباء المؤسسين للدولة الأميركية، والتي كانت متأثرة جدا بالأفكار التنويرية والأخلاقية التطهرية المسيحية، لاسيما وأن تعاليم العهدين القديم والجديد كانت تمارس صياغتها لعقول هؤلاء المؤسسين، لقد تحدث الرئيس توماس جفرسون في العام 1789م في خطابه الرئاسي عن المهمة التي أوكلها الله إلى الشعب الأميركي، ثم جاء الرئيس جورج واشنطن ليعلن في خطابه الرئاسي في العام 1801م أن "الأميركيين شعب الله المختار" لكن بعد هيمنة الرؤى الرأسمالية واستحواذ البراغماتية على توجهات العقل الأميركي تحدث الرئيس تيودر روزفلت عن "أمركة العالم....وأنها....مصير وقدر أمتنا".

إن أمركة العالم لم تعد تلك الرؤية الدينية–المسيحية التطهرية الهادفة الى خلاص العالم والانسان كما يسوغها العقل الأميركي المؤسس الذي كان يطمح الى إقامة مجتمع مؤسس على تعاليم الكتاب المقدس، بل إنها أمركة ووفق مبدأ البراغماتية تقوم على ضمان مصالح أميركا العليا وهيمنتها المطلقة على العالم.

وفي تطورات تلك التحولات كانت هناك مراجعة مبكرة في مصادر التشريعات الأميركية تدخل في غمرة نقاش فاعل تغلبت فيه أخيرا الرؤية البراغماتية والممثلين لها من فلاسفة وكتاب، لقد صرح وليم جيمس أحد منظري البراغماتية الكبار "هل لنا أن نزعم أن مثلنا العليا هي مصدر التشريع؟ لا.. علينا أن نلقي بها جملة مع بقية المثل العليا ألأخرى... لكن ما هو المحك؟ ماهية الخير ببساطة هي إشباع الحاجة وهذه الحاجة قد تكون أي شيء تحت الشمس" وفي مناقشة الحالة التي تدعو إلى الحفز والكف وهي تدخل في مناقشات علم النفس فان جيمس يقول "إذا شئنا إسما واحدا للحالة التي تتوقف عليها صفة الحفز والكف للموضوعات فاني أفضل اسم المصلحة"، وهي مسألة جدا طبيعية وبديهية في حياة الانسانية لكن خطورتها تكمن في التنظير لها وأدلجتها باتجاه فكري معين هنا هو البراغماتية – المنفعة، إنها في هذه الحالة تخرج عن منطق الطبيعي في الأشياء الى منطق التوظيف لها من أجل الأشياء، إنها تمنح تبريرا ثقافيا بعد استلاب طبيعتها باتجاه منح الأولوية للمصلحة بصيغتها المادية والمالية على حساب القيم العليا والطبيعية بثوابتها الإنسانية، وهو ما دعا العقل الأميركي – الليبرالي إلى إعادة النظر في طبيعة وبديهية هذه القيم لاسيما قيم الحق والعدل والخير وترويضها ثقافيا ومن ثم أدلجتها باتجاه مبدأ المصلحة أو المنفعة.

الليبرالية وأدلجة القيم العليا باتجاه البراغماتية أو النفعية

في المنطق الطبيعي تتداخل القيم الثلاث الحق والعدل والخير وينضاف اليها الجمال كعنصر متمم لها، لكن اللبرالية وبحدودها القانونية وتغليب الحقوق الفردية تغليبا مركزيا وفق مايكل ساندل، ألجأتها إلى تفكيك العلاقة العضوية بين الحق والعدل والخير ووضع المسافات الفاصلة بين الاولويات لها، فاللبرالية وفق ساندل تطمح الى أولوية الحق على الخير بعد تضييق مفهوم الخير لديها الى حدود الخير المسيحي المرتهن بالأيمان المسيحي، والذي يحيله الى سلطة الكنيسة في توجيهه وتقييمه. وبهذا يشهد مفهوم الخير كمفهوم طبيعي وبديهي تغييبا في الفهم اللبرالي- المادي لمعنى الخير المجرد.

ثم يعمد ساندل الى فصل العدل عن مفهوم الخير بعد تقديمه العدل كأولوية في المثل الاخلاقية والسياسية وفق قوله وفي منطقه يدمج أخلاقية اللبرالية - المنفصلة لديه عن الخير- بالسياسة، فالأطروحة السياسية في اللبرالية تقوم على اعتبار الخير شأن خاص لكل فرد باستطاعته أن يتبنى مفهوما حول الخير يرتبط بأهدافه وتصوراته ومصالحه الخاصة، وبما أن الاهداف والتصورات والمصالح مختلفة لدى أفراد المجتمع كل على حدة فلا يمكن والحالة هذه أن يتبنى المجتمع تصورا أو مفهوما مشتركا للخير وذلك تبرير تنقصه القدرة على رؤية الخير مجردا من المصالح أو من تمثلاته الخاطئة أحيانا، وبذلك يتم تغييب مفهوما مشتركا للخير بين البشر. ومن هنا تبدأ اللبرالية بعد تغييب المفهوم المشترك للخير، وبعد المغالطة بين الخير المنظور أيديولوجيا–مسيحيا وبين الخير الطبيعي والبديهي أو الخير المجرد، تبدأ بإزاحة أي تصور مسبق أو مجرد للخير في منطلقاتها، بل ترسخ أسبقية مقولة الحق باعتباره مقولة "أخلاقية مسلم بها قبل الخير ومستقلة عنه " ساندل، هنا يكمن الخلل اللبرالي – الإنساني بالفصل بين الحق والخير على مستوى المفاهيم.

إن اللبرالية – الرأسمالية تتعمد إغراءا أخلاقيا أمام الإنسان الحديث فتصيبه بنوع من الضلال، فالحق أعظم قيمة وبداهة في مضامين وتضمينات الخير، والفصل الذي تمارسه اللبرالية في تلك المضامين وتقديم أولويات التضمينات وهنا الحق، يحيل اللبرالية الى تناقضات بنيوية. فإذا كان " الخير العام ذاته لايمكن أن يسمو على الحقوق " وفق ساندل - وهنا يقصد بها الحقوق الفردية التي تضمنها اللبرالية - فان احتمالات المواجهة تظل قائمة بين الخير العام والحقوق، فقد يكتسب الفرد حقوقه قانونيا، لاسيما وأن الحق اللبرالي هو ذي صيغة قانونية، لكنه قد يكون على حساب مصالح ومنافع أفراد آخرين.

هنا يمكن للفرد اللبرالي أن لايراعي تلك المصالح والمنافع للآخرين، لان تلك المراعاة ترتبط بالخير العام، هو مكلف أيديولوجيا- رأسماليا أن يقدم الحق على الخير، وتلك أزمة الرأسمالية ألأخلاقية الي عانى منها العالم على مدى تاريخها. ما يهمنا أن تقويض مفهوم الخير في المجتمع الرأسمالي – الأميركي قد عمق من شرخ اللامساواة، فاذا كانت الحقوق الفردية، وهنا حق المساواة، لا تنبعث من مفهوم الخير العام ولم تستبطن ذلك المعنى الأخلاقي للخير المجرد واكتفت اللبرالية بالضمانات القانونية في تطبيق المساواة، فان القانون يشغل المساحة الظاهرة في علاقة الفرد بالسلطة والدولة، ولا يتحول إلى رقيب داخلي أخلاقي إلا بحكم التربية على مبادئ الخير، فالموقف من التمييز العرقي والتفرقة العنصرية هو موقف أخلاقي صرف يستند الى مفاهيم الثقافة وقناعات الافكار، ومبادئ الخير العام هي المسؤولة عن ترويضها وكبح جماح نزوعها باتجاه التمييز والتفرقة باعتبارها تدخل في قيم نقيضة للخير الطبيعي والبديهي، فالإنسان لم يصدر عن الطبيعة الانسانية في التمييز والتفرقة العنصرية، بل يصدر عن ثقافة وفكر طارئ رغم محاولات المنظرين العنصريين إرجاع التمييز الى حكمة الطبيعة.

اللبرالية والعبث بمفهوم الرحمة

لم تكتف اللبرالية بفصل الحق عن الخير بل سعت الى فصل العدل عن الخير، رغم العلاقة الوثوقية بين العدل والخير. فاذا كان الحق مبدأ أساسيا في الخير فان العدل هو سياسة الخير في الحياة والبشر، بل تنتهي اللبرالية الى فصل آخر مستديم بين الحق والعدل، فالعدل من وجهة نظر لبرالية لا يتقوم بالحق المجرد وفق ساندل، بل هو غاية في حد ذاته وليس متفرع أو منبعث عن غايات خيرة مسبقة بما فيها الحق، والمعيار الاساس في تبرير العدل وضرورته وللتعويض عن مفهوم الخير تلجأ اللبرالية الى معيار المنفعة الذي تتقوم به مناهج البراغماتية الاميركية في تبرير العدل، فالعدل مهم وضروري وأكثر قدسية وإلزاما على الاطلاق ضمن الاخلاق كلها وفق ستيوارت مل، لأنه يمثل أعلى درجات سلم المنفعة الاجتماعية مما يجعله أكثر الواجبات قيمة في استنتاج مباشر يقود اليه ستيوارت مل، لان العدل لا يتعدى في التفكير البراغماتي عند ستيوارت سوى ضمانه للمصالح العامة والخاصة وبالقانون الجاف في منابع الرحمة التي تنتمي الى مبادئ الخير، أن الرحمة توازي العدل في هذه المبادئ، لكنها تعرضت الى الازاحة في الفكر اللبرالي – البراغماتي وأكتفت بالعدل الذي لا يستقيم السير به إلا مع الرحمة.

لكن العدل اللبرالي كان يصاغ لبراليا بتجرده وفصله عن الحق بعد فصله عن الخير والرحمة، يقول ستيوارت مل "إني أتخلى عن أي فائدة قد تخدم حججي تكون مستمدة من فكرة الحق المجرد كفكرة مستقلة عن المنفعة، إني أعتبر المنفعة آخر ماتؤول اليه جميع المسائل الاخلاقية" ومن أجل صياغة استراتيجية لهذا البديل اللبرالي الاخلاقي يجد مل تبرير ذلك في وضع معنى للمنفعة "بأوسع معانيها من حيث هي قائمة على مصالح الانسان الدائمة ككائن يتطور" هنا تتحول المصلحة الى قيمة عليا وفائقة لا تعلو عليها قيمة وتتموضع كل القيم دونها.

ترى ألا يقود ذلك الفهم اللبرالي–الايديولوجي والاقتصادي للمصلحة الى مزاحمة التصورات الانسانية الاخلاقية، وأخيرا تطيح بالعلاقات الانسانية التي لا تقوم على المصالح والمنافع مما يخلف فراغا قيميا وأخلاقيا انسانيا يعبث بمفهوم الرحمة ويحيله الى مبدأ غير نافع أو غير مجدي، فيتبدى العنف والازدراء والاحتقار نتاج عن هذه الازاحة المتعمدة للعلاقة المتداخلة للحق والعدل والخير، وتفكيك العلاقة العضوية بين هذه المتداخلات الثلاث، باختصار الحق بالقانون، والعدل غاية بذاته، وإزاحة الخير من المجال العام الى الشأن الخاص، وبإزاحته يخرج معه حليفه ولصيقه مبدأ الرحمة فيغدو عالم الرأسمالية وعالم المنفعة الخاص بهما عالم بلا رحمة...

ذلك ماترصده وتحكيه تجربة قرن ونصف من الزمان حيث الحروب الكونية المدمرة والحروب الاقليمية المستمرة والنزاعات الاهلية المتكررة والأزمات العصية على الحلول، إلا إذا إستجابت تلك الحلول الى مصالح الرأسمالية الصناعية وخضعت الى شروط السوق الحرة وهيمنة الولايات المتحدة الاميركية سياسيا واقتصاديا. التي شملت سياساتها ومخططاتها كل شيء إلا الرحمة التي خلت منها أيديولوجيا وتاريخيا وسياسيا...

.......................................
المصادر...
1- العقل الأميركي يفكر، جلال شوقي
2- اللبرالية وحدود العدالة، مايكل ج- ساندل

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0