على بعد مئات الكيلومترات عن بغداد، حصل انقلاب في أنقرة، كان إيقاع الصخب والفوضى الحاصل في أرض تركيا، نفسه يتردد في أرض بغداد، ولا أبالغ إذا قلت، أن أرض قارة بأكملها كانت تعيش الإيقاع ذاته إن لم يكن العالم أجمع، في السابق عندما كان يحدث انقلاب في العراق (في حقبة الانقلابات)، كانت بغداد فقط والمدن القريبة منها تعيش أجواء الانقلاب، ثم سرعان ما تختفي مؤثراته وتظهر نتائجه الى الملأ.

اليوم بعد أن نسيَ العالم خاصة الشرق الأدنى، والعالم المتمدن أيضا، رائحة الانقلابات التي كانت تزكم الأنوف بسبب شدتها، تعود هذه الرائحة لتنتشر في دول المنطقة وبين شعوبها، فالانقلاب حدث في أنقرة، لكن دول وشعوب الشرق الأدنى كلها عاشت لحظات ودقائق وساعات ومواقف هذا الانقلاب، العراق كله يراقب وأعني الشعب، وخاصة المتابعين والمعنيين بالسياسة والاقتصاد، ليس بالضرورة أن يكون صاحب مصلحة مباشرة، تربح او تتضرر، وإنما الضرر او الربح قد يطول دول وشعوب المنطقة كلها.

سوريا تراقب أيضا، وتعلن مواقف متقلبة، إيران كلها تراقب، ومصر، والسعودية والكويت وقطر والإمارات واليمن، هذه الشعوب عاشت ليلة انقلابية وكأنها في قلب الحدث، هذا يعني أن درجة التداخل بين هذه الشعوب بات من النوع الحاسم، فما يجري في انقرة ينعكس على بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة والرياض والكويت وابوظبي والدوحة والمنامة، وهذا يعني أننا ندشن بانقلاب أنقرة الجديد مرحلة او حقبة جديدة يمكن أن نسميها (حقبة الانقلابات الجديدة).

نحن في الحقيقة واقصد دول وشعوب (الشرق الأدنى)، كنا قد نسينا (الانقلابات)، واسترحنا منها، وشعرنا أنها انتهت الى الأبد، وأننا (خاصة في العراق)، قد دخلنا في عصر جديد راقي مستقر واثق اسمه (عصر الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة)، فللمرة الأولى منذ عدة عقود، يخوض الشعب العراقي عدة دورات انتخابية نيابية واخرى خاصة بمجالس المحافظات، وتحول الصراع من (مسلح، وفرض الرأي بالقوة) الى تنافس عبر صناديق الانتخاب والاقتراع.

وهناك فارق كبير بين الأسلوبين، فالأسلوب الأول ينتمي الى عصر (الهمجية) والاستبداد والقوة الغاشمة (ونعني به عصر الانقلابات)، والأسلوب الثاني ينتمي الى عصر (الديمقراطية والحرية) وهو أسلوب الوصول الى السلطة عبر الاقتراع، وقد جربناه هنا في بغداد منذ عقد وأكثر من السنوات، ومع كل ما رافق هذه المرحلة الجديدة من خسائر وتضحيات (خاصة استهداف الإرهاب للشعب والدولة العراقية)، إلا أن الفائدة القصوى التي تحققت هي مغادرة عصر الانقلابات الى الأبد.

ولكن في عودة (انقلاب أنقرة) قد يتم فتح بوابات كبيرة لموجات جديدة متلاحقة من الانقلابات، فنعود الى المربع الأول، ونبدأ النضال نحو الحرية من جديد، ونجد أنفسنا في خضم صراع جديد مع القوة والقمع والاستبداد، إننا في الحقيقة لا ننظر الى ما حدث في أنقرة ليلة أمس على انه حدث تركي داخلي، إننا نفكر بإيجاد تجانس وإيقاع منسجم يضم (دول الشرق الأدنى) كله في إيقاع واحد منسجم متناغم، رافض لفرض الارادة والرأي بالقوة، ولا يقبل السيطرة على السلطة بالقوة الغاشمة والانقلاب العسكري، بغض النظر عن (سياسة اوردغان).

هذا الرجل (اوردغان) ومستقبله، لا يعنينا بقدر ما تعنينا النتائج اللاحقة لعودة الانقلابات، ودخول دول المنطقة في دوّامة جديدة من الاستحواذ على السلطة بالقوة الغاشمة، اننا نرفض هذا الأسلوب، ونريد أن نرسخ ونكرس النظام الديمقراطي السلمي لتداول السلطة، فهل ستعي دول (الشرق الأدنى) أهمية هذا الهدف، وأهمية حاجة دول المنطقة له؟، هذا السؤال ينبغي علينا الإجابة عنه ليس بشكل منفرد، بل على جميع دول (الشرق الأدنى) أن تجيب، هل هي مع سياسة الانقلابات العسكرية، أم مع سياسة تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع؟؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1