ان تكلفة محاربة تنظيم (الدولة الاسلامية/ داعش) في العراق كانت ولا زالت باهظة الثمن، وكما صرح رئيس الوزراء العراقي السيد "حيدر العبادي"، وكبار القادة والزعماء السياسيين العراقيين، ان العراق يحارب تنظيم داعش بالنيابة عن العالم، وهو لا يستطيع القيام بهذا الدور لوحده، من دون مساعدة المجتمع الدولي له، سيما وان تدني اسعار النفط الاخيرة قد القت بظلالها القاتمة على الاوضاع الاقتصادية حيث تكافح حكومته لتدارك العجز المالي الكبير في الميزانية المتوقعة للعام الحالي، والتي تجاوزت نسبة العجز فيها (46) ترليون دينار عراقي، وهو امر قد يؤدي الى نتائج كارثية، في حال استمرت اسعار النفط بالاتجاه نحو الهاوية.

وقد شكلت الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي، التحالف الدولي (الذي انضمت اليه 60 دولة غربية منها دول عربية) لمساعدة العراق في تصديه لتنظيم داعش والجماعات الاخرى التي تحالفت مع التنظيم، لتنفيذ هجومها الكبير (في بدايات حزيران الماضي)، قادمة من داخل الاراضي السورية باتجاه شمال وغرب العراق، لتسيطر على مساحة تقدر بـ(55) الف كيلومتر (في 6 محافظات تقريبا)، من اجمالي مساحة العراق البالغة (437) الف كيلومتر، والتي لم يستطع هذا التحالف الدولي والقوات الامنية العراقية المدعومة من المتطوعين، استرداد سوى (700) كيلومتر منها او ما يعادل (1%) من مجموع الاراضي التي يسيطر عليها التنظيم، بحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، الذي اشار ايضا الى تعرض التنظيم الى خسائر مالية كبيرة، اضافة الى تحوله الى الموقف الدفاعي بدلا من الهجومي السابق، لكنه اكد انه "بالرغم من هذه المؤشرات إلا أننا نعتبر أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال قوياً في العراق وسوريا، فنحن قلقون دائماً لأن الحرب ضد التنظيم ستكون طويلة".

بالمقابل فان ايران، التي تعتبر العراق مجال استراتيجيا لمصالحها العليا، مارست دورا مهما في العراق منذ عام 2003، تراوح بين دعم الجماعات الشيعية المسلحة التي قاومت القوات المحتلة (الولايات المتحدة الامريكية) وبين تقوية نفوذها السياسي داخل الحكومة العراقية، وهو امر اقلق الولايات المتحدة الامريكية (في ظل حكومة بوش الابن)، بعد رجحان كفة ايران داخل العراق على حساب كفة الولايات المتحدة الامريكية، واشار بعض المراقبين الى تفوق النفوذ الايراني داخل العراق (في بعض الفترات) لنسب قد تصل الى 60%، مقابل 30% للولايات المتحدة الامريكية، و10% لأطراف اقليمية اخرى ابرزها السعودية وتركيا، خصوصا في فترة حكم رئيس الوزراء العراقي السابق السيد "نوري المالكي"، وربما دفع هذا الامر، الى تخلي الولايات المتحدة الامريكية عن دعم السيد "المالكي" للترشح لولاية ثالثة، والاكتفاء باختيار شخصية توافقية قد تعيد التوازن الى "ميزان القوى"، الذي تعتبره الولايات المتحدة الامريكية مطلبا ضروريا قبل الشروع في تقديم اي مساعدة عسكرية او سياسية للحكومة العراقية القادمة، وهو ما حصل فعلا وبصورة مباشرة بعد ترشح العبادي الى رئاسة الوزراء وبموافقة جميع الاطراف السياسية في العراق.

ويرى الكثير من المحللين ان الولايات المتحدة الامريكية قد لا تعترض على دعم ايران للحكومة العراقية، او زيادة نفوذها السياسي في العراق ما لم تتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها الولايات المتحدة الامريكية داخل العراق، كما ان مشاكلها مع الاصلاحيين (داخل ايران، سيما وانها دخلت بمفاوضات مباشرة معهم حول الملف النووي الايراني)، لا تقارن بالمحافظين او من تصفهم بالمتشددين (داخل ايران)، وتفترض، ايضا، من السيد العبادي ان يحدد الادوار التي يمارسها الطرف الثاني من دون تجاوز الخطوط الخاصة بالولايات المتحدة من جهة، وان يوازن بين جميع الاطراف الفاعلة في العراق دون الميل لجهة دون اخرى، ويعتبر هذا الامر من الناحية العملية، من المعادلات السياسية المعقد للغاية، كونه يحتوي على الكثير من التداخل.

اهداف مشتركة

ولا يبدو المشهد الكلي قاتما بالنسبة لتعاون محتمل بين الولايات المتحدة الامريكية وايران في العراق، في ظل وجود العديد من الاهداف والمصالح المشتركة للطرفين في دعم الحكومة الحالية في مساعيها الداخلية والخارجية، وذلك لوجود:

1. خطر تنظيم داعش الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة الامريكية وايران في العراق على حد سواء.

2. سير المفاوضات الجارية للاتفاق على الملف النووي الايراني، وهو امر راهن عليه الرئيس الامريكي "باراك اوباما" والرئيس الايراني الاصلاحي "حسن روحاني"، رغم المعارضة الشديدة من طرف المحافظين لكلا البلدين.

3. المصالح الاخرى للطرفين (ايران والولايات المتحدة) خارج العراق، سيما في منطقة الخليج وسوريا ولبنان وغرب اسيا...الخ، والتي قد تتضرر في حال لم يتم التوصل الى توافق لتوازن النفوذ داخل العراق.

4. العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية ضد ايران، خصوصا وان الاخيرة في امس الحاجة لتخفيف هذه القيود التي خنقت اقتصادها.

ويبدو ان العراق والحكومة الحالية برئاسة "حيدر العبادي" ستلعب دورا كبيرا في تحقيق هذا التوازن ومن ثم حفظه، من دون ان يكون هناك اي تعدي لطرف على حساب الطرف الاخر، لكن هذا الامر ربما يعتمد على مقدرة المتشددين من خلط الاوراق والدخول من الابواب الخلفية واستخدام نفوذها الغير معلن في عدم السماح لعقد مثل هكذا توازنات مستقبلية قد لا تصب في مصالحهم الخاصة، ما يعني العودة الى المربع الاول، خصوصا في ظل ارتفاع وتيرة الضغوط الحالية الممارسة على الرئيسين (الامريكي والايراني) من قبل المحافظين ما يجعلهما في موقف ضعيف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0