لا تزال اصداء خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي تطرق اسماع العالم، فالخسائر الاقتصادية والسياسية كبيرة جدا والتي قد تؤدي الى تفكك انجح تكتل قاري في العالم خلال القرن العشرين، حيث كانت الكثير من الدول تطمح الى تقليده ليصبح في لحظة تصويت بريطانية في مهب الفشل والتساؤلات عن مدى رصانة النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي. وفي المقابل تتجه الانظار نحو الشرق مع صعود العملاق الصيني الذي صارع الغرب بأوج قوته، فما بالك مع الفوضى الحالية؟ هل العالم يتجه شرقا؟.

بغض النظر عن كل ما سيحصل في بريطانيا سواء بإعادة الاستفتاء او رفضه من قبل النواب البريطانيين بحسب ما اشيع في بعض وسائل الاعلام، فان الامر المؤكد ان بريطانيا واوربا قبل الاستفتاء لم تعد كما بعدها، فصورتهما قد تعرضت لتشققات كبيرة، بفعل انكشاف الكثير من الثغرات المميتة في الاتحاد الاوربي.

بريطانيا تربطها علاقة قوية بالولايات المتحدة الامريكية ووجودها في الاتحاد الاوربي يمثل النفوذ الامريكي في المؤسسة الاوربية الكبرى، او انها تمثل اكثر المنحازين للقرار الامريكي، وبالتالي فان خروجها سيؤثر حتما بمدى تأثير واشنطن في بعض القضايا المطروحة على الساحة الاوربية، الا ان الغريب في الامر ان يفرح مرشح الجمهوريين للبيت الابيض دونالد ترامب وصاحب الحظ الاوفر للوصول للرئاسة ليحتفل بهذا الخروج لاهم حليف لبلاده في القارة الاوربية. وهذا جزء من تصريحات ترامب الطائشة التي تؤكد عدم خبرته في تقدير القضايا الدولية الفاعلة بسبب قلة خبرته في مجال السياسة بشكل عام، الا انه وبكل الاحوال سيؤثر في ارتباك المعسكر الغربي بصورة عامة في الوقت الذي يصعد فيه نجم دول شرقية على رأسها الصين وروسيا والهند.

الزعماء الاوربيون الذين يستشعرون المخاطر المستقبلية من صعود الاحزاب المتطرفة على المعسكر الغربي لم يخفوا امتعاضهم من تصريحات المرشح الجمهوري ترامب فقد وصفه رئيس الوزراء البريطاني في كانون الاول الماضي بانه "مثير للخلاف وأحمق ومخطئ". بسبب دعواته لفرض حظر مؤقت على دخول المسلمين للولايات المتحدة الامريكية، اما رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا هولاند فعبر عن مخاوفه من انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة. فقد قال في مقابلة صحفية نشرت في الرابع والعشرين من شهر حزيران بان انتخاب الملياردير دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة -في حالة حدوثه- يمثل احتمالاً خطيراً في جعل العلاقات الاوربية مع واشنطن شائكة.

اذن فهذه الامثلة تعطي اشارات بان الخلافات المتزايدة بشكل واضح في المعسكر الغربي الليبرالي قد تؤدي الى نهاية غير سعيدة لهذا المعسكر صاحب التأثير الاكبر في الساحة العالمية منذ الحرب العالمية الثانية، ويتفق مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد الأمريكية، ستيفن والت، مع هذا الكلام حيث يرى والت أن النظام العالمي الليبرالي بدأ يتهاوى.

وفي اشارة منه الى مواقف المرشح الجمهوري دونالد ترامب. قال الكاتب ستيفن والت أنه وبينما صوتت بريطانيا العظمى الآن لمغادرة الاتحاد الأوروبي؛ فان أحد الأحزاب السياسية الرئيسية في أمريكا على وشك أن يرشح مرشحًا رئاسيًا يشجب علنًا التسامح الذي يعتبر أساسيًا لمجتمع ليبرالي، ويعرب مرارًا عن المعتقدات العنصرية ونظريات المؤامرة التي لا أساس لها، بل وشكك في فكرة وجود سلطة قضائية مستقلة. بالنسبة لنا، نحن الملتزمين بالمُثُل الليبرالية الأساسية، هذه ليست أوقاتًا سعيدة.

وفي الوقت الذي يستعد الغرب الى تحضير مجلس عزاء سيطرته على العالم، اندفعت الصين خطوات نحو مليء الفراغ وتاكيد قدرتها ليس على المنافسة فقط بل وعلى تصدر المشهد العالمي، وفي هذا السياق يتحدث مقال على موقع بلومبيرج عن المكاسب التي ستجنيها الصين من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ففي الوقت الذي أحدثت فيه نتيجة الاستفتاء زلزالًا ضرب القطاع المالي البريطاني، وأطاحت برئيس الوزراء ديفيد كاميرون، وتسببت في انهيار الجنيه الإسترليني، كانت الصين هي أكبر الرابحين. ويقول الموقع إن الاتحاد الأوروبي عانى كثيرًا وهو في أوج مجده وقوته من مجاراة اقتصاد العملاق الصيني. والآن وبعد تفككه، ما عاد بإمكان الاتحاد كبح جماح صعود الصين على المسرح العالمي.

روسيا هي الاخرى الطامعة للأمجاد الامبراطورية بقيادة فلادمير بوتين عادت لتتصدر المشهد مرة اخرى وبالتزامن ايضا مع ارتباك المعسكر الغربي ففي الوقت الذي احدث تدخلها في سوريا عام 2015 زلزالا لدى القوى الاوربية الكبرى، جاءت تصالحها مع تركيا ليزيد من محنة القارة العجوز التي لم تضمد جراحات العملية القيصرية لبتر احد اكبر اعضائها قوة وتأثيرا على الساحة العالمية. فعودة العلاقات التركية الروسية تعني سقوط احدى اوراق الضغط الاوربية على روسيا فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية بالتحديد. ومع عودة التبادل التجاري بين انقرة وموسكو يضعف تأثير العقوبات الاوربية على روسيا وهو ما يفسر صعود الروبل مباشرة مع الاعتذار التركي لروسيا.

منذ سنوات والعالم يتابع صعود الصين الى الواجهة العالمية من خلال تعاظم قوتها الاقتصادية والعسكرية، فضلا عن الحديث الدائم عن طموحات الرئيس الروسي فلادمير بوتين لإعادة امجاد الامبراطورية الروسية واقتطاعه جزيرة القرم وتدخله في سوريا تأتي في سياق الامثلة على طموحات بوتين، وكل ذلك كان يحدث بالتوازي مع الاستقرار الذي كان يعم المعسكر الغربي قبل صعود الاحزاب اليمينة المتطرفة اما الان فالأمر مختلف واوربا مشغولة بتضميد جراحها. فهل حان الوقت ليتجه العالم نحو الشرق؟ وهل يجب على العالم ان يطرق ابواب الخوف لا سيما ان انتقال القوة بين القوى العالمية لم يحدث دون حروب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2