كل المجتمعات الراسخة في وحدتها الوطنية، لم تصل إلى حالة من الرسوخ في وحدتها الوطنية إلا باحترام كل حقائق التنوع الموجودة في مجتمعها ووطنها

 

على المستوى الإنساني والاجتماعي، ثمة حقائق ثابتة وشاخصة لا يمكن النظر إلى الواقع الإنساني بدونها.. ولعل من أبرز هذه الحقائق، هي حقيقة الاختلاف والتنوع الثقافي الموجودة في الحياة الإنسانية.. ونظرة واحدة إلى الأطلس الأنثروبولوجي، نكتشف فيه أن التنوع الثقافي والديني والقومي والاثني من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها.. وعلى ضوء هذه الحقيقة فإن جميع المجتمعات الإنسانية تعيش حالة التنوع والتعدد على مختلف الصعد والمستويات..

فالمجتمعات المتحدة دينياً، بمعنى أن جميع أبناء المجتمع ينتمون إلى دين سماوي واحد، فإن هذا المجتمع المتحد دينياً، متنوع مذهبياً وقومياً وإثنياً.

وإذا كان المجتمع متحدا قومياً فهو متنوع دينياً أو مذهبياً أو إثنياً.. وعليه فإن التنوع في حياة المجتمعات الإنسانية من الحقائق الثابتة، التي لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها..

وكل الوحدات الاجتماعية والوطنية، لا تبنى على أنقاض دحر حقائق التنوع الموجودة في الحياة الاجتماعية، وإنما تبنى باحترام حقائق التنوع. فالوحدة القائمة على احترام حقائق التنوعات، هي الوحدة القادرة على استيعاب كل الخصوصيات وتجاوز نزعات الإلغاء لبعض التنوعات..

فحقائق التنوع في كل الدوائر، ليست حقائق مناقضة لوحدة المجتمع أو الوطن.. وإنما كل الأوطان والمجتمعات الإنسانية، لم تقبض على وحدتها إلا حينما احترمت حقائق تنوعها..

أما المجتمعات التي حاربت تنوعها بوصفه أحد شروط وحدتها، فهي لم تحافظ على ثروتها المعرفية والإنسانية، وفي ذات الوقت لم تبنِ وحدتها على أسس ومرتكزات صلبة ومتينة..

وعليه فإن طريق وحدة الأوطان والمجتمعات المتنوعة، هو احترام كل حقائق التنوع دون الانحباس فيها.. وعلى قاعدة هذا الاحترام يتم بناء حقائق الوحدة الوطنية والاجتماعية..

وفي الإطار العربي وبفعل عوامل عديدة ثقافية واجتماعية وسياسية، ثمة سلوك غير قويم في طريقة التعامل مع الاختلافات وحقائق التنوع وبين صيانة حقوق المختلف والمتنوع..

وفي أغلب الأحيان يكون الاختلاف في أي دائرة من دوائر التنوع مدعاة إلى عدم الاهتمام والعناية بحقوقه المادية والمعنوية..

بحيث يكون الاختلاف الديني أو المذهبي أو القومي أو الإثني مدعاة إلى تجاوز حقوق هذا المختلف سواء أكانت هذه الحقوق مادية أو معنوية.. لذلك فإن حقائق التنوع في المجتمعات العربية ليست من علامات القوة والمنعة، وإنما هي من علامات وجود مشكلات وأزمات تتعلق بطبيعة التعامل مع المجموعات البشرية التي تنتمي دينياً أو مذهبياً أو قومياً أو إثنياً غير ما تنتمي إليه أكثرية أهل المجتمع أو الوطن..

ودون الدخول في مضاربات فكرية أو أيدلوجية فإننا نرى أن المجتمعات العربية معنية ببناء مقاربة جديدة في طريقة تعاملها مع حقائق التنوع الموجودة فيها.. وهذه المقاربة لا تضحي بعزتها ووحدتها، وفي ذات الوقت لا تضحي بتنوعها الذي هو من الحقائق الثابتة في مجتمعها ووطنها. ونحن نرى أن المجتمعات المتنوعة التي بنت وحدتها الوطنية، لم تتمكن من بناء وحدتها الوطنية بالتضحية بحقائق تنوعها، وإنما بنت وحدتها الوطنية على قاعدة احترام كل حقائق التنوع دون أن ينحبس أهل هذه التنوعات بعيداً عن السياق الوطني الواحد والجامع لكل التنوعات.. ودائماً الدول الوطنية قادرة على بناء تجربتها الوطنية على أساس احترام كل التنوعات التي يحملها المواطنون..

وعلى أساس هذه القناعة الراسخة يتم صيانة حقوق كل المجموعات البشرية في السياق الوطني الواحد والجامع لكل المواطنين..

بحيث لا يكون الاختلاف في أي دائرة من دوائر الاختلاف مدعاة إلى عدم العناية بحقوقه المادية أو المعنوية..

وإن الوحدة الوطنية أو الاجتماعية، لا تبنى على أنقاض حقائق التنوع، وإنما تبنى باحترام هذه الحقائق..

وكل المجتمعات الراسخة في وحدتها الوطنية، لم تصل إلى حالة من الرسوخ في وحدتها الوطنية إلا باحترام كل حقائق التنوع الموجودة في مجتمعها ووطنها..

وعلى ضوء هذه الحقيقة نصل إلى قناعة فكرية أخرى، نابعة من كل التجارب الوحدوية على مستوى الأوطان والمجتمعات.. وهي أن الذي يقف ضد حقائق التنوع، هو ذاته الذي يقف ضد وحدة الأوطان والمجتمعات. لأن الذي يقف ضد حقائق التنوع، يريد الوطن بمقاسه الاجتماعي والأيديولوجي.. والأوطان لا تبنى بمقاس واحد من أبناء الوطن، وإنما تبنى بمقاس الجميع.. وعليه فإن الذي يحارب حقائق التنوع لن يكون سنداً قوياً في مشروع الوحدة الوطنية.. وعليه فإننا نرى أن الأولوية بالنسبة لجميع أبناء الوطن الواحد، هي تعزيز الوحدة الوطنية وتصليبها أمام كل المخاطر والتحديات..

ولا تصليب واقعيا للوحدة الوطنية، إلا بمقاربة فكرية واجتماعية وسياسية لظاهرة التنوع الموجودة في المجتمع.. فحينما نحسن التعامل مع حقائق التنوع الموجودة في المجتمع، فإن التعامل الحسن ينعكس إيجاباً على مستوى صلابة ومتانة الوحدة الوطنية والاجتماعية..

لذلك كله تعالوا جميعاً نعزز وحدتنا الوطنية عن طريق التعامل الحضاري مع حقائق التنوع في مجتمعنا.. والتعامل الحضاري ليس مقولة هلامية، وإنما هو يعني الاحترام، وبناء السياق الوطني بعيداً عن التعصب وبث الكراهية، حتى يشعر الجميع بالطمأنينة والاستقرار النفسي والاجتماعي..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1