الاسطورة هي تلك الحكاية التي تتشكل في الخيال وتهيمن قوى الطبيعة على مجريات الحدث فيها وتظهر تلك القوى بشكل آلهة او كائنات خارقة، وتحيل حكايات الشعوب القديمة والبدائية لها كل الفعل الوجودي في محاولة منها لتفسير الحدث التاريخي، فتقرن الملوك وممالكهم ووقائع ولادتهم ونشأتهم وتسنم الملك كحدث تاريخي الى تبني الآلهة لهم باعتبارهم أبناء آلهة أو أنصاف آلهة كفعل وجودي تمارسه هذه الآلهة في ترتيب الوجود التاريخي للانسان، وكل أحداث التاريخ فأنها بالمحصلة تعود الى تفسير أسطوري يقرنها بأثار قوى الطبيعة التي ظلت تتشكل كآلهة في الذهنية البدائية والقديمة.

ومثلما لعبت الاسطورة دورا أساسيا في توجيه الفكر القديم، فانها كذلك لعبت دورا مماثلا في توجيه السلوك القديم الذي كان ينبني على توقعات وجودية أو قواعد لها صلة بقوى في الطبيعة غير مرئية أو ترتيب حياة الانسان وفق مشيئتها ، وهنا يبرز دور الطلاسم وأعمال السحر في سعيها الى ترويض قوى الطبيعة باتجاه مايريد الانسان ويطمح اليه . وقد بدت العلوم الانثربولوجية أكثر إهتماما في العصر الحديث بالاسطورة وتناول الخلفية الاجتماعية والثقافية التي أنتجتها فلم تعد تتعامل معها على اتها محض خرافة غير معنية بالدرس والتحليل من جانبها مع تأكيدها على لا عقلانية محتواها القصصي – الخرافي ولم تكن الاسطورة لتقف عند هذا الحد في تلك الدراسات بل عمدت الى تفسير صور متعينة من السلوك الانساني الحديث على ضوء قواعدها وأسسها .

لقد رحلت الاسطورة عن عالمنا أو بالأحرى حكاياتها ومحتوياتها المليئة بالخرافة، لكن إمكانية الاسطورة في قدرتها على صنع المواقف والسلوك ظلت قائمة مما حدا بالدراسات الحديثة جدا الى اعتبارها جزء من مكونات الانسان النفسية والطبيعية في تركيبته الاولية، وقد أرجعتها تلك الدراسات الى مفهوم المتخيل. يقول الباحث التونسي د.باسم المكي ( أضحى المتخيل ....الذي تتولد الاسطورة في فضائه ......مكونا من مكونات الانسان مطلقا وجزء من ذاته المنغرسة في التاريخ يسكنه وينهل من منبعه)، وفق تلك المقدمات والاسباب نفسر هذا اللقب " الاسطورة " الذي أطلق عالميا على إثنين من الرياضيين الكبار وهما الملاكم محمد علي كلاي واللاعب البرازيلي بيليه . وهي تظل في عالمنا الحديث محاولة في الاستعانة بلغة ومفاهيم العالم القديم في التعبير عن موقف متعين وسلوك محدد.

ان الاسطورة في منشأها وفي إستجابتها النفسية والثقافية ترتبط بمجموعة من القيم التي تشتغل بسبب منها وتشتغل أيضا لتعزيزها وتقف على قمة مجموعة هذه القيم التي تمجدها الاسطورة هي قيمة القوة، فالقوة التي جعلت كلكامش في الاسطورة العراقية القديمة يصارع الوجود من أجل الخلود وقد فهم كلكامش أخيرا ان امكانية الخلود كامنة في العمل – الصالح الذي يغذي الروح وليس العشب الذي يغذي الجسد، وقد سبقته الافعى الى تناوله ولذلك كانت الافعى أطول عمرا من بين الكائنات في التفسير الشعبي لها.

لقد تمت أسطرة القوة في كل الحكايات الشعبية في ثقافات العالم القديم عامة باتجاه الخير وانتصار أرادة الانسان، هكذا قرأ الناس أسطورة عنترة بن شداد في حكايته الشعبية وقرأوا أسطورة ابو زيد الهلالي في حكايته "تغريبة بني هلال " وقد أهتمت الميثولوجيا عامة بعنصر القوة في روايات ابطالها الاسطوريين. وحين نناقش إجتماعيا وتحليليا عوامل إنبعاث قيمة القوة كمبدأ أعلى في الاسطورة وتعبيرا عن أهميته في الحياة، نجد أن الجماهير التي تعطلت لديها إرادة التغيير وكفت عن صناعة أمجادها الاجتماعية والاقتصادية على أرض الواقع، لجأت الى حكايتها في عالم منفصل عن الواقع وفوق الوقائع ، صحيح أن ثيمة الاسطورة قصة حقيقية أو واقعة تاريخية حقيقية الا انها رويت وحكيت بأساليب متقنة في زيادة قدرة الخيال على إعادة صناعتها وتكوينها من جديد حتى تلاشت الواقعة التاريخية الحقيقية في خضم الرواية والحكي الشعبي لها . هكذا نسينا أن ضعف الانسان وعجزه هو الذي أدى به الى صنع أساطيره وتمجيد ذوات بشرية أو نصف الهية في تصوره وهو يسعى الى تمجيد ذاته والتعويض عن نقائص الحياة لديه بإمكانية تحقيقها من خلال الاسطورة ومن خلال أولئك الشخوص الاسطوريين في حكايته.

ترى لماذا نعود الى وصف كلاي بالاسطورة ؟

محمد علي كلاي من وجهة نظره الشخصية وهو يسرد تاريخه الشخصي – الاجتماعي " هو الولد الوحيد الذي لم يدخل السجن ولم يقدم الى محاكمة ولم يرتكب خطأ في حياته ولم ينضم الى جماعة متطرفة، ولم يعير النساء البيض أي اهتمام في حياته رغم محاولاتهم معه وهو لا يعرض نفسه على أحد ويحب الناس البيض والسود واذا كان الديك يصيح عندما يرى الفجر ...والكلام له ...فانه يصيح مناديا بالسلام " وهذه خلاصة كلماته التي وصف بها نفسه في مؤتمر صحفي عقده في العام 1964م وقد وصفه صحفي أميركي شهد هذا المؤتمر بانه أعظم مؤتمر صحفي شهده في حياته المهنية، مما أضفى بعدا جاذبا ومؤثرا في توصيف كلاي بانه إستثنائي .

هكذا بدا كلاي في تحد وجودي يعيشه في مواجهة عالم يزري به الى مستوى ثان من البشر لأنه زنجي ينتمي الى اصول أفريقية، لكنه لا يرقى الى حجم الاسطورة في حديثه في الكشف عن أسباب وتداعيات هذا التحدي بالنسبة اليه ، لكن أسطرته في نظر مجتمعاته هي التي تكشف عن صيغة أخرى في معالجة هذا التحدي أسطوريا ، أن كلاي بدا خاضعا بقوة الى الميل العام في المجتمعات التي عملت على أسطرته، وغالبا ما تكون آلية انتاج الاسطورة وفق الميل العام للمجتمعات الذي يحكمه تاريخ وثقافة هذه المجتمعات، واذا كانت الاسطورة وكما هو متوقع منها أن تؤدي مجموعة وظائف على مستوى شخصي – الموقف ، ومستوى عام – السلوك ، فان وظيفة الاسطورة التي أخذت عنوان " محمد علي كلاي " تؤدي وظيفة ديمومة الثقة بانتصار القوة – الموقف ، والموجهة – سلوكا انسانيا على الضد من الرأسمالية الصناعية التي أزرت بالإنسانية الى مستوى الاستهلاك والاستغلال.

وهو ما يستحضر الازراء بكلاي - الشخص الى مستوى ثان من البشر على يد هذا العالم الذي نشأت وتطورت فيه الرأسمالية ، أنه إزراء أحال بالإنسان الحديث الى مستوى من الضعف في أزمنة الرأسمالية التي هيمنت على قوى الحياة ومقدرات الطبيعة فأصبح الانسان الحديث لا يمتلك القدرة على مواجهتها ومقاومتها، وقد سلبت منه إرادة المواجهة والقوة من خلال ترويضه على الاستهلاك وتحويله الى انسان - مادي ذي بعد واحد كما أشار الى ذلك الالماني هربرت ماركوز، مما أدى الى نوع من الصراع الخفي وغير المعلن في المجتمعات الحديثة مع الرأسمالية وأن تم إعلانه على يد كتاب أوربيين لهم وزن استثنائي في ثقافة الغرب الحديثة ، وبما انه صراع فهو لابد أن يستحضر وقود الصراع لكنه صراع في مجتمعات الغرب من نوع آخر، لذلك كانت أسطرة الرموز التي واجهت الرأسمالية واتخذت مواقف مضادة لها هو ما لجأت اليه تلك المجتمعات في صراعها الجماعي والاعتقادي مع الاعتقادات السائدة بالنسبة للرأسمالية التي تخرج الانسان من دائرة المحورية الوجودية والاهتمام المفترض به وجوديا لصالح أهمية الربح وقيمة الاستهلاك، مما يكشف عن الخواء الروحي الذي تعيشه الثقافة الرأسمالية ، وهو الخواء الذي يغذيه تراجع الدين في تأثيره الروحي في الغرب ، مما ألجأ مجتمعات الغرب الى أسطرة الرموز المادية والدنيوية أو إحلالها محل القيم الروحية لاسيما الموسيقى والادب كوسائل تلجأ اليها في صراعها مع الاستلاب الروحي الذي تمارسه الرأسمالية الصناعية، وقد تجلت تلك الآلية بوضوح في أسطرة الملاكم محمد علي كلاي. فالأسطورة واستنتاجا عن الباحث باسم المكي ليست انتاجا اعتباطيا بل هي تنغرس بعمق في صراعات الجماعة الاعتقادية.

لقد وجدت مجتمعات الغرب في كلاي ومن خلال أسطرته رمزا في صراعها غير المعلن مع الرأسمالية، ويكمن موضوع تلك الرمزية في القوة التي كان يتمتع بها وتلاعبه بها وتحكمه في إدائها على حلبات الملاكمة، ثم كونه أسود اللون مما يجعل من رمزيته في المواجهة مع العالم الحديث والرأسمالية الصناعية رمزية ممكنة نتيجة تاريخ طويل من مواجهة نضالية خاضها السود ضد قيم التمييز والعنصرية التي كانت سائدة في بلده اميركا ، ثم رفضه الالتحاق بالقوات الاميركية في حربها على فيتنام، مما جعله موضوعا لذلك الشخص الاسطوري المقاوم للرأسمالية الصناعية، وقد أثار أعجاب العالم كله في حينها وكان يبرر رفضه هذه الحرب بانها على الضد من تعاليم القرآن، وكان اعتناقه الاسلام تعبير آخر ومهم عن تحديات كان يمارسها بوجه الظلم العنصري وممارسات الرأسمالية -الصناعية الاميركية، وقد كانت تلك التحديات بمجملها هي ما منحته إمكانيات الاسطرة التي لازالت تشغل حيزا مهمها في تصورات و إيمانيات الانسان الحديث.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0