يلتقي الرئيس الأمريكي، باراك أوباما مع مسؤولين كبار من ست دول عربية لبحث قضايا مشتركة بين الجانبين، ويهدف الاجتماع بحسب ما أعلن عنه إلى الإفادة من قمة سابقة عقدت في منتجع الرئيس الأمريكي في كامب ديفيد العام الماضي.

وبحسب قناة الحرة الامريكية فان القمة تتضمن بحث أزمات المنطقة التي ما زالت تراوح مكانها، ومنها الأزمة السورية والحرب السعودية في اليمن والوضع في ليبيا، إضافة إلى العراق الذي يعيش أزمة سياسية. ويبحث أوباما مع قادة الخليج أيضا سبل تقوية الشراكة لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها داعش والقاعدة بالإضافة الى مناقشة "التهديدات الإيرانية" في المنطقة، في ظل الخلاف القائم مع الرياض.

العلاقات الامريكية الخليجية الوثيقة التي تأكد عليها وسائل الاعلام الموالية للطرفين ليس كذلك ابداً، وهي تمر في ازمة ثقة حقيقة لم تمر بين الطرفين منذ عام 1973. وبالعودة لبرنامج قمة "أوباما" نجد ان كل ما تظهره وسائل الاعلام هو الجزء السليم من جسم التحالف الذي بدأ يتآكل بفعل التغيرات السياسية في المنطقة والعالم.

وعندما يستقبل الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز الامراء الخليجيين في المطار، ويترك امر استقبال أوباما لأمير الرياض فيصل بن بندر بن عبد العزيز ووزير الخارجية عادل الجبير فذلك يكفي للاستدلال على حجم الخلاف بين الطرفين، بل ربما وصل الى حد العداء المبطن رغم التطمينات والتأكيدات على عمق العلاقة ومتانتها، من خلال الحديث عن القضايا المشتركة مثل التشديد على ضرورة رحيل الرئيس السوري ومواجهة النفوذ الإيراني. فحتى التلفزيون السعودي لم ينقل وصول الرئيس الأمريكي على الهواء مباشرة في حين تم تخصيص تغطية مباشرة اثناء وصول الوفود الخليجية.

حجم الخلاف بين السعودية وحلفائها الخليجيين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى يتصاعد، فالواضح ان هناك شعور خليجي بخيانة الأمريكيين لحلفائهم نتيجة عدم شن الحرب على الرئيس السوري بشار الأسد في عام 2013، وهي تمثل جرحا لا يمكن ان تضمده التصريحات او صفقات الأسلحة، فالسعودية تعتقد انه لو تم القضاء على النظام السوري مبكرا لما وصلت الأمور الى هذه الحال حيث من الممكن ان تتفرغ الرياض الى حسم ملفات أخرى مع غريمها التقليدي ايران.

اما الاتفاق النووي فكان بمثابة الصاعقة التي بدأت بتحطيم التحالف الاستراتيجي بين الخليج وواشنطن، فالدول الخليجية قبل هذا الاتفاق كانت مطيعة للقرار الأمريكي في كل شيء، لكن ومع توقيع الاتفاق المبدئي او ما سمي باتفاق "الإطار النووي" في بداية عام 2015 بدأت ملامح الخلاف الكبير تظهر فبالتوازي مع المفاوضات النووية شنت الرياض حربا على اليمن تحت غطاء امريكي في البداية وتحول مؤخرا الى غطاء شكلي واعتبر ذلك بانه بداية لتخلي واشنطن عن الرياض وحلفائها، وهو ما أكدته معارضتها للتدخل السعودي التركي في سوريا ليكون شبيها بتحالف عاصفة الحزم، حيث وصلت طائرات سعودية مع عدد من الجنود لكن تلك المحاولة الغيت تحت وطأة الاتفاق الأمريكي الروسي لوقف اطلاق النار، والذي كان محطة أخرى من محطات الخلاف الأمريكي الخليجي.

ولا يمكننا ان نجزم باضمحلال التحالف الأمريكي الخليجي باعتبار ان ذلك قد يكون مرده الى خلاف حول سياسة أوباما وبالتالي فان الرئيس الأمريكي الجديد قد يعيد العلاقة الى سابق عهدها لكن هناك تصريحات بين الطرفين تشي بخلاف عميق، فالمرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب انتقد السعودية في أكثر من مناسبة وقال في احدى المقابلات مع قناة NBC إن السعودية "دولة ثرية" وعليها أن "تدفع المال" لأمريكا لقاء ما تحصل عليه منها سياسيا وأمنيا. وما يثير السعوديين هو انه ربط علاقة أمريكا مع بلادهم بتوافر النفط مؤكدا ان "السبب الرئيسي لدعمنا للسعودية هو حاجتنا للنفط، ولكننا الآن لا نحتاج كثيرا إلى نفطهم، وبحال تغيّر الحكم بأمريكا فقد لا نحتاج نفطهم على الإطلاق ويمكننا ترك الآخرين يتصارعون حوله."

وفي المقابل اعتبر رئيس الاستخبارات السعودية السابق الامير تركي الفيصل ، أن "الأيام الخوالي" بين المملكة السعودية والولايات المتحدة انتهت الى غير رجعة ، و لا يمكننا ان نتوقع عودتها مجدداً ولم يعد هناك شيئاً نخفيه ، ولابد ان "يعاد تقييم" العلاقات مع أمريكا ، و اضاف خلال مقابلة مع شبكة CNN "برأيي الشخصي ان أمريكا تغيرت... وعلينا ان نتعامل مع هذا التغيير" . وأضاف ترکی الفیصل "لا أعتقد أنه علینا أن نتوقع من أی رئیس امیرکی جدید العودة، کما قلت، إلى الأیام الخوالی حین کانت الأمور مختلفة".

وهناك رسالة مهمة ربما غفلت عنها وسائل الاعلام، وهي القرار الذي أصدرته المحكمة العليا الامريكية بشأن استقطاع ملياري دولار من الأموال الإيرانية لصالح عائلات ضحايا هجمات أُلقيت المسؤولية عنها على إيران، ومنها تفجير ثكنة لمشاة البحرية الأمريكية في بيروت في 1983 الذي أسفر عن مقتل 241 أمريكيًّا. وتفجيرات الخبر في السعودية. وهذا القرار ليس لإرضاء السعودية كما يفسره البعض بل يعطي رسالة لها مفادها ان الولايات المتحدة لا يمكنها التنازل عن مطالبها حتى وان مرت عليها عشرات السنين وبالتالي فان العقاب الأمريكي للتهديدات السعودية لحليفهم ببيع اصولهم المالية سيتم تنفيذه لا محال حتى وان تم تأجيله طمعا بما تبقى من المال السعودي الذي تحدث عنه المرشح الجمهوري دونالد ترامب.

وبغض النظر عن نتائج زيارة الرئيس الأمريكي للخليج وتطميناته بعدم كشف الأوراق الـ(28) من تحقيقات هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فان الثقة بين الطرفين في ادنى مستوياتها ومن غير السهل ان تعود هذه الثقة في المدى القريب او حتى المتوسط، فمحور الخلاف هو الحوار مع ايران ومع استبعاد إمكانية الغاء الاتفاق النووي من جانب وازدياد التعاون الاقتصادي الغربي مع الجمهورية الإسلامية من جانب اخر؛ فان عودة العلاقات الخليجية الامريكية الى سابق عهدها غير ممكنة، والتصريحات النارية المتبادلة توفر كل الأدوات اللازمة لصنع نعش التحالف الاستراتيجي، اما صفقات الأسلحة الحالية ما هي الا تأجيل لدفن هذا التحالف بغية تصفية الحسابات النهائية بين الطرفين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0