أسس النظام السياسي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، على أساس النظام البرلماني، بعد أن عاش تحت النظام الرئاسي شديد المركزية لمدة تزيد عن 45 عاما، فقد نصت المادة (١) من الدستور ان" جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق"، وفي الفصل الثاني في المواد من المادة (66) الى المادة (86) اذ فصلت فيها كيفية اختيار رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب، كما تقوم الكتلة الاكبر في البرلمان بتشكيل الحكومة.

في النظام البرلماني يتم انتخاب أعضاء البرلمان من قبل الشعب مباشرة ومنه تنبثق الحكومة، ويجوز فيه البرلمان سحب الثقة من الحكومة، ويمكن للحكومة حل البرلمان، فهو اذا نظام يعتمد التعاون والتوازن بين السلطات وعلى مسؤولية الحكومة امام البرلمان وفق آليات محددة لا تستغل لأغراض المصالح الخاصة والتسيس.

وهناك من يعرف النظام البرلماني بشكل موجز ويرى بأنه ذلك النظام الذي يتضح فيه التوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية، ويقوم النظام البرلماني على مجموعة من الاسس كما يتطلب مجموعة متطلبات وله مجموعة من المزايا والعيوب، تمارس السلطة التنفيذية (الهيئة التنفيذية) مسؤولياتها المنصوص عليها باسم رئيس الدولة ولكن المسؤولية الفعلية يتحملها مجلس الوزراء بقيادة رئيس الاغلبية البرلمانية، ولهذا فان النظام البرلماني تحكمه قواعد محددة اهمها عدم مسؤولية رئيس الجمهورية، ذلك لان الاختصاصات التي ينص عليها الدستور باسم رئيس الدولة تمارس من قبل الحكومة، اي مجلس الوزراء الذي يحصل على ثقة البرلمان، ان التقليد يجري على ان يختار رئيس الدولة رئيس الوزراء من بين رؤساء الكتل البرلمانية الحائزين على ثقة البرلمان، ثم يختار رئيس الوزراء الكابينة الوزارية، على ان تقدم الوزارة بعد ذلك الى البرلمان للحصول على ثقته، ولهذا فالحكومة تكون حرة التصرف ولكن في نطاق القواعد القانونية المقررة، بحيث اذا تجاوزت حدود القواعد القانونية فان تصرفها غير مشروع، وتختلف الحكومات في النظام البرلماني بقوة اعضائها والاحزاب المشتركة في الائتلاف حيث تسود الثنائية الحزبية عند وجود التكتلات المتوازنة في البرلمان، وهناك النظام المتعدد الاحزاب والتشكيلات الائتلافية.

يرى بعض المتابعين ان هناك عدد من الاسباب قد تقود الى فشل تجربة النظام البرلماني في العراق، بعد مرور سنوات على هذا النظام، وان هناك حاجة الى وقفة جادة من قبل السياسيين المختصين بالدستور والقانون الاداري لدراسة هذه الظاهرة وتعليل هذا الفشل سواء في طبيعة هذا النظام الذي يعطي للبرلمان دور كبير في قيادة العمل السياسي، او الفشل في من تبوء المناصب السياسية او الفشل في قادة الكتل السياسية الذين لم يستطيعوا هضم التجربة البرلمانية، وان العراق بحاجة الى نظام سياسي يتلاءم ونفسية المواطن العراقي ومزاجه، وان النظام البرلماني غير ناجح في العراق.

ويطرح البعض النظام الرئاسي كحل مناسب في ظل الظروف التي يمر بها البلد، ويجب اعداد دراسة علمية شاملة ومحايدة تأخذ بنظر الاعتبار النظام السياسي المناسب في العراق من جميع الجوانب، اضافة الى مدى تأثير الدول المحيطة بالعراق بالنظام السياسي الجديد، خاصة وان بعض الكتل السياسية دعت الى تحويل الحكم في العراق من نظام برلماني الى نظام رئاسي، عازية ذلك الى فشل النظام البرلماني في العراق.

ومن الاسباب التي اعاقت التطبيق الصحيح للنظام البرلماني في العراق هي:

1- وجود اشكالية ناجمة عن تعارض بين قيم الحداثة وموروث رعوي تقليدي، وهو ما يتطلب البحث في البناء الثقافي العراقي والتي نفترضها ثقافة تقليدية ورعوية تعتليها اعتبارات قيمية ومصالح فئوية وروابط القرابة والدين والقومية والقبيلة تم مأسستها دستوريا ضمن إطار ثقافة محاصصة طائفية وسياسية.

2- الصراع على السلطة بدوافع طائفية وقومية وسياسية، فضلا عن انتشار الفساد المالي والاداري بكل أشكاله، والمحاصصة الطائفية والقومية، اذ اصبحت المناصب الحكومية وعلى كافة المستويات تباع وتشترى بملايين الدولارات، وهي مدعومة من قبل أطراف داخلية خارجية، ناهيك عن حصر الدرجات الوظيفية بين الوزراء وأعضاء البرلمان، حيث تسند الى المواطنين على اساس القرابة والمحسوبية والحزبية.

3- ان الاحتلال الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣ جلب مبدأ المحاصصة في الحكم ونصبها بالسلطة من خلال مجلس الحكم على أساس المكونات وليس بناء دولة مؤسسات على أساس المواطنة العراقية وبذلك تعاقبت الحكومات على هذا المنوال كل مكون يريد تمثيله بالسلطة وله حصة من الكعكة وبذلك تجسدت المحاصصة السياسية والتوافق والتوازن وطمست هوية العراق.

4- فبعد ثلاث دورات انتخابية فشل النظام البرلماني في إنتاج حكومة اغلبية سياسية قوية، وكل ما خرجنا به (حكومة محاصصة) ومن ثم (حكومة شراكة) بذات الآليات مع توسيع وترهل الدولة العراقية وزيادة عدد الوزارات وعدد النواب لرئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، ومعها زيادة التخصيصات المالية، وحتى تعبير (مجلس الوزراء) لا يعني سوى مزيدا من التقييد للصلاحيات لدرجة يصعب معها إنجاز مفردات البرنامج الحكومي في سياقه الزمني وهذا ما حصل فعلا في أغلب وزارات الدولة العراقية وانعكس على أداء مجالس المحافظات التي خضعت هي الأخرى في تركيبتها للشراكة، مما سهل انتشار الفساد المالي والاداري على اوسع نطاق لصعوبة مراقبة ومحاسبة المسؤولين الفاسدين بسبب المحاصصة السياسية.

5- عدم الالتزام بالدستور الاتحادي من قبل بعض المحافظات واقليم كردستان، اذ أصبح الالتزام بشكل انتقائي وحسب مصالحهم، واصدار قوانين وتشريعات تتعارض ونص الدستور الذي نص في المادة (١٣) اولاً: "يُعدُ هذا الدستور القانون الأسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزماً في انحائه كافة وبدون استثناء. ثانياً لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعد باطلاً كل نص يرد في دساتير الاقاليم أو اي نص قانوني آخر يتعارض معه"، الا انه لم يتم الالتزام به من قبل البعض.

ورغم السلبيات التي رافقت تطبيق النظام البرلماني في العملية السياسية في العراق، الا ان هناك تحليلات من بعض المحللين السياسيين والخبراء الدستوريين ان النظام البرلماني يمكن ان يتلاءم مع الانظمة السياسية في الدول النامية اكثر من النظام الرئاسي، وذلك لأنه يمكن التخوف من رئيس الدولة المنتخب في النظام الرئاسي في الدول النامية، لأنه قد يستبد برأيه ودون الرجوع الى الشعب وبالتالي ينفرد بالسلطة ويصبح حكماً استبداديا، ويستدل من بعض الآراء لهذه المهام في النظام البرلماني، الوزارة هي السلطة الفعلية في النظام البرلماني والمسؤولة عن شؤون الحكم، اما رئيس الدولة فانه غير مسؤول سياسيا بوجه عام فلا يحق له مباشرة السلطة الفعلية في الحكم طبقا لقاعدة (حيث تكون المسؤولية تكون السلطة) وذلك من خلال الجانب العلمي، فان الوزارة في النظام البرلماني هي المحور الرئيس الفعال في ميدان السلطة التنفيذية حيث تتولى العبء الاكبر والاساسي في تحمل هذه المسؤولية الدستورية دون سند رئيس الدولة ممارسته بعض الصلاحيات التي قررتها او تقررها بعض الدساتير البرلمانية في الميدان التشريعي التنفيذي، ولكن شريطة ان يتم ذلك بواسطة وزارته الامر الذي يوجب موافقة الوزراء المعنيين الى جانب رئيس الدولة على كافة القرارات المتصلة بشؤون الحكم الى جانب صلاحية حضور رئيس الدولة اثناء اجتماعات مجلس الوزراء ولكن بشرط عدم احتساب صوته ضمن الاصوات، لذلك فالنظام البرلماني هو الاصلح لإدارة البلاد وفق احكام الدستور لما يتمتع به من مزايا عديدة من شأنها خلق نوع من التوازن والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، مما يمنع التحول الى الاستبداد التدريجي المبطن تمهيداً لإحكام القبضة الحديدية على السلطة، فهناك وسائل للتأثير المتبادل تملكها كل من السلطتين تجاه الاخر بعد ايجابية دور رئيس الدولة لان الدستور يعهد اليه بعض الصلاحيات المحددة التي لابد من ممارستها من قبله حتى يفي بالقسم الذي اداه باحترام الدستور وتطبيق القوانين.

وهذا يتطلب البحث في ضروريات التحول اولا نحو بناء ثقافة مشاركة تدعم وتعزز من قيم الاندماج والمشاركة ورسم السياسات العامة وعملية صنع القرار، اي العمل على تغيير البنية الفكرية والثقافية بوضع اسسها عبر التأكيد على قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية، وتأتي في مقدمتها الأسرة باعتبارها النواه الاساس للبناء، يليها المؤسسات التربوية والتعليمية، ومن ثم الأعلام، والاحزاب السياسية، والمؤسسة الدينية.

خلاصة القول هناك عدد من النقاط التي يمكن اعتمادها لتجاوز الازمة السياسية التي يمر بها العراق حاليا:

1- تعزيز ودعم وتفعيل الضوابط المجتمعية (الثقافية) باعتبارها خط دفاع اول ضد الانحراف القيمي الانساني، وهذا يتطلب تعزيز دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية.

2- ضرورة ضمان استقلالية القضاء، وتفعيل القانون بأقصى واشد درجة، اي فرض الضوابط القانونية المكملة للضوابط التربوية والمجتمعية وبما يضمن انسيابية عمل مؤسسات الدولة والمؤسسات الاخرى غير الرسمية وفق الدستور العراقي سيما الاعلامية منها ومكافحة الاعلام التحريضي من خلال فرض اشد العقوبات بحق المخالفين والجناة والارهاب وحيتان الفساد بكل اشكاله.

3- وضع قانون ينظم عمل الاحزاب السياسية بصورة يضمن وجود حزبين رئيسيين، ويمكن تأسيس كتل تضم عدة احزاب سياسية تحت قيادة واحدة، يشارك في الانتخابات ضمن اطار اللعبة الديمقراطية.

4- تعديل الدستور قبل أي عملية اصلاحية لكونه قد بني في وقت الاحتلال الامريكي، وعلى أساس المكونات التي جلبت المحاصصة والتوافق والتوازن والتقسيم والعناصر المتطرفة الطائفية.

5- اعتماد مبدأ الاغلبية السياسية في التشكيل الحكومي عبر صناديق الاقتراع كأحد مقتضيات مبادي الديمقراطية وقيم المشاركة السياسية، اي تشكيل حكومة اغلبية سياسية من التكنوقراط بعيدا عن قيم وثقافة المحاصصة الطائفية التي اوجدتها حكومة الاحتلال الامريكي، اي الخروج من اطار المحاصصة الطائفية والسياسية، فالحزب الفائز يشكل الحكومة اما الحزب الخاسر في الانتخابات فيشكل حكومة ظل على ان تعمل كل من الحزب الحاكم والحزب المعارض ضمن اطار القانون والدستور.

6- إلغاء قانون الانتخابات وتشريع قانون جديد بدله يتماشى مع مبادئ الديمقراطية، وحل مفوضية الانتخابات وتشكيل لجنة قضائية عليا للإشراف على الانتخابات في كل دورة انتخابية.

صحيح ان ميزة النظام الرئاسي السرعة في التنفيذ وقدرته على حل المشاكل، ولكنه قد يقود ذلك الى الاستئثار بالسلطة ونحن في العراق لم نبلغ بعد ذلك التقدم ما يكفي لكي نطالب او نتمسك بالنظام الرئاسي فالوضع الحالي لا يتحمل ذلك بكل نواحيه العملية والسياسية.

خلاصة القول، ان فوائد النظام البرلماني عديدة، اولها انه يأخذ بنظام الاغلبية السياسية والتي تأخذ استحقاقها الانتخابي، وهو في نفس الوقت يعطي حقوقا للمكونات الاخرى، ثانيا ان العراق سعى خطوات جادة لبناء دولة جديدة تعبر عن طموحات ورغبات كافة شرائح المجتمع العراقي، لذا ينبغي ان ننظر الى هذه الانظمة بدقة متناهية وبحذر شديد فليس لهذه الانظمة حدود ثابتة، ففرنسا مثلا عندما اقرت النظام شبه الرئاسي كان لها ظروفها الخاصة بها، ولذلك فأن كل دولة تقرر نظاما سياسيا للشعب، وهذا الامر يعود لعوامل متعددة كما اشرنا حتى نصل الى نظام سياسي يتلاءم مع الواقع العراقي.

وتأسيساً على ذلك لابد من النظام البرلماني في العراق، وعلينا عدم قياس تجربة العراق مع التجارب البرلمانية العريقة مثل التجربة الانكليزية، او نحاول استنساخها في العراق، اذا لابد من نظام سياسي خاص بكل امة في العالم، وعلينا اعادة صياغتها او تفاصيلها حسب ما يحقق المصلحة الوطنية.

وعليه فنحن بحاجة ماسة الى تعديل بعض مواد الدستور على ضوء المعطيات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية معتمدين في حساباتنا مما تحقق منذ تسلم السلطة التنفيذية والمنتخبة حاليا والى الان ونخضعها للتقويم من كافة النواحي للوصول الى ما يطمح اليه الشعب بكل اطيافه، مع اننا نرى ان النظام البرلماني لا يزال هو الحل حتى لفترة انتخابية على ان تكون صلاحيات رئيس الهيئة التنفيذية اكثر وضوحاً ومراقبة ادائهم، وحتى اقالة ممن يتهاون في اداء عمله حتى نحقق الاسس والمرتكزات التي تؤهل العراق لان يكون بلدا متقدما.

وعلى ضوء ذلك يمكن احداث التغيرات في حينها وعدم الاستعجال والقفز فوق الواقع دون مسوغ قانوني وهو ما نأمل ان يتحقق ذلك بتضافر جهود كل ابناء الشعب العراقي.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0