بعد اقل من أربعة أشهر على هجمات باريس الدامية في تشرين الثاني 2015، التي راح ضحيتها أكثر من 157 قتيلا فيما أصيب المئات بجروح، وبعد الإجراءات الاحترازية المشددة في الدول الأوربية، تفاجئ العالم يوم 22 آذار 2016، بحدوث ثلاث انفجار في العاصمة البلجيكية بروكسل، ضرب انفجارين في مطار المدينة، وضرب الانفجار الثالث مترو الأنفاق بأقرب من مقر الاتحاد الأوربي، وقد كانت الحصيلة حسب وسائل الإعلام 34 قتيلا وأكثر من 212 جريحا، وعلى اثر هذه الانفجارات أغلقت الشرطة البلجيكية مطار العاصمة، ومترو الأنفاق، ورفعت حالة الإنذار إلى الدرجة الرابعة، فيما تم تفكيك عدة عبوات أخرى وأحزمة ناسفة وسيارة مفخخة، ونشرت قوات الجيش حول المحطة النووية في العاصمة بروكسل، كذلك قامت الدول الأوربية هي الأخرى باتخاذ إجراءات احترازية في المطارات وشبكات القطارات والمؤسسات المهمة فيها، فقد أغلقت فرنسا حدودها مع بلجيكا، كما شددت بريطانيا من إجراءات التفتيش والرقابة في المطارات والموانئ.

والملاحظ إن هذه الانفجارات جاءت بعد أيام قلائل من إلقاء القبض على الرأس المدبر لانفجار باريس (صلاح عبد السلام) في العاصمة بروكسل، فقد استطاع التخفي في أحد الإحياء من العاصمة لأكثر من 4 أشهر، رغم الإجراءات الأمنية المشددة، وعمليات البحث المستمرة،

حسب المراقبين، فقد كانت انفجارات بروكسل مفاجئة وغير متوقعة، لان بعد هجمات باريس الأخيرة، فان الدول الأوربية ومنها بلجيكا قد شددت من إجراءاتها الأمنية على الحدود والمطارات، ومحطات القطارات، خاصة وان عمليات باريس خطط لها في بلجيكا، من قبل مجموعة بقيادة (صلاح عبد السلام) المغربي الأصل يحمل الجنسية الفرنسية ومقيم في بلجيكا، لهذا كانت الإجراءات الأمنية مشددة نوعا ما، خاصة أثناء البحث عن (عبد السلام)، كما ان تنظيم داعش قد هدد الدول الأوربية لأكثر من مرة بأنه سوف يستهدفها بالانفجارات، لهذا فان وقوع انفجارات بلجيكا يدل على ضعف الإجراءات الأمنية في بعض الدول الأوربية، وان تنظيم داعش قد تمكن من اختراق الحدود والوصول إلى أماكن تعد محصنة امنيا كـ( المطارات ومحطات المترو والقطارات) مقارنة ببعض المراكز الحكومية الأخرى، وحسب اغلب التحليلات فان هذه الانفجارات حدثت لعدة أسباب منها:

1- ضعف الإجراءات الأمنية في بلجيكا، إذ إن تخفي (عبد السلام) لأكثر من 4 أشهر في العاصمة بروكسل رغم الإجراءات الأمنية المشددة والبحث المستمر عنه، فبلجيكا بلد فدرالي مكون من ثلاث اقاليم، (اقليم الفلمنكة) الناطقين بالهولندية، والناطقين بالفرنسية (الولونيين) واقليم العاصمة بروكسل، وعدد سكانها قليل قرابة 11 مليون، وقلة الامكانيات الاستخباراتية قياسا باقي دول اوروبا، هذا يدل على إن للتنظيم قاعدة قوية في بلجيكا، وان التنظيم قد أسس لشبكة جديدة من العلاقات بين أنصاره بعيدة عن المراقبة، تعتمد هي الأخرى على جهد استخباري ذاتي خاص بالتنظيم، وتشكيل خلايا منفصلة تتحرك وتختار الاماكن بحرية، فبعد هجمات باريس قامت فرنسا بعدة إجراءات أمنية مشددة منها منع دخول حاملي بطاقة (شنكن) إلى أراضيها باستثناء مواطني الاتحاد الأوربي، وتشديد الإجراءات الأمنية من خلال نشر أكثر من (120) إلف شرطي و (1500) عسكري لحفظ الأمن، واستخدام نظام التوقيف والتحقيق وتسهيل نظام التنصت، وعزل السجناء الإسلاميين المتطرفين، وسحب الجنسية الفرنسية عن كل شخص يتهم بالإرهاب ومتجنس بالجنسية الفرنسية.

2- وجود بيئة حاضنة: تضم بلجيكا جالية عربية إسلامية كبيرة وخاصة من المغرب العربي، إذ تعد بلجيكا من الدول الأوربية التي تضم في ثناياها على اكبر جالية مسلمة يقدر عددها أكثر من مليون مسلم، اغلبهم من دول المغرب العربي، ويعيشون في الضواحي الفقيرة، وبعض المدن الأخرى، وتعاني بلجيكا مثلها مثل باقي دول الاتحاد الأوربي من مشاكل صعوبة اندماج المسلمين في الضواحي الفقيرة، ومشاكل العنصرية والتهميش، ومظاهر التدين الإسلامي ( التشدد) الذي شنت عليه بلجيكا من قبل حرب منع الحجاب في المؤسسات التعليمية، إذ انتشر التشدد الإسلامي في أوساط المسلمين في بلجيكا، ومحاولة بعض الجهات تجنيد المسلمين فيها للقتال في سوريا والعراق مع المجموعات المسلحة مثل (داعش، والنصرة)، بعضها تتم سرا، والبعض الأخر كان بعلم الحكومة البلجيكية.

3- إضافة إلى الجالية المسلمة الكبيرة تعاني بلجيكا حالها حال الدول الأوربية أيضا من مشكلة استمرار الهجرة من الشرق الأوسط وإفريقيا، وبإعداد كبيرة جدا، وخاصة الهجرة الأخيرة من العراق وسوريا وليبيا التي فاقت كل التوقعات، والخوف من رجوع المشاركين في ساحات القتال في سوريا والعراق إلى أراضيها مع المهاجرين عبر تركيا، خاصة وان اغلبهم قد تلقى التدريبات على استعمال السلاح، إذ ليس من المستبعد إن يندس بعض الإرهابيين مع المهاجرين ليحصلوا على اللجوء في أوربا ومن ثم تكوين قواعد لهم في الإحياء الفقيرة، والبعيدة عن أنظار الأمن ليقوموا بعمليات إرهابية.

4- نظام بطاقة (شنكن): إذ يسمح لكل شخص يحمل بطاقة العبور المسماة (شنكن) من العبور بين الدول الأوربية بدون أي إجراءات تفتيش أو المطالبة بالفيزا، وهذا النظام رغم انه قد سهل تنقل إفراد الاتحاد الأوربي بسهولة وتقليل إجراءات السفر الروتينية، في المطارات والموانئ وعلى الحدود، إلا انه في نفس الوقت قد سهل انتقال الأشخاص الذين يحملون الأفكار المتطرفة التكفيرية من حاملي جنسية إحدى الدول الأوربية بين دولها، بدون مراقبة أو تدقيق، خاصة وان في بلجيكا جالية عربية من دول المغرب العربي ذات الأفكار المتطرفة، والذين كان لهم دور في تفجيرات باريس الأخيرة.

5- هناك من يضع اللوم أيضا على اليمين المتطرف في أوروبا، فأحزاب اليمين المتطرف والعاملة في فرنسا وبلجيكا، والتي كانت ولازالت تنادي بإبعاد العرب والمسلمين من دولهم، واتخاذ إجراءات مشددة ضدهم مثل منع ارتداء الحجاب وغيرها من الإجراءات المقيدة للحرية، ومنع استقبال مهاجرين جدد من المسلمين وخاصة من المغرب العربي والشرق الأوسط، هذه ساعدت على تأسيس تطرف مقابل لها من العرب والمسلمين، وانضمام بعضهم للمجموعات المتطرفة مثل تنظيم (داعش) وقبلها القاعدة، والقيام بعمليات رد ضد اليمين المتطرف في أوروبا، كما لا يخفى على البعض سعي اليمين المتطرف الأوربي للقيام بأعمال قد تساعد في تهجير العرب والمسلمين من أوربا، ومنها القيام بأعمال عنف أو تقديم تسهيلات للمجموعات المتطرفة الإسلامية للقيام بها في دولهم نفسها لتبرير إجراءاتهم ضد العرب والمسلمين، وخلق تعاطف الرأي العام الوطني والدولي متعاطف، والتهيئة للقبول بتغيير القوانين للتضييق على العرب والمسلمين.

إن الحل لقضية الإرهاب العالمي يتطلب جهدا دوليا مشتركا، وتضافر كل الجهود بنية صادقة لمحاربة الإرهاب، إذ ما تقوم بيه الدول الأوربية من دعم في مكافحة الإرهاب لا يعد إن يكون واجهة إعلامية فقط، فمشاركة هذه الدول لا يزيد عن بضع مئات من الجنود ولأغراض التدريب فقط، وعدد من الطائرات والتي بعضها جاثمة في قواعدها في تركيا أو إقليم كردستان العراق بدون إن تنفذ أي طلعة جوية ضد تنظيم داعش، حتى مساعداتها العسكرية للعراق لمواجهة داعش عبارة عن سلاح خفيف ومتوسط، اغلبه تم إرساله لقوات البيشمركة الكردية العراقية، كما إن دور هذه الدول في مكافحة الإرهاب في سوريا هو الأخر غير مرئي بالمطلق، إذ اغلبها تقدم دعما للمعارضة السورية بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان وتغيير نظام الحكم هناك، علما إن اغلب هذه المساعدات تصل بالنهاية للمجموعات المتطرفة والمرتبطة بدول إقليمية كتركيا والسعودية.

خلاصة القول، مهما كانت الدوافع وراء انفجارات بروكسل، فان السياسات الغربية الخاطئة في التعامل معها سيقود الى زيادة الكراهية للمسلمين، وهو أمر سيشجع حتما توسع نطاق التطرف والارهاب في العالم مما سينعكس سلبا على السلم والأمن الدوليين.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

اضف تعليق