تتشكل سكرة السلطة حين يتضخم شعور الإنسان بقدرته وصواب تقديره، وتتراجع قابليته للنقد وفهم الآخرين. ويغذيها الاعتياد على الطاعة والمديح، والعزلة عن النتائج اليومية للقرارات، وضعف المحاسبة. يشرح المقال كيف يتغير التفكير تحت تأثير النفوذ، وكيف تتحول الثقة إلى مبالغة في تقدير المعرفة والتحكم، ويبين دور المشورة المستقلة والتقييم...
قد يدخل الإنسان موقع المسؤولية وهو يدرك صعوبة المشكلات، ويعرف حاجته إلى المشورة، ويَعِد بأن يبقى قريبًا من الناس، ثم تتغير طريقته في التفكير بالتدريج. يصبح أكثر اطمئنانًا إلى تقديره، وأقل استعدادًا للاستماع، ويضيق بما كان يقبله سابقًا من اعتراضات. وقد تصل إليه معلومات أكثر، لكن قدرته على رؤية ما يخالف تصوره تتراجع. وما كان يعدّه احتياطًا ضروريًا يبدأ بالنظر إليه بوصفه ترددًا، وما كان يراه نقدًا مشروعًا يتحول في نظره إلى تشكيك بقدراته أو استهداف لمكانته.
هذا التحول هو المدخل إلى فهم «سكرة السلطة»: الحالة التي يتضخم فيها إحساس صاحب النفوذ بقدرته وصواب حكمه، وتتراجع معها حساسيته لحدود معرفته ولآثار قراراته في الآخرين. وهي تتشكل داخل علاقة متبادلة بين الإنسان وموقعه؛ فالسلطة تمنحه إمكانات أوسع للفعل، بينما تؤثر الاستجابة المحيطة به في الصورة التي يبنيها عن نفسه. وكلما اتسعت المسافة بين قدرته على إصدار القرار واضطراره إلى مراجعة نتائجه، أصبحت هذه الصورة أكثر عرضة للتضخم.
وتنبع أهمية الموضوع من أن التفكير الذي يتغير تحت تأثير السلطة قد يوجّه حياة أعداد كبيرة من الناس. فحين يصبح الشعور بالقوة بديلًا عن التحقق، والثقة الشخصية معيارًا لترجيح الخيارات، تنتقل آثار التحول النفسي إلى الإدارة والسياسة والخدمات والعلاقات العامة. ولذلك يبدأ فهم سكرة السلطة من تتبع ما يحدث في نظرة الإنسان إلى نفسه، وطريقته في استقبال الآخرين، وقدرته على التمييز بين ما يستطيع فرضه وما يستطيع تبرير صحته.
مفهوم يتجاوز الغرور العابر
تُستخدم سكرة السلطة هنا بمعنى نفسي وسياسي تحليلي، يشير إلى مجموعة تحولات قد ترافق امتلاك النفوذ واستمرار ممارسته. وتشمل تضخم الثقة، وضعف تقبّل النقد، والمبالغة في تقدير القدرة على التحكم، وتراجع الاهتمام بالمعلومات التي تضع حدودًا للتوقعات. وهي تتجاوز لحظة زهو مؤقتة حين تتحول إلى نمط متكرر في الحكم على الأمور والتعامل مع الناس.
وقد اقترح ديفيد أوين وجوناثان ديفيدسون إطار «متلازمة الغطرسة» في دراسة تناولت رؤساء أمريكيين ورؤساء حكومات بريطانيين خلال نحو قرن. ومن المظاهر التي يناقشها هذا الإطار: الثقة المفرطة بالحكم الشخصي، واحتقار النصيحة، والميل إلى التهور، وتقديم التصور الكبير للرسالة الشخصية على التفاصيل العملية.[1]
والتمييز ضروري بين الحزم الذي يستند إلى معرفة قابلة للفحص، واليقين الذي يمنع الفحص أصلًا. فقد يحتاج المسؤول إلى اتخاذ قرار صعب وسط اختلاف الآراء، لكن اتزانه يظهر في معرفته بما ينقصه من معلومات، واستعداده لتعديل اختياره حين تتغير الأدلة. أما حين يربط صواب القرار بكونه صادرًا عنه، فإنه يضع شخصه فوق عملية التقييم، ويجعل الاعتراض مشكلة في المعترض قبل أن يفحص مضمون اعتراضه.
لهذا لا يكفي وصف سكرة السلطة بكثرة الكلام عن الذات أو حب الظهور. فقد يبدو المسؤول هادئًا وقليل الكلام، بينما يرفض عمليًا كل مراجعة مستقلة. المعيار الأوضح هو طريقة تعامله مع الحدود: هل يعترف بوجود أمور يجهلها؟ وهل يقبل أن يصحح له من هو أدنى منه في المنصب؟ وهل يسمح بأن تكشف النتائج خطأ توقعاته؟
ماذا يتغير حين تتسع القدرة على التأثير؟
تضع السلطة الإنسان في تجربة مختلفة عن تجربته السابقة. فالكلمات التي كانت مجرد رأي قد تصبح توجيهًا، والرغبات التي كانت تحتاج إلى تفاوض قد تُنفذ بسرعة. ويتغير تعامل المحيط معه؛ فيُمنح وقتًا أوسع للكلام، ويُنتظر تعليقه، وتزداد العناية بإرضائه. ومع التكرار قد ينسب هذا التغيير إلى تفوق شخصي دائم، متناسيًا أن جزءًا كبيرًا منه مرتبط بالموقع الذي يشغله.
ويقدم بحث «السلطة والإقدام والكفّ السلوكي» تفسيرًا عامًا لبعض هذه التحولات، إذ يربط ارتفاع السلطة بزيادة فرص المكافأة وحرية التصرف، وما يصاحبهما من ميل إلى الإقدام والانتباه إلى المكاسب وانخفاض بعض القيود السلوكية. ويعرض ذلك بوصفه إطارًا نظريًا يستند إلى مراجعة أدلة، مع مراعاة العوامل التي تعدّل أثر السلطة في السلوك.[2]
يمكن تصور مسؤول اعتاد قبل منصبه أن يراجع اقتراحه مع عدة أشخاص، ثم أصبح يملك اعتماد الاقتراح بنفسه. في البداية قد يستمر في المشاورة، لكن سهولة التنفيذ تغريه بتجاوزها، خصوصًا إذا نجحت قراراته الأولى. وحين يجد أن الجميع يستطيعون التكيف مع اختياراته، قد يقل اهتمامه بالوقت الذي يحتاجونه والموارد التي يستهلكونها. وهذا مثال توضيحي على تغير التجربة، وليس وصفًا لواقعة محددة.
وتتسع المشكلة حين لا يرى صاحب القرار جهود الآخرين إلا في صورتها النهائية. فقد تبدو المهمة سهلة لأنها أُنجزت أمامه بسرعة، بينما تطلبت ساعات إضافية وإرباكًا في العمل. وإذا غابت عنه هذه الكلفة، أصبح استعداده لطلب المزيد أكبر، وتراجع تقديره للفارق بين قدرته على التكليف وقدرة المؤسسة على الإنجاز المستدام.
ومن المفيد في هذا السياق التمييز بين قوة المنصب وجودة الحكم. فالأولى تظهر في عدد القرارات التي يستطيع صاحبها تمريرها، بينما تظهر الثانية في ملاءمة هذه القرارات للواقع وقدرتها على تحقيق غاياتها بأقل كلفة ممكنة. وقد تتسع الأولى في الوقت الذي تتراجع فيه الثانية، خصوصًا إذا قل عدد من يستطيعون الاعتراض. وعندئذ تمنح سهولة إصدار الأوامر شعورًا بالكفاءة لا يعكس بالضرورة جودة النتائج.
ويفسر هذا التمييز لماذا قد يضيق المسؤول بالإجراءات التي تطلب منه تسبيب القرار أو الاستماع إلى المختصين. فهو يختبرها من زاوية ما تفرضه على حركته من حدود، بينما تتمثل قيمتها في تحسين اختياره وحماية الآخرين من آثار التسرع. وحين يصبح تجاوز الإجراء علامة اعتزاز بالقوة، تتراجع رؤيته للوظيفة التي يؤديها، وقد يخسر وسيلة مهمة لاكتشاف جوانب لم يكن منتبهًا إليها.
من الثقة بالنفس إلى تضخم الذات
يحتاج العمل العام إلى قدر من الثقة يسمح بالمبادرة وتحمل المسؤولية، لكن هذه الثقة تتضخم حين تتجاوز ما تسنده المعرفة والخبرة. وقد يملك الإنسان قدرة جيدة في مجال محدد، ثم يتعامل مع نجاحه فيه باعتباره دليلًا على امتلاك بصيرة مماثلة في الاقتصاد والتعليم والأمن وسلوك المجتمع. وهنا تنتقل الثقة من تقدير مهارة معينة إلى اعتقاد شامل بتفوق الحكم الشخصي.
وفي بحث عن السلطة والثقة المفرطة في اتخاذ القرار، أظهرت خمس تجارب أن الشعور بالقوة يمكن أن يزيد المبالغة في تقدير صحة المعرفة، وأن بعض القرارات الناتجة عن هذه الثقة أدت إلى خسائر مالية داخل التجارب. كما أشارت النتائج إلى أهمية الإحساس الذاتي بالقوة في تفسير الأثر. وتفيد هذه النتائج في فهم آلية محتملة، مع بقاء الفارق قائمًا بين ظروف التجربة وتعقيد القيادة السياسية الفعلية.[3]
ومن هنا يمكن تفسير جانب من سكرة السلطة باعتباره خطأ في معايرة الثقة: يشعر الإنسان بيقين أعلى من مستوى الأدلة التي يمتلكها. وقد يُضاعف النجاح السابق هذا الخلل إذا لم يسأل عن أسبابه الفعلية. فالنجاح قد يكون ثمرة فريق كفء، أو ظرف مواتٍ، أو قرار اتخذه آخرون، لكن احتكاره رمزيًا يسمح لصاحب المنصب ببناء صورة عن نفسه يصعب على الواقع تصحيحها.
وتظهر المشكلة بوضوح حين تختلف طريقة تفسير النجاح عن تفسير الفشل. فالإنجاز يُنسب إلى الرؤية الاستثنائية، بينما يُفسَّر التعثر بسوء التنفيذ أو ضعف المحيط أو عدم فهم الناس. ومع تكرار هذا الأسلوب، تتكون رواية محصنة ضد التعلم: كل نتيجة جيدة تؤكد العبقرية، وكل نتيجة سيئة تؤكد الحاجة إلى مزيد من الطاعة. وبذلك يفقد تقييم التجربة وظيفته الأساسية في تعديل التوقعات وتحسين الاختيارات.
حين تصبح زاوية النظر الشخصية مقياسًا للجميع
من التحولات المهمة تراجع الجهد المبذول لفهم موقع الآخرين. فقد يعرف المسؤول تفاصيل خطته، ويدرك الموارد المتاحة له، ثم يفترض أن الجمهور يملك المعرفة نفسها ويستطيع فهم مقاصده بالسهولة ذاتها. وعندما لا يستجيب الناس كما توقع، يفسر اختلافهم باعتباره نقصًا في الوعي، دون أن يسأل إن كانت تجربتهم أو مصالحهم أو معلوماتهم تقودهم إلى حكم مختلف.
وقد تناول بحث «السلطة ووجهات النظر التي لا تؤخذ في الحسبان» العلاقة بين النفوذ والقدرة على تبني منظور الآخرين. وأظهرت تجاربه أن المشاركين الذين استُثير لديهم الشعور بالقوة كانوا أقل ميلًا في بعض المهام إلى مراعاة اختلاف معرفة الآخرين، وأقل دقة في التعرف إلى تعبيراتهم الانفعالية. ويدعم ذلك احتمال أن تجعل السلطة الإنسان أكثر تمركزًا حول زاويته الخاصة في النظر.[4]
وفي المجال العام، يمكن تطبيق الفكرة تحليليًا على قرارات تبدو معقولة من المكتب، لكنها تفرض صعوبات يومية على المواطنين. فتغيير إجراء إداري قد يُعرض بوصفه خطوة بسيطة، بينما يحتاج المستفيد إلى سفر وانتظار وكلفة لا تظهر في التقرير. وحين لا تُستقبل هذه الخبرة باعتبارها معرفة ضرورية، يصبح القرار مكتملًا في ذهن واضعه وناقصًا في حياة من يطبَّق عليهم.
ويتجاوز الأمر ضعف التعاطف إلى خسارة معلومات لا يستطيع صاحب المنصب إنتاجها بمفرده. فخبرة الموظف الميداني والمراجع والمريض والمعلم تكشف جوانب تتعذر رؤيتها من الأعلى. وكلما ارتفعت مكانة المسؤول زادت حاجته إلى وسائل تعيده إلى هذه التفاصيل. أما الاطمئنان إلى أن الموقع يمنحه فهمًا شاملًا، فيوسع الفجوة بين كثرة المعلومات المتاحة وعمق المعرفة المستخدمة.
المديح حين يتحول إلى بيئة للتفكير
تتغذى سكرة السلطة من العلاقة اليومية بالمحيط. فالناس قد يوافقون لأسباب متعددة: احترام المنصب، أو الخوف من العواقب، أو الرغبة في تجنب خلاف مرهق، أو الاعتقاد بأن النقاش لن يغير النتيجة. لكن المسؤول قد يجمع هذه الدوافع المختلفة في تفسير واحد هو اقتناع الجميع بصواب رأيه. وهكذا يُقرأ الصمت باعتباره رضا، وتُقرأ المجاملة باعتبارها شهادة بالكفاءة.
ومع الوقت يمكن أن تتغير طبيعة النقاش من دون قرار صريح بإلغائه. يكفي أن يقاطع المسؤول من يعترض، أو يسخر من ملاحظة، أو يمنح اهتمامًا أكبر لمن يؤيد، حتى يتعلم الحاضرون ما يُقبل وما يُستبعد. ثم تصبح الاجتماعات أكثر هدوءًا وأقل فائدة؛ إذ يصل الاختلاف بعد تهذيبه إلى حد يفقد معه قدرته على التنبيه.
وقد يزداد أثر المديح حين يكون عامًا وغير محدد. فالثناء على نجاح إجراء بعينه يظل قابلًا للمناقشة، أما تصوير صاحبه بأنه صاحب رؤية لا تخطئ فيرفع التوقعات من أدائه إلى شخصه كله. وإذا تكررت هذه اللغة في المناسبات والاجتماعات، فقد يبدأ بالتعامل معها باعتبارها معرفة مشتركة، ثم يشعر بأن النقد الجديد تراجع غير مبرر عن حقيقة ثبتت سابقًا.
والتحليل هنا يتعلق بكيفية تشكل البيئة النفسية للقرار. فالإنسان يحتاج إلى احتكاك منتظم بحدود معرفته، وإلى من يقدم له أسبابًا جدية لمراجعة تقديره. وحين تختفي هذه الخبرة من يومه، تصبح صورته عن قدراته أقل تعرضًا للاختبار، حتى لو بقيت نياته الأولى في خدمة الناس حاضرة في خطابه.
كيف يتحول الاعتراض إلى إساءة شخصية؟
تشتد سكرة السلطة عندما تضيق المسافة بين المنصب والهوية الشخصية. فالمسؤول يبدأ بإدراك نقد السياسة بوصفه نقدًا لقيمته، ومراجعة القرار بوصفها تقليلًا من مكانته. وعندئذ ينشغل بالدفاع عن نفسه قبل دراسة الملاحظة، وتصبح نبرة المعترض أو توقيت كلامه أهم من الوقائع التي يطرحها.
يمكن أن يظهر ذلك في موقف بسيط: يذكر مختص أن خطة معينة تحتاج إلى تعديل، فيجيب المسؤول بالتذكير بخبرته الطويلة وإنجازاته السابقة. وقد تكون تلك الإنجازات صحيحة، لكنها لا تجيب عن المشكلة المطروحة. فالانتقال من مناقشة الدليل إلى استحضار المكانة يكشف اختلالًا في معيار الترجيح؛ إذ تُستخدم السيرة الشخصية لحسم مسألة تحتاج إلى فحص مستقل.
ثم تتأثر القدرة على الاعتراف بالخطأ. فإذا بُنيت صورة القيادة على الصواب الدائم، أصبح التصحيح مكلفًا نفسيًا ورمزيًا، وقد يفضَّل تأجيله أو تغيير تفسير النتائج بدل إعلان الحاجة إليه. وتتعمق الأزمة حين يُطلب من المحيط الدفاع عن القرار بعد ظهور عيوبه، فينصرف جزء من الجهد إلى حماية صورته بدل تحسين أثره.
ومن العلامات المهمة أيضًا تغير المعيار بحسب صاحب الرأي. فقد تُرفض الملاحظة من شخص ثم تُقبل حين تصدر عن آخر أقرب إلى المسؤول، أو حين يعيد المسؤول نفسه طرحها لاحقًا. وهذا يجعل مضمون الفكرة تابعًا للعلاقة بصاحب السلطة، ويضعف الثقة بإمكان الحوار المنصف، حتى لدى أشخاص يملكون معرفة نافعة ويريدون المساعدة.
القدرة على الفرض وحدود التحكم بالنتائج
قدرة المسؤول على اعتماد قرار لا تعني أنه يملك التحكم بجميع الظروف التي تحدد نتيجته. فالقرارات تتحرك داخل واقع متعدد الأطراف، يتأثر بالإمكانات والتوقيت والاستجابة الاجتماعية والأخطاء غير المتوقعة. وتبدأ مشكلة تقدير العواقب حين تمتد خبرة الطاعة داخل المؤسسة إلى تصور بأن الواقع نفسه سيستجيب بالإيقاع الذي يريده صاحب النفوذ.
في هذه الحالة قد تُختصر المراحل، وتُرفع الأهداف، وتُعتمد مواعيد يصعب الوفاء بها، اعتمادًا على أن الإرادة الحاسمة ستعالج ما ينقص من شروط. وعندما تظهر العقبات، يُطلب مزيد من الضغط بدل مراجعة التقدير الأول. وهذا مسار تحليلي محتمل يوضح كيف تتداخل الثقة المفرطة مع ضعف الاستماع، دون افتراض أنه يفسر وحده كل تعثر إداري أو سياسي.
وتصبح المخاطرة أكبر حين تحجب الامتيازات الشخصية تبعات القرار عن صاحبه. فصعوبة الإجراء لا تمسه كما تمس المراجع، وتراجع الخدمة لا يحد خياراته كما يحد خيارات الأسر، وتأخر المشروع لا يغير يومه بالطريقة نفسها. ومن ثم يحتاج تقدير العواقب إلى جهد مقصود يستحضر خبرة المتأثرين، لأن سهولة الحياة داخل الموقع قد تمنح انطباعًا مضللًا عن قدرة الجميع على التكيف.
ويشمل الاتزان إدراك الفرق بين الزمن السياسي والزمن الاجتماعي. فقد يبحث المسؤول عن نتيجة سريعة تدعم صورته، بينما يحتاج إصلاح التعليم أو الإدارة إلى تراكم ومراجعة وصبر. وإذا قاس نجاحه بسرعة الإعلان، فقد يقل اهتمامه بما يحتاجه التنفيذ من إعداد. هنا تتجلى سكرة السلطة في الاعتقاد بأن قوة الرغبة تستطيع تجاوز شروط الإنجاز، وأن التأخير دليل قصور الآخرين وحدهم.
لماذا تتفاوت استجابة أصحاب النفوذ؟
تتأثر علاقة الإنسان بالسلطة بخبراته وقيمه ودوافعه، وبالقيود التي يعمل ضمنها، وبالطريقة التي يعرّف بها مسؤوليته. لذلك لا يمكن الانتقال من نتائج بحثية عن نزعات محتملة إلى حكم شامل بأن النفوذ يفسد كل من يملكه. والأدق دراسة الظروف التي تمنح تلك النزعات فرصة للتضخم، والظروف التي تبقيها قابلة للمراجعة.
وقد تزداد القابلية حين يمتد البقاء في الموقع من دون تقييم مستقل، فيعتاد المسؤول أن يكون مرجعًا نهائيًا، وتتراجع المواقف التي يُطلب منه فيها تفسير اختياره. كما أن النجاح الطويل قد يضاعف الاطمئنان إذا استُخدم لإلغاء الحاجة إلى التحقق. وتصبح التجربة السابقة عبئًا حين تتحول إلى وصفة ثابتة تُطبَّق على أوضاع جديدة دون الانتباه إلى اختلافها.
وفي المقابل، يستطيع صاحب النفوذ أن يحتفظ باتزانه إذا ظل واعيًا بأن موقعه يمنحه مسؤولية أوسع ومعرفة جزئية. وتساعده على ذلك علاقات تسمح بالمصارحة، وخبرة دورية بالعمل خارج المظاهر الرسمية، واستعداد لفصل احترامه الشخصي عن تقييم أدائه. كما أن وضوح حدود الصلاحيات يذكره بأن قيمة الدور تتحدد بما ينجزه ضمن مسؤولياته.
ومن الضروري كذلك الانتباه إلى تعدد مصادر السلطة. فالرئاسة والوزارة والإدارة تمنح نفوذًا رسميًا، لكن الشهرة والثروة والمكانة الاجتماعية قد تنتج بدورها قدرة على التأثير واستجابة واسعة من المحيط. وتختلف حدود هذه المواقع ونتائجها، إلا أن السؤال النفسي يظل حاضرًا: كيف يحافظ الإنسان على واقعية تقديره حين يصبح الآخرون أكثر حرصًا على موافقته؟
وتنشأ هنا مفارقة تتعلق بالتعلم: يحتاج المبتدئ إلى المراجعة لأنه يعرف أن خبرته محدودة، أما صاحب الخبرة فقد يحتاج إليها لأنه أصبح أقل شعورًا بحدودها. فالتراكم المهني يساعد على رؤية الأنماط، لكنه قد يشجع أيضًا على افتراض أن المشكلة الجديدة نسخة من مشكلة قديمة. ويستعيد التفكير مرونته حين يسأل صاحبه عما تغير في الظروف، وعن العناصر التي لا يستطيع تفسيرها بأدواته المعتادة.
كما أن ضغط الوقت قد يمنح الميل إلى الاختصار مبررًا دائمًا. فالمسؤول يواجه ملفات كثيرة، وقد يرى أن الاستماع الطويل يعطل الإنجاز. لكن انتظام الاستعجال يجعل القرارات أكثر اعتمادًا على الانطباع الأول، ويقلل فرصة وصول التفاصيل المخالفة له. ولذلك يصبح تنظيم المشورة وتحديد المسائل التي تستدعي تدقيقًا أعمق جزءًا من كفاءة القيادة، خصوصًا حين تتسع آثار الاختيار ويصعب الرجوع عنه.
ما الذي يحفظ القدرة على المراجعة؟
تبدأ الوقاية بجعل المراجعة جزءًا طبيعيًا من أداء المسؤولية. فقبل اعتماد القرار، يحتاج صاحبه إلى معرفة الافتراضات التي يقوم عليها، والنتائج التي ستدل على نجاحه، والعلامات التي ستستدعي تعديله. ويساعد تسجيل هذه التوقعات على منع إعادة تفسير كل نتيجة لاحقة بوصفها تأكيدًا للرؤية الأصلية، كما يمنح التعلم أساسًا واضحًا يتجاوز الذاكرة الانتقائية.
وتحتاج المشورة إلى شروط تجعلها مؤثرة فعلًا. فمن المفيد أن تُعرض البدائل قبل إعلان التفضيل النهائي للمسؤول، وأن يُمنح المختصون وقتًا لشرح أسباب الاختلاف، وأن تُناقش أقوى الاعتراضات على الخيار المفضل. وحين تكون نتيجة النقاش معروفة قبل بدايته، تتحول المشاورة إلى إجراء شكلي يعزز الثقة بدل أن يختبرها.
كذلك ينبغي أن تتصل المعلومات بالنتائج التي يعيشها الناس. فعدد المعاملات المنجزة لا يكشف وحده سهولة الخدمة، وعدد الاجتماعات لا يثبت جودة التنسيق، وكثرة الإعلانات لا تعني اكتمال التنفيذ. ويحتاج التقييم إلى مؤشرات تعكس الزمن والكلفة والجودة والأثر، وإلى شهادات من المستفيدين تسمح بتصحيح الصورة التي تصل عبر التقارير الرسمية.
أما المحاسبة فتمنح هذه المراجعة وزنها العملي. فعندما يعرف المسؤول أنه سيُسأل عن أسباب الاختيار وعن النتائج، تصبح حاجته إلى التحقق أكبر. ويكتمل ذلك بإتاحة التصحيح المبكر؛ لأن البيئة التي تعاقب كل اعتراف بالخطأ قد تدفع إلى إخفائه. والمسؤولية الرشيدة تميز بين خطأ يُكشف ويُعالج، وإصرار على تجاهل الأدلة أو حجبها.
ويظل للإنسان نفسه دور أساسي في حماية اتزانه، يبدأ من قبول أن المنصب لا يرفع قدرته على المعرفة في جميع المجالات، وأن الاحترام الذي يتلقاه يرتبط جزئيًا بوظيفته. وحين يستطيع تصور حياته بعد مغادرة الموقع، يصبح أقدر على ممارسة دوره بحدود واقعية، وأقل حاجة إلى إثبات ذاته عبر الانتصار في كل نقاش أو الإصرار على كل قرار.
ويمكن للمسؤول أن يختبر علاقته بالنقد عبر أسئلة عملية يوجهها إلى نفسه بعد الاجتماعات: هل تغير شيء في رأيي نتيجة ما سمعته؟ وهل استطاع أحد عرض حجة تخالف اختياري حتى نهايتها؟ وهل حصل ناقل الخبر السيئ على فرصة مماثلة لناقل الخبر المريح؟ إن تكرار الإجابات السلبية لا يثبت وحده وجود سكرة السلطة، لكنه يدعو إلى فحص البيئة التي يتشكل داخلها القرار.
ويمتد الاختبار إلى طريقة التعامل مع الخبرة المتخصصة. فالمختص يقدم معرفة لها حدود واحتمالات، وقد يبدو أقل يقينًا من المتحدث الذي يعد بنتائج قاطعة. وإذا فضّل صاحب السلطة الوعد المريح على التقدير الدقيق، فإنه يعاقب التحفظ العلمي ويكافئ المبالغة. ومع مرور الوقت تتغير نوعية النصائح التي تصله، فيصبح اليقين أعلى فيما تصبح القدرة على التنبؤ أضعف. وإبقاء مساحة للاعتراف بعدم المعرفة يحمي القرار من هذا الانحدار التدريجي.
إن فهم سكرة السلطة يتيح التعرف مبكرًا إلى مسار يتدرج من تضخم الثقة إلى ضعف الاستماع واختلال تقدير العواقب. وتُحفظ سلامة التفكير حين تبقى القوة محاطة بمعرفة قابلة للفحص، ومشورة تستطيع الاعتراض، ومسؤولية تتصل بالنتائج. فكلما اتسعت قدرة الإنسان على التأثير في حياة الآخرين، ازدادت حاجته إلى من يساعده على رؤية حدوده، وإلى شجاعة مراجعة نفسه قبل أن تصبح أخطاؤه كلفة عامة.



اضف تعليق