يناقش المقال أهمية المبادرات الفردية في صناعة النهوض الحضاري، مؤكدًا أن تقدم المجتمعات يتشكل من تراكم جهود الأفراد وتكامل قدراتهم مع المبادرات العامة. ويستند إلى شواهد قرآنية وروائية لإبراز قيمة التمكين والتكافل، داعيًا الأسرة والمجتمع والدولة إلى احتضان الطاقات الفردية، وتوفير بيئة آمنة للإبداع، بدل محاربتها بالحسد أو الخوف...

إنَّ الأُمَّةَ التي تُلغي دورَ المبادراتِ الفرديَّةِ لا تنهض أبدًا؛ لأنَّ النهوضَ، في حقيقةِ الأمر، هو في أحيانٍ كثيرةٍ عبارةٌ عن مجموعِ مبادراتٍ فرديَّةٍ في مجالاتٍ مختلفةٍ، فتتراكم لتُنتج نهوضًا حضاريًّا.

وربَّما في قولِ أميرِ المؤمنينَ (ع): (وأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، ورَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلًا، فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ، كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ) إشارةٌ راقيةٌ ورائعةٌ إلى هذا المعنى.

فالإمامُ (ع) يوصي مَن وهبهُ الله تعالى ميزةً من نوعٍ ما أن يفيضَ بها على الآخرين إذا لم تسعفهم ميزةٌ، في عمليةِ تمكينٍ وتكاملٍ وتكافلٍ رائعةٍ، هي حجر الزاوية في البناءِ والنهوضِ الحضاري.

وبإفاضات بعضهم على البعض الآخر مما تميَّز به كلُّ فردٍ في المجتمعِ يتكامل النهوض الحضاري، خاصةً ونحن نعلم علمَ اليقين أنَّ الله تعالى قسَّم ذلك بين العباد، ولم يجمعها في شخصٍ واحدٍ فقط.

يقول تعالى في هذا الصدد على لسان نبيِّه موسى (ع): (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ* قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).

وإذا كان كلامُ الإمامِ (ع) يخصُّ هنا ساحةَ الحربِ، فهو ينطبقُ على الساحاتِ الأخرى كذلك؛ ولذلك نلاحظ دورَ المبادراتِ الفرديَّةِ في تحقيق النهوضِ الحضاري في حياةِ الشعوبِ والأممِ، إذ نلحظ في أغلبِ الأحيان أنها لو لم تكن موجودةً في الأمةِ لما حققت نهوضًا أبدًا.

فلقد حققت مبادرةٌ فرديَّةٌ لنبيِّ الله يوسف (ع) انقلابًا جذريًّا في مجتمعِ مصرَ، أنقذت البلاد من الفسادِ بكلِّ صوره، كما قضت على المؤسسةِ [الدينيَّةِ] التي كانت توظِّف [المقدَّس] لتجهيل المجتمعِ والسيطرةِ على الدولةِ ومؤسساتِها وخيراتِها، بالإضافة إلى السرقاتِ المنظمةِ التي كانت تمارسها بذريعةِ طاعةِ الإلهِ والتقربِ إليهِ بتلبيةِ حاجاته! كما يصفهم ربُّ العزةِ بقولهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).

ولقد شرَّع القرآن الكريم حقيقةَ المبادرات الفرديَّة بقولهِ: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)، وقولهُ تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).

حتى على مستوى التفكرِ والتفكيرِ والإبداعِ والتجديدِ الفكري، لا ينبغي إغفالُ المبادراتِ الفرديَّةِ، فليس دائمًا يتحقق الصوابُ بالتفكير والتفكرِ الجماعي؛ فهو في بعضِ الأحيان يشكل عقبةً في طريقِ التنميةِ البشريةِ والإبداعِ الفكري.

يلزم رعايةُ المبادرات الفرديَّة في المجتمعِ، وتنميةُ قدراتِ مَن يتميز بها، وتشجيعهِ على صقلها وبلورتها وتنميتها وتمكينها؛ لتظهرَ للعيانِ مشاريعُ نهوضٍ وتنميةٍ، وعدم التصرفِ معها بعدوانيَّةٍ وحسدٍ وحقدٍ وبغضاءٍ، سواءً من قبلِ المجتمعِ، ومنهُ الأسرة، أو من قبلِ الدولة ومؤسساتِها.

يقول أميرُ المؤمنينَ (ع): (ولَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ ولَا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ واعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ ويُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الأَمَلَ فَإِنَّه غُرُورٌ وصَاحِبُه مَغْرُورٌ)، فـ(صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ).

إنَّ النشء الجديد الذي يتعلم في بيئةٍ مختلفةٍ كلَّ الاختلافِ عن ظروفِ تعلمِ الجيل الذي سبقه، يمتلك الكثيرَ من المبادراتِ الفرديَّةِ التي يخلقها برؤيتهِ المتميزة والمتجددة للحياةِ، لكنه لم يظهرها أو لم يتمكن من تبنيها وبلورتها كمشاريع؛ لأنَّ المبادرةَ الفرديَّةَ بحاجةٍ إلى أرضيةٍ آمنةٍ ومنفتحةٍ تحتضنها، فإذا خاف ولم يشعر بالأمن فسيكبت مبادراتهِ أو يلغيها، وبالتالي يخسر المجتمع فرصَ النهوض الحضاري.

ومن أكبر الأخطاء في هذا الصدد أن يتصور المجتمع أو الدولة أنَّ المبادرات الفرديَّة، إذا نجحت، فستكون على حسابِ المبادراتِ العامةِ، مبادرات المجتمع أو الدولة، لا فرق؛ فهي، كما يظنُّ البعض، تتقاطع مع بعضها، فإذا نمت المبادرات الفرديَّة غابت أو خبت المبادرات المجتمعيَّة؛ ولذلك يحاربها المجتمع وتقف بوجهها الدولة، وهنا يكمن المقتل الحقيقي للمبادراتِ الفرديَّة والعامة على حدٍّ سواء.

يقول الجاهلون: اقتلوا المبادرات الفرديَّة لتحموا مبادرات الدولة!

يجب أن يؤمن المجتمع، وتتيقن الدولة، أنَّ العلاقةَ بين كِلَي النوعين من المبادرات هي علاقةٌ تكامليَّةٌ وليست متقاطعةً، فهما يسيران بالتوازي، وفي نهايةِ المطاف يلتقيان ولا يتقاطعان.

ولذلك نلاحظ أنَّ الأممَ الناهضةَ في العالم وعلى مرِّ التاريخ تهتمُّ جدًّا بالمبادراتِ الفرديَّةِ، فتفرد لها مدارسَ وجامعاتٍ ومعاهدَ وميزانياتٍ خاصةً وأجواء تعليميةً آمنةً وإمكانياتٍ وقدراتٍ ورعايةً، فتحتضنها بكلِّ أسبابِ الديمومةِ والإنتاج، على العكسِ من الأممِ المتخلفةِ عن الركبِ الحضاري التي تهيئ المقابرَ لدفنها والقضاءِ عليها!

اضف تعليق