في الأمتار الأخيرة من العام 2015 توصلت كوريا الجنوبية واليابان إلى اتفاق تاريخي لحل قضية "نساء المتعة"، وهو تعبير مجازي كان يطلق على النساء اللواتي أجبرن على العمل في بيوت الدعارة في اليابان في زمن الحرب.

وقدمت اليابان اعتذارا، وستدفع نحو مليارين، أي ما يعادل 8.3 ملايين دولار، لصندوق تشرف عليه كوريا الجنوبية للضحايا.

وهذا الاعتذار جاء من واقع الشعور بـ "بالمسوؤلية العميقة" تجاه قضية نساء المتعة، حسب تعبير وزير الخارجية الياباني..

ولا يبتعد هذا الاعتذار عن الجدل الدائر في بريطانيا حول ارث الاستعمار الذي يثيره تمثال عادي من الرخام لسيسيل جون رودس، احد مهندسي التوسع الاستعماري البريطاني في أفريقيا الجنوبية، موجود في جامعة اوكسفورد، مع دعوة طلاب الى ازالته.

ويرى كثيرون ان "صنع تمثال لشخص ما يعني بشكل واضح قبول ارثه ضمنًا".

ويوجد تمثال سيسيل رودس (1853-1902)، مؤسس شركة المناجم "دي بيرز"، في وسط المدينة الجامعية على واجهة مبنى اورييل كوليدج. وكتبت تحت التمثال المنحوت عبارة تشيد بهذا الرجل الذي يؤمن بتفوق البيض.

في العام الحالي 2016 يستذكر العالم مرور نحو 100 عام على اتفاقية سايس بيكو ووعد بلفور، اللذين طُبخا في لندن وباريس خلال الأيام الأخيرة من الإمبراطورية العثمانية ومهدا الطريق لتقسيم العالم العربي الى الدول القائمة اليوم وانشاء دولة اسرائيل. وإذا كانت ذكرى الاتفاقية والوعد تتلاشى في الغرب مع اقتراب مئويتهما فانهما ما زالا يُحمَّلان مسؤولية المشاكل التي ابتلت بها منطقة الشرق الأوسط في وقت تشهد المنطقة اعمال عنف ومصائب لم تعهدها من قبل.

وقال يوجين روغان الباحث في جامعة اوكسفورد ومؤلف العديد من الأعمال المهمة عن الشرق الأوسط لصحيفة الغارديان "ان هذا تاريخ لن تنساه الشعوب العربية ابدا لأنها ترى ان له علاقة مباشرة بالمشاكل التي تواجهها اليوم".

واتفاقية سايكس ـ بيكو ووعد بلفور كانا حدثين سياسيين اورثا تركة متفجرة من المرارة والصراع.

وسيكون 2016 ايضا عام تقرير تشيلكوت الذي طال انتظاره عن دور بريطانيا في غزو العراق عام 2003 الذي يشكل عاملا رئيسيا وراء ما تشهده المنطقة من دمار اليوم.

كما سيشهد عام 2016 ذكرى أخرى محرجة لبريطانيا هي مرور 60 عاما على الهجوم الانكلو ـ فرنسي على مصر بمشاركة إسرائيل خلال ازمة السويس عام 1956.

ما الذي نعنيه بالاستعمار؟

على الرغم مما ارتبط بتلك الكلمة ذات مرة من دلالات النزعة الإقليمية الضيقة وانعدام الذوق، فان كلمة الاستعمار أصبحت تعني في القرن العشرين تحديدا الغزو عنوة والاحتلال وإدارة الثقافات والشعوب غير الغربية بواسطة القوى الاوربية والأمريكية الشمالية. وبهذا المعنى يتضح بكل جلاء ان الاستعمار ظاهرة ترتبط بالقرنين التاسع عشر والعشرين. غير انه يمكن تعقب جذور هذه الظاهرة بصفة خاصة الى مرحلة الازدهار الكبير للرأسمالية التجارية وما رافقها من ظهور أيديولوجيا النزعة الفردية الليبرالية في اوربا ابان القرن الثامن عشر.

من هنا نلاحظ ان النزعات الاستعمارية والنزعة الفردية الساعية الى التملك يسيران معا جنبا الى جنب كما يدلنا على ذلك تبرير الفيلسوف جون لوك لعمليات الاستيلاء على الأرض في الامريكيتين وذلك في كتابه "دراستان عن الحكومة". وتتمثل الاهتمامات الأساسية للدراسة الثانية في تأكيد حقوق الفرد الطبيعية في حالة الطبيعة، حيث يتم تأسيس وتبرير وجود الحكومة المدنية وامتلاك الثروة وحمايتها بالعمل الفردي، واستخدام كل ذلك ليضفي في النهاية مشروعية –ليس فقط على تملك الأرض على نحو غير متناسب وغير متكافئ– وانما كذلك على تملك الاوربيين "للغابات البرية والأراضي الشاسعة غير المزروعة في أمريكا".

فجون لوك ينظر الى أمريكا كمساحي هائلة من الاراضي غير المستغلة، لأنها غير مزروعة، قريبة في طبيعتها للأرض المشاع التي تخضع – تلطفا-للقانون العام البريطاني. ويصور السكان المحليون بدورهم بأنهم يفتقرون الى الكفاءة التي تؤهلهم لاستغلال تلك الأراضي على النحو الذي تستحقه.

وواضح ان رؤية جون لوك لنمط أمريكا البدائية على انه يطابق مفهوم "العصور الأولى" عن الحياة في قارتي اسيا واربا، انما تعبر عن شعور الثقافة الغربية بالاستعلاء على نظائرها من الثقافات غير الغربية. واقترن هذا الشعور بالاستعلاء خلال القرنين التاليين بتسارع النمو الصناعي وما اتاحه ذلك من قوة مادية ملموسة. وترتب على سيطرة الغرب انه بات من المفروض على الثقافات غير الغربية ان تعيش وفقا لأجندة تحددها مصالح العالم الغربي الأكثر قوة.

ويلاحظ ان إرساء دعائم السيادة الامبريالية، التي يؤشر لها نمو النزعة العسكرية التي أصبحت تميز الغرب واوربا باطراد منذ أسس بسمارك الرايخ لالماني الثاني في عام 1871 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، كل ذلك كان إيذانا ببداية عصر التنافس الامبريالي بين الدول الاوربية الكبرى لإقامة نوع من السيطرة الاقتصادية الكاملة او الحكم المباشر لأراضي دول اجنبية، خاصة في قارة افريقيا التي اكتشفت مؤخرا. ولا شك انه كان من أسباب هذا التوسع الامبريالي الرغبة التي فجرتها قوى السوق الحر لتامين الحصول على الموارد الطبيعية المهمة، وهي رغبة مقترنة بالتطلع الى الأرباح المالية التي يعتقد ان النمو الاقتصادي الامبريالي يمكن ان يحققها. ويلاحظ ان ذلك الاستغلال وتلك المعاناة التي ينطوي عليها مثل هذا النوع من الممارسات الاستعمارية قد صورها باقتدار جون كونراد في روايته التي صدرت عام 1902 بعنوان "قلب الظلام"، وكذلك صورت الدمار الثقافي الذي تسبب فيه أولئك المستعمرون.

ويمكن ارجاع البدايات الأولى لزوال القوة الاستعمارية الاوربية الى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وما أدت اليه من اندحار الامبراطوريتين الألمانية والنمساوية. وفي نفس الوقت أدى ظهور الاتحاد السوفييتي الشيوعي في روسيا عام 1917 الى مزيد من تقوية النموذج الصناعي الغربي وتدعيم قدرته على الهيمنة الثقافية. ولهذا كان صراع السبعين عاما بين الليبرالية الغربية والشيوعية الشرقية، صراعا بين المعسكرين من أرضية مشتركة انتهت الى توسيع وتدعيم السيطرة الاقتصادية والثقافية للغرب. والامر اللافت للنظر في ذلك ان تاريخ العالم غير الغربي، او بدقة اكبر العالم غير الشمال الغربي، في القرن العشرين قد تحدد في حقيقته تبعا لعلاقاته بالدول التي كرست وجودها خلال القرن التاسع عشر كسادة البشرية الكبار.

وغداة الحرب العالمية الثانية بدأت الامبراطوريات العظمى للدول الاوربية الغربية تنحسر بشكل حاسم وملموس، رغم اتجاه الحكومتين الهولندية والفرنسية الرافض لذلك، وبدأت بريطانيا بعد ان انتهت الحرب وبسبب ما كانت تواجهه من ضعف وضعها الاقتصادي، تتخلى عن سيطرتها على تلك الأجزاء من القارتين الهندية والافريقية التي كانت تستعبدهما في السابق، واجبر الفرنسيون في نهاية الامر على الجلاء عن الجزائر وعن بعض مستعمراتهم الأخرى. ومع ذلك فان زوال هذا الشكل من الاستعمار لا يعني نهاية قصة الاستعمار.

وربما كانت الولايات المتحدة قد شجعت صراحة على تفكيك الامبراطوريات الاوربية، ولكنها انما فعلت ذلك لان زوال تلك الامبراطوريات كان يعني لها فرصة لتوسيع نفوذها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي اقترن بتصاعد صراعها مع الاتحاد السوفييتي. وكانت محصلة ذلك الصراع انهيار الإمبراطورية السوفييتية في العام 1989 وايذانا ببداية عصر السيطرة الامريكية على العالم. واقترنت تلك السيطرة بتقديم قروض ضخمة الى ما يعرف بدول العالم الثالث، التي حاولت جماعات الصفوة فيها محاكاة النموذج الغربي. وأدى ذلك الى تكون مديونيات تعجز المقترضين، والتي لم تؤد سوى الى توسيع الهوة بين الشمال والجنوب. كذلك أدى نمو الممارسات الاقتصادية العولمية، التي اقترنت بالشركات العابرة للقوميات، الى ازدهار الهيمنة الاقتصادية والثقافية لأمريكا. وهكذا أخيرا افسح الاستعمار الأوربي الطريق للاستعمار الأمريكي.

ومما يدلل على ان الممارسات الاستعمارية للقوى الغربية ظلت محتفظة بطابعها الذي كانت تتسم به في القرن التاسع عشر: حرب الخليج الثانية "حرب تحرير الكويت" وغزو العراق بقيادة أمريكية ومساندة بريطانية للقضاء على دكتاتور العراق صدام حسين، انما كانت تعبيرا عن النزعة العسكرية والنزعة الاستعمارية. ثم جاءت تأكيدات قادة الدولتين فيما بعد بان المبرر الرئيسي للغزو هو ادخال الديمقراطية الليبرالية الى العراق، جاءت تلك التأكيدات لتغذي الشكوك التي ذهبت الى ان الاستعمار الثقافي ليس اقل شغفا بالغزو سعيا الى السيطرة من نظائره الامبريالية في القرن التاسع عشر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2