إن معركة المستقبل ليست بين المثقف وغير المثقف، بل بين ثقافة تصنع الإنسان، وثقافة تصنع صورته فقط. الأولى تبني الضمير والعقل والقدرة على التغيير، والثانية تكتفي بالمظاهر والشعارات والانطباعات السريعة، وعندما تتحول الثقافة من معلومات تُستهلك إلى قيم تُمارس، ومن أقوال تُردد إلى أفعال تُترجم...
في أحد المقاهي، كان أربعة شبّان يتجادلون بحرارة حول كتاب لم يقرأه أيٌّ منهم. كان كل واحد يقتبس جملة مبتورة شاهدها في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يبني عليها أحكامًا نهائية عن الفلسفة، والسياسة، والدين، والمجتمع. وبعد دقائق، انتقل النقاش إلى قضية أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة، من دون أن يكلّف أحدهم نفسه عناء التحقق من معلومة واحدة أو العودة إلى مصدر واحد. انتهى اللقاء كما بدأ؛ ضجيجٌ كثير، وأفكارٌ قليلة، وثقةٌ مفرطة بمعرفة لم تُبنَ على معرفة.
قد تبدو هذه الحكاية عابرة، لكنها تختصر ملامح مرحلة كاملة. فالمشكلة التي تواجه كثيرًا من المجتمعات اليوم ليست ندرة المعلومات، بل وفرتها المربكة، وليست غياب الثقافة، بل تحوّلها في كثير من الأحيان إلى مظهر اجتماعي أو رأسمال رمزي يُستخدم لإثبات التفوق، أكثر من كونها وسيلة لفهم العالم وإصلاح الذات. وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أسئلة الاقتصاد والسياسة: هل نعاني فعلًا من نقص في الثقافة، أم من انتشار ثقافة سطحية تمنح الإنسان وهم المعرفة وتحجبه عن المعرفة الحقيقية؟
لقد أصبح من السهل أن يبدو الإنسان مثقفًا، وأن يتحدث في كل شيء، وأن يشارك اقتباسات وأفكارًا وصورًا توحي بالعمق، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن تتحول تلك المعرفة إلى سلوك، وأن تصبح الثقافة قدرة على اتخاذ موقف أخلاقي، وإنتاج فكرة، واحترام الاختلاف، وتحمل المسؤولية. فالثقافة التي لا تغيّر الإنسان من الداخل، تبقى مجرد معلومات محفوظة لا تختلف كثيرًا عن الملفات المخزنة في ذاكرة الحاسوب.
هذا التحول هو ما يجعل الحديث عن الثقافة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمجتمعات لا تتراجع فقط بسبب الفقر أو ضعف الاقتصاد، وإنما تتراجع أيضًا حين تهيمن عليها ثقافة الاستسهال، والاختصار، والانفعال، واليقين السريع، ويصبح الرأي بديلًا عن المعرفة، والانطباع بديلًا عن البحث، والصوت المرتفع بديلًا عن الحجة.
لقد ميّز المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بين المثقف الذي يكتفي بإنتاج الأفكار، والمثقف العضوي الذي يعيش أفكاره داخل المجتمع ويحوّلها إلى ممارسة يومية. وهذا التمييز يبدو اليوم أكثر راهنية؛ إذ لم تعد الأزمة في قلة الكتّاب أو المتحدثين، بل في ندرة أولئك الذين تنعكس ثقافتهم على سلوكهم، في احترامهم للآخر، ونزاهتهم، وطريقتهم في العمل، وتعاملهم مع المسؤولية.
فالإنسان قد يحمل أعلى الشهادات العلمية، لكنه يفتقد أبسط مقومات الثقافة الإنسانية إذا كان يمارس التعصب، أو يحتقر المختلف، أو يبرر الفساد، أو يسيء استخدام السلطة. وفي المقابل، قد لا يمتلك شخص آخر تعليمًا أكاديميًا متقدمًا، لكنه يملك وعيًا أخلاقيًا، واتزانًا فكريًا، واحترامًا للإنسان، يجعله أكثر ثقافة من كثير ممن يملكون الألقاب العلمية.
ولهذا فإن اختزال الثقافة في الكتابة أو القراءة أو الحصول على شهادة جامعية، هو أحد أكثر أشكال الفهم السطحي للثقافة نفسها. فالثقافة ليست كمية الكتب التي نقرأها، بل مقدار ما تغيّره تلك الكتب فينا. وليست عدد الاقتباسات التي نحفظها، بل عدد المواقف التي نصبح فيها أكثر عدلًا وإنصافًا وإنسانية.
ويشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن الثقافة تتحول أحيانًا إلى ما يشبه "رأس المال الرمزي"، أي وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية، أكثر من كونها مشروعًا لتطوير الإنسان. وهذا ما يمكن ملاحظته في كثير من البيئات التي يُستخدم فيها الخطاب الثقافي لإظهار التفوق، بينما تغيب قيم الحوار، والتواضع، والإنصات، واحترام الحقيقة.
ولعل أخطر ما أنتجته البيئة الرقمية الحديثة أنها جعلت الوصول إلى المعلومة أسرع من القدرة على فهمها. فخلال دقائق معدودة يستطيع أي شخص أن يطالع عشرات الأخبار والتحليلات والاقتباسات، لكنه قد لا يمنح نفسه عشر دقائق للتأمل أو النقد أو التحقق. وهكذا تنشأ حالة يمكن وصفها بـ"التخمة المعلوماتية"، حيث يزداد حجم المعرفة الظاهرية، بينما يتراجع الفهم العميق.
وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المتعلقة بالتربية الإعلامية والمعلوماتية إلى أن امتلاك المعلومات لا يكفي، بل إن القدرة على تحليلها، والتحقق من مصادرها، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، أصبحت من أهم مهارات القرن الحادي والعشرين. فالمجتمع الذي يستهلك المعلومات من دون أن ينتج التفكير، يصبح أكثر عرضة للتضليل، وأكثر هشاشة أمام الشائعات والخطابات الشعبوية.
ومن هنا، فإن أخطر آثار الثقافة السطحية لا تظهر في المجال الثقافي وحده، بل تمتد إلى السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والإدارة، وحتى العلاقات الإنسانية. فالموظف الذي يرفض تطوير نفسه، والطبيب الذي يتوقف عن التعلم، والإداري الذي يعتقد أن المنصب يغنيه عن القراءة، والمعلم الذي يكرر ما تعلمه قبل عشرين عامًا، جميعهم ضحايا لثقافة ترى أن المعرفة محطة وصول، بينما هي في الحقيقة رحلة لا تنتهي.
ولا يمكن لمجتمع أن يحقق نهضة حقيقية إذا بقي ينظر إلى الثقافة بوصفها نشاطًا نخبويا أو ترفًا فكريًا. فالثقافة ليست مهرجانًا سنويًا، ولا معرضًا للكتب، ولا أمسية شعرية فقط، بل هي طريقة في التفكير، وأسلوب في اتخاذ القرار، ومنهج في إدارة الخلاف، وقدرة على تحويل القيم إلى ممارسة يومية.
ولذلك فإن المجتمعات التي نجحت في بناء نهضتها لم تبدأ بالمشاريع الإسمنتية وحدها، وإنما بدأت ببناء الإنسان، وبالاستثمار في المدرسة، والمكتبة، والجامعة، والإعلام المسؤول، والبحث العلمي، لأنها أدركت أن التنمية الحقيقية تبدأ من العقل قبل أن تصل إلى العمران.
إننا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الأصوات التي تتحدث عن الثقافة، بقدر حاجتنا إلى نماذج تجسدها. نحتاج إلى مسؤول مثقف في قراره، ومعلم مثقف في رسالته، وطبيب مثقف في إنسانيته، وإعلامي مثقف في صدقه، ومواطن مثقف في احترامه للقانون وحقوق الآخرين. فالثقافة التي لا تظهر في السلوك، تبقى مجرد ديكور لغوي جميل.
في الخلاصة، إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الجهل، فالجهل يمكن معالجته بالتعليم، وإنما يكمن في انتشار وهم المعرفة، حين يعتقد الإنسان أنه وصل بينما هو لم يبدأ بعد. فالثقافة السطحية لا تمنع المجتمع من التقدم فحسب، بل تمنعه من إدراك أسباب تأخره أصلًا.
ولهذا فإن معركة المستقبل ليست بين المثقف وغير المثقف، بل بين ثقافة تصنع الإنسان، وثقافة تصنع صورته فقط. الأولى تبني الضمير والعقل والقدرة على التغيير، والثانية تكتفي بالمظاهر والشعارات والانطباعات السريعة.
وعندما تتحول الثقافة من معلومات تُستهلك إلى قيم تُمارس، ومن أقوال تُردد إلى أفعال تُترجم، عندها فقط يمكن أن نقول إن المجتمع بدأ يخرج من دائرة الاستهلاك الفكري إلى فضاء النهضة الحقيقية؛ لأن الحضارات لا تُبنى بكثرة ما نعرف، بل بعمق ما نُطبق.



اضف تعليق