الهوية الوطنية العراقية

هل يكسر انبعاث الذات ما بعد المكوناتية مأزق السياسة الحيوية؟

انبعاث الذات الوطنية العراقية في 2026م، مرهون بإحلال ثقافة الاعتراف الوطنية الهوياتية عبر شرعية الإنجاز محل (شرعية المكون السياسي) إنها لحظة التقاء (الذات الحضارية) بعمقها التاريخي مع الذات الرقمية المعاصرة بأفقها التقني، لتنصهرا في بوتقة هوية وطنية تجعل من الكرامة الاقتصادية حصناً، ومن الوعي النقدي سلاحاً، ومن الدستور...

المقدمة 

إن البحث في الصيغة الوجودية للهوية في العراق المعاصر (2003-2026م) يتطلب حفراً معرفياً وفتح مجال الاسئلة الوجودية الدائمة لإيجادها واقعيا، والبحث في مكامن الضعف والخلل واثار الهيمنة المترسبة الفكرية والسياسية التي اعاقت أعادت تشكيل الذات العراقية بصيغتها الزمكانية المعاصرة.

ننطلق في مقالنا هذا من طرح تساؤل وجودي بأن سؤال الهوية هنا منذ تأسيس الدولة العراقية منذ ( 1921-2026م) لم تكن بلورة صاغها الفكر الوجداني الحضاري، بل خضعت لتحولات حركية عمليات "هندسة قسرية سلطوية" حولت فكرة ارادة المجتمع من فضاء تعددي اجتماعي الى تقنية التسيس الأيديولوجي وصولاً الى تقنية سياسة الضبط الحيوي (الجسدي) بالتعبير الفوكوي (2014-2018) مساعدات النازحين مقابل الولاء السياسي، ان حقيقة الهوية العراقية بعد 2003م جعل من (المكون السياسي) وحدة الفهم الوحيدة للهوية، والوطنية والوطن مجرد تنظيم حسابي يوزع الحصص بنسب مرقمة بين الطوائف والمكونات. 

أولاً: مأزق الهوية بين السياسة الحيوية وتقنية الضبط الجسدي

تتبلور الإشكالية البنيوية في توظيف السلطة السياسية لأليات السياسة الحيوية بمنظورها الفوكوي، خضع وجود الهوية لطبيعة نمط عيش المجتمع العراقي (2014-2026م) فترة حرب داعش وازمة المخيمات وصولاً الى التعيينات القسرية، إذ وطفت فكرة الحاجة لوظائف الانسان المعيشية (الأمن المعيشي، الصحة، التوظيف) إلى نمط لإدارة الولاء السياسي، هذا النمط ذوب فكرة الارادة المجتمعية الحرة لصالح السلطة وجعل من الحاجة والحق الى اداة لفرض الارادة، مما أنتج ما يمكن تسميته بـ (الحياة العارية)، حيث يقايض المواطن كرامته وحقوقه السياسية بتأمين بقائه البيولوجي ضمن عباءة المكون السياسي.

هذا التنميط سلخ فكرة الهوية من وظيفتها الحيوية (المواطنة) وحولها الى اداة ضبط قسرية سياسية، لينتج فردا عراقيا مغترب وجودياً، فالفرد العراقي أصبح مجرد رقم احصائي في ماكنة المحاصصاتية والنسب المكوناتية، فلم تتأصل وفق فكرة الوطنية بل اقترنت بفكرة الاحتياج والحاجة التي تشترط توزيع الثروة والحقوق الاجتماعية كولاء سياسي.

ثانياً: انشطار الذات وجدلية الاعتراف

ان العقل السياسي العراقي مازال يعاني من القصور المؤسسي وهذا ما اثر في السياق التكويني لفكرة الهوية بسياقها الوطني وتجسيدها الواقعي (اجتراح الهوية الوطنية)، فبدلاً من تحقيقها عبر ذوات الوعي الوطني والثقافي المؤسسي وسيادة القانون، اصبحت فلسفة النظام السياسي (ديمقراطية المكونات) معززة لفكرة الهوية الفرعية وبمثابة مرايا مشوهة لنسج صورة الهوية الوطنية، إذ شظّت الوعي الوطني الى وعي فرعي جمعي (يستمد شرعيته من فكرة استمرارية التاريخ والمظلومية) وتوظيف الذاكرة التاريخية السلبية، وبين واقع مؤسسي يؤمن استمرار الاعتراف بالهوية عبر فكرة الولاء الفرعي (المذهبي/الديني/القومي) واستمالة شرعيتها بالرمز السياسي الممثل لها.

إن سياسة الهوية والاعتراف بها هنا اتكئ على فكرة سردية السلطة السياسية، من استمرارية التاريخ نحو المظلومية للهويات الفرعية الايدلوجية، مما جعل الفرد أسيرا لقالب السلطة وحول الهوية من عامل استقرار اجتماعي افقي إلى أداة للصراع الرمزي فوقي تديره الفواعل السياسية لتعزيز مكاسبها الفئوية والسياسية. 

ثالثاً: هل يمكن ولادة ذات وطنية حرة مابعد فكرة المكوناتية 2026م؟ 

وسط هذا الانسداد التاريخي ان امكانية ولادة ذات عراقية حرة تؤمن بالكرامة الانسانية والحرية الفردية وفق سياق المواطنة الحرة والاعتراف المؤسسي، يمكن عدّها كضد نوعي ضد تراكمات الاستلاب التاريخي لها، فإن فكرة الهوية الوطنية مابعد المكوناتية تجعل الفرد يعيد تعريف وجوده الاجتماعي والسياسي العراقي متجاوزاً الانتماءات الضيقة ما قبل الدولة (الطائفة، القبيلة، المذهب) لينتمي إلى دائرة الدولة الوطنية الشاملة عبر الوعي الوطني والاعتراف المؤسسي. 

بعض الباحثين عد احتجاجات تشرين 2019م اولى محاولات ولادة الكرامة التي ترفض الوساطة الهوياتية وتدعو الى الوطنية الحرة في السياق العراقي المعاصر، وهذا الوعي الحقوقي السياسي والقانوني وتمكين فكرة سيادة الفرد ترجم على شكل سياق مؤسسي 2026م، عبر مشاريع ثقافة الانجاز (الاعمار/التنمية الاقتصادية النسبية/التحول نحو الرقمنة المؤسسية بصورة تدريجية).

رابعاً: هل يمكن وضع خارطة الطريق نحو فكرة الهوية الوطنية الدستورية

إن الانتقال من (وصاية المكون) الى (سيادة الفرد) يتطلب مسارات إجرائية حاسمة.

1. القطيعة الإبستمولوجية: إنهاء عصر (تسييس الحاجة) وتحويل الهوية من قدر مفروض بالولادة إلى خيار مصاغ عبر العقد الدستوري والسياق المؤسسي. 

2. المواطنة كعقد اجتماعي-سياسي: تبني (الوطنية الدستورية)، اذ يقوم التماسك الاجتماعي على الالتزام بالمبادئ الديمقراطية والإجرائية القانونية المعاصرة، لا على المشتركات الماضوية المتصارعة. 

3. السيادة الرقمية: توظيف التقنية (الخوارزميات والبيانات) كأداة لتحقيق العدالة الشفافة وتفكيك الزبائنية السياسية، مما يردم الفجوة بين الفرد والدولة ويضمن (سيادة البيانات) كبديل للمحاصصة. 

4. علمنة الانتماء: فصل الحيز الثقافي (الخاص) عن الحيز السياسي (المحايد)، مما يحول التعددية من ثقل أمني إلى ثراء حضاري تحت سقف مواطنة حرة عقلانية. 

الخاتمة: نحو بلورة هوية وطنية تعزز فكرة الوجدان الحضاري والوعي الحضاري الرقمي؟

ان انبعاث الذات الوطنية العراقية في 2026م، مرهون بإحلال ثقافة الاعتراف الوطنية الهوياتية عبر شرعية الإنجاز محل (شرعية المكون السياسي) إنها لحظة التقاء (الذات الحضارية) بعمقها التاريخي مع الذات الرقمية المعاصرة بأفقها التقني، لتنصهرا في بوتقة هوية وطنية تجعل من الكرامة الاقتصادية حصناً، ومن الوعي النقدي سلاحاً، ومن الدستور الهوية العليا والوحيدة، ان مستقبل العراق لا يكمن في ترميم نظام المحاصصة، بل في هندسة الهوية الوطنية الذي يحرر العراقي من الوصاية المكوناتية نحو فضاء ثقافي ووعي حر يؤمن بسيادة الفرد المطلقة.

ووفق ما طرحناه في مقالنا نوضع بعض التوصيات السياساتية:

1- إحلال شرعية الإنجاز الرقمي محل المحاصصة: وتتم عبر أتمتة العدالة وتفكيك الزبائنية السياسية، لضمان استعادة الفرد لسيادته وحقوقه الحيوية بمعزل عن وساطة المكونات الطائفية.

2- تأصيل (الوطنية الدستورية) كمرجعية عليا بتحويل الدستور من وثيقة تقاسم فئوية سياسية إلى حصن وجودي يحمي كرامة الذات الحرة ويصهر التعددية في بودقة المواطنة القانونية.

3- الانتقال من الدولة الراعية للمكونات الى الدولة المنصة: لإدارة الاستحقاقات بكفاءة تقنية، مما يحرر الهوية من السياسة الحيوية المؤطرة نحو فضاء الذات الوطنية ما بعد المكوناتية.

* مدرس مساعد، تدريسي في الجامعة العراقية-كلية القانون والعلوم السياسية

اضف تعليق