لم تقتصر المواجهة المعلنة بين روسيا وامريكا (ان كان ثمة مواجهة فعلية بين عدوين لدودين) او بين روسيا واوربا (هي مواجهة فعلا تبعا لتقاطع المصالح بينهما) على حاملات الطائرات او تحريك القطعات العسكرية، او مقاطعة المصالح الاقتصادية، بل امتد ذلك ليشمل حتى اللغة بما تنتجه من مفردات ومصطلحات تدل على معاني محددة يراج تسويقها وتعويد الذهن على التعاطي مع ما ترمي اليه.

فقد أعرب الكرملين مؤخرا عن قلقه إزاء ظهور مصطلح جديد في عالم التوصيف السياسي يرمي إلى إعادة تسمية آسيا الوسطى وتصنيفها.

وحسب الناطق الرسمي باسم الرئيس الروسي، في حديث ورد في فيلم وثائقي تحت عنوان "النظام العالمي"، بثته قناة (روسيا-1)، إن هذه التسمية "آسيا الوسطى الكبرى" تعيد إلى الأذهان مصطلح "الشرق الأوسط الكبير"، الذي تحولت البلدان المشمولة به إلى ميدان لسلسلة مما يسمى بـ"الثورات الملونة"، وما تمخض عنها.

وأضاف: "عندما بدأ الحديث عن "الشرق الأوسط الكبير" أواخر القرن الماضي، أخذ الخبراء يتداولونه، ومن ثم أصبح القادة والزعماء يتناقلونه عنهم، كما حمل هذا المصطلح طابعًا نظريًا بادئ الأمر، إذ لم يكن يبدو أنه قابل للتطبيق عمليًا".

وتابع المتحدث باسم الكرملين: فـ"بالعودة إلى الوراء بعض الشيء، نرجح أن تكون سلسلة "الثورات الملونة" التي كان من المقرر لها ألا تخرج عن نطاق "الفوضى الموجهة"، اندلعت تحديدًا في إطار ما أطلق عليه "الشرق الأوسط الكبير".

واستطرد قائلاً: "وفي الوقت الراهن كذلك، يتم تصنيف جملة واسعة من الدول وفقًا لمعيار واحد، وتحت مسمى واحد، هو "آسيا الوسطى الكبرى"، وصرنا منذ أمد قريب جدًا نستمع هذا المسمى على ألسنة شخصيات رسمية، مما يحملنا على الاعتقاد بأن ظهوره سوف يمثل خبزًا إضافيًا يعتاش عليه الخبراء السياسيون".

ما قاله الناطق الرسمي الروسي هو عين ما اشار اليه الباحث الانكليزي في كتابه "مئة وهم حول الشرق الاوسط" والصادر عن دار الساقي في العام 2006 حيث يقول:

ينتج كل تغيير اجتماعي وسياسي تغييرات في اللغة، وخصوصا في المفردات. لكن الاضطرابات والازمات الكبرى تنحو في اتجاه تسريع هذه العملية. وقد لوحظ كثيرا هذه العلاقة بين المفردات والجمل وبين الصراعات السياسية في القرن العشرين. وكان لأحداث 11 ايلول 2001 وعواقبها في بلدان الغرب (وخصوصا في الولايات المتحدة واسبانيا) وفي العالم الاسلامي بطبيعة الحال، هذا التأثير تحديدا. وقذفت هذه الاحداث بمئات ان لم يكن بالألاف من الكلمات والجمل الجديدة، اتخذ بعضها شكل شعارات انتجها اصوليون في العالم المسلم، وبعضها انتجته الحكومات الغربية، وبعضها الاخر ظهر خلال عمليات غير رسمية ليتأقلم الجمهور مع الوضع الجديد.

ما هو المصطلح؟

المصْطَلَحُ فِي العُلُومِ: كُلُّ كَلِمَةٍ لَهَا دَلاَلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ العُلَمَاءِ فِي عِلْمٍ مَّا.

والاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم ما على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضوعه الأول، وإخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر، لمناسبة بينهما. وقيل اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى. وقيل إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر، لبيان المراد. وقيل لفظ معين بين قوم معينين.

بينما أطلق عليه " فيلبر " إنه عبارة عن بناء عقلي فكري مشتق من شئ معين؛ فهو-بإيجاز - الصورة الذهنية لشيء معين موجود في العالم الداخلي أو الخارجي؛ وأضاف: "لكي نبلغ هذا البناء العقلي - المفهوم - في إتصالاتنا يتم تعيين رمز له ليدل عليه".

والرمز اللغوي الدال علي المفهوم ينقسم الى ثلاثة انواع هي:

الكلمة: لها عدة معان وفي ظلال معان غير محددة وتستخدم لتسمية الأشياء وتعتمد في ظهور معناها علي السياق.

المصططح: رمز لغوي لمفهوم معين.

القاموس: اما أن يكون مصطلحا أو أسما يستعمل لاسترجاع المعلومات أو فهرستها في نظام خاص، ويعتمد معناها على نظام المعلومات ذات العلاقة، وتستند مسمياتها المفردة لا الي منظومة المفاهيم.

لعل أبرز سلبيات حرب المصطلحات: سوء الفهم المنتج لقصور في التصور، يؤدي إلى غموض في المعاني، وعدم وضوح الرؤيا، وهذا كله ينتهي بنا إلى خلل في التفكير، وفشل في التخطيط، وكوارث على مستوى اتخاذ القرارات.

للمصطلحات وظيفة أبعد من التوصيف وأشمل من التصنيف. فهي في كثير من الأحيان تأتي تعبيراً عن موقف كامل، أو تستخدم إخفاءً لحقائق، وطمسا لمعالم، أو توظف كوسيلة للتأثير، أو لتشكيل الرأي العام. وفي تاريخنا الحديث مصطلحات تجاوزت معانيها اللفظ المجرد، لتصبح عنوانا لحالة، أو إطارا لاختصار مرحلة، وطريقا لاختزال مواقف وسياسات.

وهي اشد الحروب ضراوة، لأنها تتسلل بنعومة من خلال مراكز أبحاث ومؤسسات اعلامية وثقافية، ولها ضحايا وأسرى لكن من طراز آخر، ضحاياها من تقتادهم المصطلحات ذات الوميض الفوسفوري من أنوفهم الى واقع آخر، بحيث يجري تهجير الوعي وبالتالي استلابه وتغريبه، اما أسراها فهم هواة يعيشون على هامش الثقافة وقارعة الواقع، بحيث يجدون انفسهم يفكرون بما يشاء الاخرون لهم ان يفكروا به، والطعم النموذجي لشباك الصيد بالمصطلحات هو التباس دلالاتها، فقد تعبّر عن جزء من الحقيقة او الواقع، لكن هذا التعبير الناقص خطيئة وليس خطأ فقط لأن ما هو حقيقي يستخدم لتمرير ما هو مضاف اليه، بحيث يكون مبتدأ الجملة سواء كانت ثقافية او سياسية في خدمة الخبر المضاد له. خيري منصور/حرب المصطلحات!

حرب المصطلحات ليست جديدة في سياق الصراعات بين الدول والجماعات، فقد ابتلي بها العرب والمسلمون منذ الدراسات الاستشراقية الاولى وحتى الان، واستطاع الغرب من خلالها تسويق العديد من المفاهيم والسلع الفكرية التي انتجتها مختبراته اللغوية الاصطلاحية، ولا يجب ان ننسى ما سوقت له الصهيونية العالمية من مصطلحات عديدة حتى قبل العام 1948، واحتلالها لفلسطين.

من ذلك على سبيل المثال: "معاداة السامية" "معاداة السامية الجديدة" وربطها بالإسلام والقضية الفلسطينية. "الهولوكوست "النزاع "الإسرائيلي- الفلسطيني" مع ما يحمله من دلالة من إقرار حق الطرفين في الأرض الفلسطينية.

استخدمت إسرائيل تعبير الحزام الأمني الذي أطلقته على جنوب لبنان إبان احتلالها له منذ مطلع الثمانينات وحتى عام 2006. فكان ذلك التعبير بمثابة شرعنة للاحتلال وإعطائه مسحة نبيلة ومبررا أخلاقيا.

إسرائيل استخدمت أيضا تعبير القتل المستهدف لتوصيف عمليات الاغتيال لقادة المقاومة الفلسطينية في بيوتهم ومكاتبهم ومناطقهم، ووظفت هذا المصطلح الذي يجهل الكثيرون دلالاته، ومعانيه، لتغطية جرائمها ضد أناس عزل، وفي مناطق مدنية داخل وخارج فلسطين.

وفي توصيف غزو الكويت في عام 1990، استخدم الاعلام العراقي تعبير دخول القوات العراقية للكويت، في المقابل فإن الذين وقفوا ضد الغزو أطلقوا عليه جريمة العصر.

منذ العام 2010 بدأت حرب المصطلحات في الغرب حول داعش وما يسمى الدولة الإسلامية، حين كانت تعرف باسم، "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

وكانت فرنسا الدولة الأوروبية الأولى التي قررت أن تعتمد في كل مراسلاتها الرسمية وخطاباتها الإعلامية وغيرها، مصطلح "داعش" للدلالة على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي أعلن قيام "خلافته" زعيمها أبو بكر البغدادي بعد احتلال الموصل عام 2014.

وقد صدر الموقف الفرنسي عن وزير خارجيتها لوران فابيوس أثناء كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة الفرنسية بقوله: "هذه المجموعة الإرهابية ليست دولة بتاتا، أطلب منكم عدم استخدام مصطلح "دولة إسلامية"، لأن هذا يُسبب خلطاً بين الإسلام والإسلاميين والمسلمين، هذا التنظيم الذي يُطلق عليه العرب اسم داعش، أحب أن أدعوهم أنا بسفاحي داعش". قبل أن يعتمد الأمر رسمياً في جميع البلاغات الصادرة.

ولم يُتفق منذ ذلك التاريخ الرسمي للإعلان الفرنسي وقبله بسنوات منذ إعلان التنظيم قيامه في سوريا والعراق تحت مسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، كذراع لتنظيم القاعدة في الشام عام 2004 وبعده، بعد إعلانه الانفصال في 2006، عن حقيقة مصطلح التسمية بتنظيم الدولة الإسلامية الذي يطرح معه مفاهيم قد توحي أحياناً بارتباط أفعال التنظيم بالمفهوم الحقيقي للدين الإسلامي، وهو ما اعترض عليه الكثيرون ممن اعتبروا الأمر ظلماً للإسلام، وهو براء منه، خصوصاً عندما يتم نشر واعتماد المصطلح إعلامياً بطرق قد يكون لها التأثير القوي على الوعي العام.

فالظهور القوي لميليشيات هذا التنظيم، والذي يقوده الزعيم البغدادي، منذ 2010، والتي استفادت في قوتها من الصراع المشتعل في سوريا، حصلت لها على اسم "الدولة الإسلامية" في إشارة إلى استرجاع الخلافة الإسلامية التي كان سقوطها من يد العثمانيين في 1924، معوضة مصطلح "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، والتي استلهم منه مصطلح داعش كاختصار، راق كثيرين ولم يعجب أصحاب التنظيم لحد جعلوا قائله كافراً بالله وبرسالتهم لتحقيره مهمة التنظيم، وهو المصطلح الذي كان قد استعمل إعلامياً بشكل رسمي لأول مرة عبر قناة العربية السعودية، كما يوضح ذلك الصحفي الفرنسي "آرمين آريف" في مقال له بعنوان "داعش - الدولة الإسلامية، بداية حرب الألقاب"، نشرته المجلة الفرنسية "لوبوان" (Le Point).

كان استعمال اسم داعش ولازال، حسب ما يشرح أيضاً الإعلامي بقناة فرانس 24 وسيم نصر، المتخصص في الشؤون الجهادية، ذات معان كبيرة، حيث إن استعماله والذي لا يحمل في ظاهره أية إشارة لمعنى "دولة" أو "إسلامية" كما أن لها دلالات سلبية"، وأيضاً لأنه يحمل تقارباً من المسميات التي أبدعها رواد "النت" العرب كـ"داعس" الذي يعني صاحب القدم الكبيرة الذي يهدم كل شيء، أو "داحس" الذي يعني في اللغة العربية إدخال اليد بين لحم وجلد الذبيحة لتفريقهما، وفي إشارة أيضاً إلى حرب "داحس والغبراء" التي تعتبر أعنف الحروب وأطولها في تاريخ الجاهلية قبل الإسلام بين القبائل العربية.

مصطلح داعش، والذي كان منذ إطلاقه في البداية مجرد اختصار لمسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، كان ولا زال يغضب المنتمين للتنظيم الجهادي حتى قبل أن يعرف لدى الأوساط الغربية، والتي كانت بدورها تستخدم اختصارات من قبيل "EIIL" عند الدول الفرنكوفونية أو اختصار "ISIS" أو "ISIL" عند الدول الأنجلو ساكسونية، حيث كانت تروج أخبار عن عمد التنظيم إلى إصدار فتاوى تأمر بقطع ألسن كل من يثبت لديهم نطقه لكلمة داعش، أو غيرها من المصطلحات التي يعتبرها التنظيم تنقيصاً وتحقيراً من قيمته.

ومنذ أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية ضرب معاقل تنظيم البغدادي، معتبرة أن التنظيم لا يمثل الإسلام ولا يمثل دولة، ولا حتى قبل ذلك عندما اقترح المستشار الأمريكي جون كيري تسمية التنظيم "عدو الإسلام"، حتى تناسلت التنازلات عن مصطلح "الدولة الإسلامية" لصالح مصطلح "داعش" الذي بدا أكثر قربا من اهتمامات جميع الجهات بما فيها العديد من الجهات الإسلامية، إلا من تلك القليلة التي بقيت متشبثة بالمصطلح الأول لأسبابها الخاصة.

وينقل عن مديرة الأخبار في " وكالة فرانس بريس" "ميشيل ليريدون"، قولها: "نحن لا نستعمل مصطلح "الدولة الإسلامية" ببساطة، لأنه لا حدود لهذه الدولة ولا كيان لها، ولأن الإسلام ليس هو هذه الجماعة"، مشيراً بقوله: ونحن في صحيفتي هذه التي أكتب فيها "لوبوان"، ما زلنا نستخدم مصطلح "تنظيم الدولة الإسلامية"، رغم أنه لا يجوز تسمية دولة بالتنظيم، هذا إن وجدت دولة أصلاً، لذا، فالواجب أن نتحلى بشيء من المسؤولية، فنحن من نصنع المصطلحات وليست المصطلحات هي التي تتحكم فينا".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0