الشاب اليوم يستيقظ على أخبار الحروب، يمر على مؤشرات الاقتصاد، يتابع اضطراب أسواق العمل، يسمع يوميًا عن الذكاء الاصطناعي وقدرته على تغيير المهن، يقرأ عن تغير المناخ، يتلقى تنبيهات عن انهيارات شركات، ويرى تحليلات متناقضة حول المستقبل. خلال دقائق معدودة فقط، يجد نفسه أمام العالم كله، لا أمام حيه أو مدينته أو دائرته الضيقة...
في زمنٍ سابق، كان القلق يولد غالبًا من الجهل. مساحة المجهول كانت واسعة، والإنسان يهاب ما يجهله. أما اليوم فالمعادلة تغيرت على نحوٍ عميق؛ كثير من شباب هذا الجيل يعيشون نوعًا مختلفًا من القلق، قلقًا لا تصنعه العتمة، وإنما تصنعه كثافة الضوء.
الشاب اليوم يستيقظ على أخبار الحروب، يمر على مؤشرات الاقتصاد، يتابع اضطراب أسواق العمل، يسمع يوميًا عن الذكاء الاصطناعي وقدرته على تغيير المهن، يقرأ عن تغير المناخ، يتلقى تنبيهات عن انهيارات شركات، ويرى تحليلات متناقضة حول المستقبل. خلال دقائق معدودة فقط، يجد نفسه أمام العالم كله، لا أمام حيه أو مدينته أو دائرته الضيقة.
هذه الوفرة المعرفية كانت تقدم بوصفها مكسبًا حضاريًا هائلًا. الوصول إلى المعلومة صار أسهل من أي مرحلة سابقة في التاريخ. غير أن المسألة التي تستحق التأمل تكمن في أثر هذا التدفق الهائل على النفس البشرية، خصوصًا لدى الشباب الذين يقفون أصلًا في منطقة شديدة الحساسية من العمر، منطقة بناء الهوية، ورسم المستقبل، وصياغة معنى الحياة.
ما يحدث اليوم أن المعرفة خرجت من حدودها القديمة. كانت المعلومة في أزمنة سابقة تصل متأخرة، فتمنح الإنسان وقتًا كافيًا للهضم والتفسير. أما الآن فالأحداث تصل لحظة وقوعها، أحيانًا قبل أن تتضح حقيقتها. الخبر يعقبه تحليل، والتحليل يجر خلفه رأيًا مضادًا، والرأي المضاد يفتح بابًا آخر من الاحتمالات. وسط هذا السيل، يجد الشاب نفسه في مواجهة عالمٍ متحرك بسرعة تفوق قدرة أعصابه على الاستيعاب.
من هنا يتشكل ما يمكن تسميته بفائض الوعي.
فائض الوعي لا يعني امتلاك معرفة أعمق بالضرورة، وإنما يعني التعرض المستمر لكمية هائلة من الإشارات التي تجعل العقل في حالة يقظة متصلة. هذه اليقظة الطويلة تستنزف الطاقة الداخلية. الإنسان بطبيعته يحتاج إلى مسافة بينه وبين الحدث حتى يفهمه. أما حين يصبح العالم كله حاضرًا داخل شاشة صغيرة في الجيب، فإن المسافة تتقلص إلى حدٍ خانق.
كثير من الشباب اليوم يعرفون تفاصيل أزمات اقتصادية في قارات بعيدة، ويدركون حجم التحولات التقنية القادمة، ويتابعون النقاشات الكبرى حول مستقبل الوظائف والتعليم والمعنى الإنساني. هذا الوعي يمنحهم حساسية عالية تجاه الواقع، لكنه في الوقت نفسه يضعهم أمام أسئلة ضخمة في عمرٍ مبكر.
كيف أخطط لمستقبل مهني في عالم تتبدل ملامحه كل عام؟
كيف أبني طموحي وأنا أقرأ يوميًا عن مهن تختفي وأخرى تولد؟
كيف أطمئن إلى الغد فيما الأخبار تصوغ المستقبل بوصفه ساحة اضطراب مفتوحة؟
هنا لا يعود القلق مجرد حالة نفسية عابرة، وإنما يتحول إلى مناخ يومي. كثير من الشباب يحملون في داخلهم شعورًا خفيًا بأن العالم يسبقهم بخطوات كثيرة. هناك سباق دائم، معرفة جديدة كل ساعة، مهارة جديدة كل يوم، تهديد جديد كل أسبوع. ومع هذا الإيقاع، يتسلل شعور ثقيل بالعجز، حتى لدى الأكثر ذكاءً واطلاعًا.
المفارقة المؤلمة أن هذا الجيل يوصف غالبًا بأنه أكثر جيل وعيًا في التاريخ، ومع ذلك يلامس مستويات مرتفعة من القلق الوجودي. السبب لا يتعلق بضعف القدرة على التحمل، وإنما بطبيعة البيئة الذهنية التي يعيش داخلها. العقل البشري صمم ليتعامل مع محيط محدود نسبيًا، بينما الشاب المعاصر يتعامل يوميًا مع كوكب كامل، بمآسيه، وتوتراته، وأزماته، وتقلباته.
وسائل التواصل عمقت هذه الحالة أكثر. فهي لا تنقل الخبر فقط، وإنما تنقل الانفعال أيضًا. مشهد حرب، يليه خطاب اقتصادي متشائم، ثم قصة نجاح مذهلة لشخص في العمر نفسه، ثم تحذير من تغيرات الذكاء الاصطناعي، ثم نقاش حول ارتفاع الأسعار. كل ذلك خلال دقائق قليلة. هنا يتعرض الوعي لما يشبه ضغطًا متواصلًا، ضغطًا يخلط بين ما هو عالمي وما هو شخصي، بين ما يمكن التأثير فيه وما يبقى خارج القدرة البشرية.
الخطر الحقيقي أن يتحول فائض الوعي إلى استنزاف داخلي صامت. شاب يعرف كثيرًا، يقلق كثيرًا، يفكر كثيرًا، ويشعر أحيانًا أن خطواته الشخصية أصغر من أن تواجه اتساع العالم.
ومع ذلك، القضية لا تدعو إلى الهروب من المعرفة. العالم المعاصر يفرض وعيًا أوسع، وهذه حقيقة يصعب تجاوزها. التحدي الأهم يكمن في طريقة إدارة هذا الوعي.
الشباب اليوم يحتاجون إلى مهارة جديدة ربما تفوق أهمية جمع المعلومات نفسها: القدرة على الفرز.
أي الأخبار تستحق الدخول إلى القلب؟
أي القضايا تستحق التفكير العميق؟
وأي الضوضاء ينبغي أن تبقى خارج المساحة النفسية؟
النضج المعاصر لم يعد قائمًا فقط على معرفة المزيد، وإنما على حماية الداخل من فائض الخارج.
ربما تكون الحكمة الأهم في هذا العصر أن يدرك الإنسان حدود طاقته النفسية. العالم سيواصل إرسال أخباره بلا توقف، والأسواق ستتقلب، والتقنيات ستتبدل، والأزمات ستتعاقب. غير أن الحياة الشخصية تحتاج إلى إيقاع آخر؛ إيقاع يسمح للإنسان أن يفكر، ويهضم، ويختار، ويعيش.
جيل اليوم يعرف أكثر مما تحتمله الأعصاب أحيانًا. وهذه واحدة من أكثر الحقائق الإنسانية عمقًا في عصرنا.
الوعي صار ثروة، وصار عبئًا أيضًا.
وبين الثروة والعبء تقف أسئلة الشباب، وهم يحاولون أن يصنعوا مستقبلهم وسط عالم يزداد ضجيجًا كل يوم.



اضف تعليق