يعرف تاريخ الظواهر السياسية ثلاثة مسارات، أما تواصل الظاهرة وتطورها بالاتجاه الذي بريده أصحابها، أو أن تعرف قدرا من التذبذب صعودا وهبوطا، وان تدخل في مسار تراجعي ينتهي بنهايتها. لقد مرت منطقة الشرق الأوسط بالعديد من الأزمات قبل وضعها الحالي الذي أنزلها إلى الهاوية.

إلا أن المخرج من هذا الوضع بين يدي واشنطن وموسكو من جهة وحلفائهم الرياض وطهران وانقرة من جهة أخرى، فالمعروف إن أزمات الشرق الأوسط هي قديمة قدم المنطقة وتاريخها، إلا إن اشتداد الأزمة وتعقدها انطلق مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وما خلفه هذا من تداعيات على العراق والمنطقة، ثم بعد ذلك انطلاق ما سمي حينها ثورات الربيع العربي، التي وضعت الشرق الأوسط والعالم على المحك، فمن تونس إلى ليبيا الغارقة بالفوضى، إلى مصر التي تحاول استعادة أمنها واستقرارها بصعوبة، إلى اليمن التي يشتبك فيها المحلي بالإقليمي والدولي، إلى سوريا التي أصبحت ساحة الصراع الدولي المحتملة، ثم دخول دول إقليمية بهذه الأزمات مثل إيران والسعودية وتركيا تحدوها أمال الهيمنة الإقليمية، والبحث عن دور دولي جديد، ثم لا يمكن أن ننسى الدور الرئيسي (الأمريكي والروسي) الذي يحاول أن يجمع هذه الأزمات ودول المنطقة وتوظيفها لمصلحتهم الخاصة، لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر.

إن توسع الإرهاب، ووصوله إلى ديار الدول التي كانت مستفيدة منه في المنطقة، كما في (باريس، وأمريكا)، وتوسع التطرف القومي والديني والطائفي بين دول الإقليم إلى مديات غير مسبوقة، كما هو حاصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا، الذي أودى –ولازال- بحياة مئات الآلاف من الضحايا من المدنيين، وتشريد الملايين الذي أصبحوا لاجئين في أوطانهم أو في دول أخرى، وخطورة حدوث موجات من الهجرة الجماعية من دول المنطقة إلى دول العالم الأخرى، كما في الأعداد الكبيرة من المهاجرين من العراق وسوريا إلى أوربا وكندا وأمريكا وغيرها، والتي قد تسبب بحدوث أزمات أمنية واجتماعية واقتصادية في دول اللجوء، والخوف من انتشار الفوضى في كل دول الإقليم، وخروجه عن سيطرة الكبار أنفسهم، ومن ثم الإضرار بالنظام العالمي ككل.

كما إن بعض دول الإقليم قد تخطت الخطوط الحمر المرسومة لها وتجاوزت على قواعد اللعبة الدولية وبدأت تقوم بأعمال قد تقود إلى كوارث دولية، لان إي صدام بينها وبين دولة عظمى قد يقود إلى دخول الأطراف الأخرى في النزاع وتقود إلى حرب عالمية غير محسوبة العواقب، لهذا قد تلجا الدول العظمى وبالتعاون مع دول الإقليم على السير في طريق البحث عن حلول لازمات المنطقة، من خلال عقد صفقات وتوافقات فيما بينها، من اجل ضمان مصالحها في المنطقة.

والمتابع للأحداث في العالم منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم يرى إن الكثير من الأزمات بين أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليا تم تجاوزها من خلال الحوار، فمن أزمة الحرب الكورية التي انتهت وبطريقة التوافق إلى وقف إطلاق النار بين الكوريتين وتكوين دولتين شمالية وجنوبية، والى أزمة الصواريخ في كوبا التي انتهت الأخرى إلى سحب السوفيت للصواريخ من كوبا مقابل تعهد أمريكا بعدم تهديد النظام الشيوعي في كوبا، ومشكلة فيتنام عام 1975، حتى إن حل مشكلة البرنامج النووي الإيراني ما كانت تحدث لو لم يحصل توافق روسي أمريكي من خلال ضغوط روسية على إيران لقبول الاتفاق، كذلك وجود رغبة أمريكية لإنهاء الأزمة مع إيران للتفرغ لأحداث المنطقة الأخرى، إذ كانت الصفقة تقضي بان تضمن أمريكا بان إيران ستكون دول نووية، ولكن للأغراض السلمية وتخصيب اليورانيوم لأغراض علمية، ولإنتاج الطاقة الكهربائية، غير مسلحة بسلاح نووي، فقد تم عقد الاتفاق دون النظر على الاعتراضات الخليجية وخاصة من السعودية الحليف المقرب لأمريكا في المنطقة.

ان البعض ينظر إلى التصعيد الحالي في المنطقة هو من اجل تحقيق المكاسب عند إجراء أي مفاوضات بين القوتين، ففي رأي العديد من المحللين السياسيين ليس من مصلحة أمريكا أو روسيا الاندفاع إلى حرب كونية لا تبقي ولا تذر، لان المواجهة العسكرية بين القوتين سوف تكون نهاية العالم، كما إن أغلبية دول العالم -إن لم تكن كلها- لا توافق على إي تصعيد أو مواجهة بين القوتين العظمتين، لأنها ستتعرض للدمار، كما أن اندفاع روسيا القوي في سوريا وبهذا الحجم –حسب رأي المحللين- جعل الغرب وأمريكا يدرك مدى جدية روسيا في محاربة الإرهاب المدعوم من الغرب، وان أي هزيمة للإرهاب على يد روسيا منفردة سيقوي موقفها عالميا ويضعف أمريكا والغرب ويكشف حقيقة نواياهم.

كذلك فان الغرب لا يريد للازمة أن تؤثر على أسعار النفط المنخفضة، إذ إن أي توتر في المنطقة سيقود إلى ارتفاع أسعار النفط، وستكون روسيا المستفيد الأول منها، لذا دعت اغلب دول أوربا أن يكون الرئيس السوري (بشار الأسد) جزء من الحل في سوريا وهذا تغير غير مسبوق في الأزمة.

كما ان الاطراف المختلفة في دول المنطقة (سوريا، اليمن، ليبيا، لبنان، والعراق)، بعد سنوات من التناحر والقتال والاختلاف في الرأي، قد وجدت ان الوقت حان للوصول الى حل، حتى وان كان هذا الحل مؤقتا، وذلك بعد الوصول الى قناعة ان هذا الاختلاف والتناحر لن يؤدي الى نتيجة تذكر، وانه خلال خمس سنوات من الحرب الاهلية في سوريا، وسنتان من الفراغ الرئاسي في لبنان، والصراع في اليمن، وليبيا، لا زال كل طرف لم يحقق ما كان يصبوا اليه، وانه حان وقت الوصول الى تفاهمات من خلال المفاوضات، والحلول الوسطية.

كما ان الأحداث في سوريا والمنطقة ليس من الصعوبة حلها أو هي من الخطورة على مصالح الدولتين بحيث تقود إلى حرب عالمية، لان المفاوضات لا زالت جارية لحل اللازمة، كما إن مسؤولي الدولتين على اتصال ولقاءات دائمة مع بعضهم للتباحث لحل الأزمة، إذ إن عقد اتفاق ثلاثي بين روسيا وأمريكا برعاية الأمم المتحدة في جنيف في 11 كانون الثاني، للاتفاق على تشكيل حكومة مؤقتة في سوريا لإدارة المرحلة الانتقالية، والذي كان اجتماع فيينا قبله قد دعا إلى مرحلة انتقالية أمدها سنتين ثم تليها انتخابات عامة، جاء هذا الاجتماع لأدراك هذه الدول خطورة الأزمة من جهة، كذلك عقد صفقة تكون في صالح الطرفين من جهة أخرى، إذ إن أمريكا تدرك إن تدخلها العسكري المباشر في منطقة مليئة بالمشاكل، وغير محسوبة العواقب، ودعم جماعات قد تنقلب عليها لاحقا كما حصل مع حركة طالبان الأفغانية، هو فيه خطورة لسياساتها في المنطقة، كذلك روسيا لا تريد التورط ابعد في هذه الازمة، لذا بات البحث عن حلول سلمية هو الطريق السري لتجنب الدخول في مواجهة عسكرية، حتى إن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت إن لديها تحفظات على بعض أطراف المعارضة السورية المنعقد في الرياض والبيان الذي صدر عنها.

إن الاطراف العربية وتركيا وإسرائيل وايران مع إصرارها على بقاء او رحيل الأسد من سوريا، إلا أنها غير متفقة على الطريقة التي تقود إلى التغيير في سوريا، فإسرائيل رغم عدائها مع النظام السوري إلا أنها في النهاية وحسب التحليلات تؤيد بقاء نظام ضعيف في سوريا على رأسه بشار الأسد، لان التعامل مع قيادة واحدة أفضل من فوضى غير معروفة النتائج في سوريا، إضافة إلى تركيا التي تحاول تغيير النظام في سوريا ومجيء نظام قوي وسوريا موحدة، وذلك لمنع إقامة كيان كردي جديد على حدودها الجنوبية، وإنها أخيرا غيرت رأيها من سوريا والسبب هو حربها مع حزب العمال الكردستاني التركي واكتشاف المساعدات العسكرية الأمريكية لهذا الحزب، وأخرها أزمتها مع روسيا حول الطائرة التي أسقطتها، وما قد تستغله روسيا لمصلحة الاكراد ضد تركيا، أما الدول العربية فهي الأخرى مشتتة بين راغب باستقرار الأوضاع في سوريا حتى مع وجود الأسد، وبين من يريد التغيير ولو على حساب تقسيم سوريا والمنطقة.

وبهذا فان روسيا وأمريكا تدرك جيدا إن أي توتر بينهما سوف لن يكون في صالح أي منهما، وان هناك العديد من دول المنطقة متربصة بهما، لذلك الاعتقاد السائد هو التوافق والصفقات على حل أزمات المنطقة بعد إن يصل كل طرف إلى مرحلة يعتقد إن تجاوزها خط احمر للطرف الأخر.

ويبدو أن لبنان على وشك أن تشهد حدوث تقدم دبلوماسي طفيف في الأيام المقبلة، فقد أصبح من الواضح أن حلفاء السعودية وإيران وافقوا مبدئيا على الرئيس الجديد بعد أزمة دامت لثمانية عشر شهرا، حيث تم ترشيح سليمان فرنجية لمقعد الرئاسة اللبنانية الشاغر، وذلك في إطار صفقة سياسية من قبل الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية دعمت نتائجها السياسي المسيحي فرنجيه، صاحب العلاقات الودية مع أنصار إيران في سوريا، بالإضافة إلى ترشيح سعد الحريري، الزعيم السني المدعوم بقوة من قبل السعودية لكي يصبح رئيسا للوزراء، هذه الصفقة تمثل خطوة أخرى صغيرة إلى الأمام في العملية السياسية التي جلبت إيران السعودية إلى طاولة المفاوضات في فيينا لبحث وقف إطلاق النار في الحرب الأهلية السورية، فإذا تم العمل بالفعل على ما تم الاتفاق عليه، فسيكون هذا الأمر بمثابة حل سياسي مميز يرضي جميع الأطراف.

وفي اليمن أكدت المصادر بان مبعوث الأمم المتحدة لليمن (إسماعيل ولد الشيخ) أكد انه حصل على موافقة الأطراف اليمنية على عقد مؤتمر دولي حول إنهاء الأزمة في اليمن يعقد في سويسرا منتصف هذا الشهر بإشراف الأمم المتحدة، من أهم بنوده وقف إطلاق النار ورفع الحصار عن اليمن، وهو ما وافقت عليه كل الأطراف اليمنية، إن موافقة الأطراف اليمنية على المؤتمر لإنهاء الأزمة، هو حتما تم بموافقة الدول المؤثرة في المنطقة ومنها أمريكا والسعودية من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، من خلال صفقة بين هذه الإطراف.

وفي ليبيا، فقد اتجهت الامور الى تشكيل حكومة موحدة تجمع مختلف اطياف المعارضة الليبية، من اجل الوصول الى استقرار الدولة، لإيقاف تدفق موجات الهجرة من جنوب القارة السمراء عن طريق ليبيا الى اوروبا، اذ اصبحت هذه الهجرة عامل قلق للكثير من دول القارة الاوربية وعلى راسها ايطاليا، التي باتت الملجأ الرئيسي للمهاجرين من افريقيا، كذلك وقف نشاطات الجماعات المسلحة الارهابية وعلى راسها تنظيم داعش، المنتشر في شرق ليبيا، خاصة في مدينة سرت.

إن أمريكا وروسيا تنظر في علاقاتها بالآخرين من زاوية المصالح الخاصة، وان صناعة مشهد جديد يعني الانتقال إلى مرحلة أخرى، مع تبديل أدوات اللعبة واللاعبين، إذ ان وجود إيران مثلا والاتفاق معها حول البرنامج النووي لا يعني إلغاء دور السعودية وتركيا بوصفها قطبا في المعادلات الاستراتيجية في المنطقة، وقبول روسيا ببعض شروط المعارضة السورية، لا يعني التخلي عن مصالحها في سوريا، ولا يعني بالضرورة تخلي الطرفين عن الخارطة الأمنية في منطقة مليئة بالثروات الطبيعية، ولكن هذا التغيير هو دعوة لإعادة النظر بكل العلاقات السياسية المشوهة في المنطقة، والتي تخضع لمعايير طائفية وقومية ودينية، التي تعكر صفو العلاقات بين الدول.

كما ان اي حل يطرح من قبل الدول الاقليمية والدولية، سواء جاء بالتوافق او الصفقات، هو حل قد لا يكون مرضي لأطراف الصراع في هذه الدول، اذ ان نظرة واهداف وحلول الدول المؤثرة اقليميا ودوليا للازمة في المنطقة، هي تختلف عن نظرة واهداف أطراف الصراع فيها، ولكن قبولها بالحل هو لعجزها عن تحقيق كل اهدافها، وعدم قدرتها على الاستمرار بالصراع، وان الدول الداعمة لها، قد تخلت عنها، وإنها قد حصلت على ما ضمن مصالحها الخاصة، وهو المشاركة في الحكم وتوزيع الثروة، بغض النظر عن الطريقة التي يتم بها، ديمقراطية ام لا.

ان اغلب التحليلات تؤكد ان النموذج اللبناني والعراقي هما النموذجان اللذان سوف يكونان الاساس لحل ازمات المنطقة، لان اساس الصراع هو على توزيع السلطة في هذه الدولة، ومطالبة كل طرف بحقه في الحكم، لهذا ستكون المحاصصة القومية والدينية والطائفية هي الجاهزة لحل ازمة سوريا واليمن وليبيا، اذ ان تقسيم اليمن الى اقاليم، واعتماد حكومة ليبية من مناطق ليبيا الثلاث، واشراك المكونات السورية في تشكيل حكومة مؤقتة، امدها سنتان، بعدها تجرى انتخابات عامة، الا ان هذه الانتخابات سوف لن تجد طريقها للتطبيق في كل هذه الدول لان نموذج العراق قبلها قد تطبع على المحاصصة القومية والطائفية في الحكم رغم اجراء ثلاث انتخابات عامة فيه، لهذا فان الحل مؤقت ولن يكون سوى عبارة عن هدنة متحاربين، وسوف ينتقل من صراع عسكري مسلح الى صراع سياسي على تقاسم المناصب بين الفرقاء.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0