إن ما يجري اليوم هو في الحقيقة مرحلة اختبار للقوة والصبر السياسي، وهي مرحلة كثيراً ما تسبق اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن الاستمرار في الحرب لم يعد يحقق لهما مكاسب إضافية. وعندما تصل الحرب إلى تلك اللحظة — أي لحظة الإنهاك الاستراتيجي المتبادل — يصبح الاتفاق ممكناً، بل يصبح أحياناً ضرورة لا مفر منها...
انتهت المفاوضات التي جرت في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، بعد واحد وعشرين ساعة متواصلة من النقاش، من دون اتفاق يضع حداً للحرب الدائرة بين الطرفين. وقد أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن الوفد الإيراني لم يقبل الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب، لتخرج الجولة التفاوضية الطويلة بلا نتيجة.
لكن قراءة هذا الحدث قراءة سطحية قد تقود إلى استنتاج متسرع بأن المسار السياسي قد وصل إلى طريق مسدود.
والحقيقة أن فشل هذه الجولة من المفاوضات لا يعني أن باب التسوية قد أغلق، كما لا يعني في الوقت نفسه أن الحرب قد اقتربت من نهايتها. فالأرجح أن الصراع دخل مرحلة جديدة من التفاعل بين الميدان والسياسة، وهي مرحلة كثيراً ما تظهر في الحروب الطويلة قبل الوصول إلى التسويات النهائية.
العامل الأكثر أهمية في فهم ما جرى هو أن هذه الحرب لم تصل بعد إلى ما يسميه خبراء الاستراتيجية نقطة الإنهاك الاستراتيجي للطرفين. ففي الحروب الكبرى لا تنتهي المعارك عادة عندما يبدأ التفاوض، بل عندما يصل الطرفان إلى قناعة متزامنة بأن كلفة الاستمرار في الحرب أصبحت أعلى من أي مكسب محتمل يمكن تحقيقه منها. وعند تلك اللحظة فقط يصبح السلام خياراً عقلانياً وممكناً في آن واحد.
أما في الحالة الراهنة، فيبدو أن كلاً من واشنطن وطهران لا يزال يعتقد أن لديه مجالاً لتحسين موقعه التفاوضي. الولايات المتحدة ترى أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ما زالت قادرة على دفع إيران إلى تقديم تنازلات إضافية، بينما ترى إيران أن صمودها العسكري والسياسي منحها أوراق قوة يمكن استثمارها للحصول على شروط أفضل في أي اتفاق محتمل. وعندما يحمل الطرفان هذا الاعتقاد في الوقت نفسه، يصبح من الطبيعي أن تفشل الجولات التفاوضية الأولى.
لهذا السبب لا ينبغي تفسير فشل مفاوضات إسلام آباد بوصفه نهاية للمسار الدبلوماسي، بل بوصفه مرحلة من مراحل الصراع ذاته. ففي كثير من الحروب الحديثة، تتكرر ظاهرة المفاوضات التي تنتهي بلا اتفاق، ثم تعود لاحقاً بعد جولات جديدة من الضغط العسكري أو التحولات السياسية. فالمفاوضات في مثل هذه الحالات ليست بديلاً عن الحرب، بل هي أحد أدواتها.
وفي ضوء ذلك يمكن توقع ثلاثة مسارات متوازية في المرحلة المقبلة. الأول استمرار الهدنة الهشة أو وقف إطلاق النار غير المستقر، لأن الطرفين لا يرغبان في انفجار حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة. والثاني احتمال عودة التصعيد العسكري المحدود بهدف تحسين الموقع التفاوضي لكل طرف. أما المسار الثالث فهو استمرار الاتصالات الدبلوماسية غير المعلنة عبر الوسطاء الإقليميين والدوليين، حتى وإن توقفت الجولات الرسمية العلنية لبعض الوقت.
إن ما يجري اليوم هو في الحقيقة مرحلة اختبار للقوة والصبر السياسي، وهي مرحلة كثيراً ما تسبق اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن الاستمرار في الحرب لم يعد يحقق لهما مكاسب إضافية. وعندما تصل الحرب إلى تلك اللحظة — أي لحظة الإنهاك الاستراتيجي المتبادل — يصبح الاتفاق ممكناً، بل يصبح أحياناً ضرورة لا مفر منها.
لكن تلك اللحظة، وفق المعطيات الحالية، لم تأت بعد. ولذلك فإن فشل مفاوضات إسلام آباد لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية للحرب، بل بوصفه دليلاً على أن الصراع لم يصل بعد إلى المرحلة التي تفرض على الطرفين القبول بتسوية تاريخية. وحتى يحدث ذلك، ستظل الحرب والسياسة تتحركان معاً في مسار واحد، يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، إلى أن تبلغ المواجهة حدها الذي لا يمكن بعده الاستمرار فيها.



اضف تعليق