تسببت الأزمة في خسائر إقليمية بلغت 63 مليار دولار في أسبوعين فقط، مع وصول التكاليف إلى 150 مليار دولار في حال استمرار الصراع لمدة شهر واحد. وتفاقم الأوضاع الإنسانية لـ 82 مليون شخص بحاجة للمساعدة في المنطقة، ضرورة وقف الأعمال العدائية فوراً وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي...

يقدم هذا التقرير الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا - ESCWA) في عام 2026 تحليلاً استراتيجياً بعنوان "الصراع وتداعياته: تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية". يتناول التقرير تقييماً مبنياً على السيناريوهات للآثار الاقتصادية والاجتماعية الجسيمة الناتجة عن الحرب المستعرة، مع التركيز بشكل خاص على الأزمة في لبنان وتضرر مسارات التجارة العالمية وحركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

يستعرض البحث كيف تسببت الأزمة في خسائر إقليمية بلغت 63 مليار دولار في أسبوعين فقط، محذراً من وصول التكاليف إلى 150 مليار دولار في حال استمرار الصراع لمدة شهر واحد. كما يسلط الضوء على تفاقم الأوضاع الإنسانية لـ 82 مليون شخص بحاجة للمساعدة في المنطقة، مشدداً على ضرورة وقف الأعمال العدائية فوراً وتعزيز التعاون الإقليمي لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

النتائج الرئيسية:

أولاً: الكلفة الاقتصادية المتسارعة: 

تشير التقديرات الأولية إلى أن الكلفة الاقتصادية للحرب ترتفع بوتيرة غير مسبوقة. ففي خلال الأسبوعين الأولين فقط من اندلاع الصراع، تسببت الأعمال العدائية في خسائر اقتصادية مباشرة تقدر بنحو 63 مليار دولار في مختلف أنحاء المنطقة العربية. وتأتي هذه الخسائر في وقت يعاني فيه العالم من اضطرابات مالية أوسع نطاقاً في أسواق الطاقة، والتجارة البحرية، والملاحة الجوية، والنظم المالية العالمية.

إذا استمر الصراع لمدة شهر واحد (وفقاً للسيناريو ألف)، فمن المتوقع أن تصل الخسائر الإقليمية إلى 150 مليار دولار، وهو ما يمثل 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة. وتكشف البيانات أن دول مجلس التعاون الخليجي ستتحمل القسط الأكبر من هذه الخسائر المالية، بينما ستواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة ضغوطاً مزدوجة تتمثل في تصاعد التضخم وارتفاع كلفة واردات الوقود.

ثانياً: شلل الممرات الحيوية والتجارة العالمية

 تعد المنطقة العربية شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، وقد أدى الصراع إلى اضطرابات حادة في هذه المسارات. سجلت حركة الشحن عبر مضيق هرمز تراجعاً دراماتيكياً وصل إلى 96-97%. هذا الانسداد أدى إلى تعطل تدفقات بضائع تقدر قيمتها بنحو 2.4 مليار دولار يومياً. وعلى الرغم من قصر مدة الاضطرابات في البداية، إلا أنها أفضت في أسبوعين إلى خسائر تجارية تراكمية بلغت 30 مليار دولار. وتوضح هذه الأرقام الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية في المنطقة؛ حيث يمر عبر مضيق هرمز وحده نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، ما يعادل ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً.

ثالثاً: تفاقم الأزمات الإنسانية والهشاشة الهيكلية

باغتت هذه الأزمة المنطقة وهي تعاني أصلاً من أوجه ضعف هيكلية عميقة، بما في ذلك ارتفاع أعباء الدين ومحدودية الحيز المالي. فقبل اندلاع هذه الحرب، كان هناك 210 ملايين شخص (43% من سكان المنطقة) يعيشون في مناطق متضررة من الصراعات، من بينهم 82 مليون شخص بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية. ومع استمرار الحرب، من المرجح أن تزداد هذه المخاطر حدة. تستضيف المنطقة حالياً نحو 31.1 مليون نازح داخلياً، أي زهاء 40% من إجمالي النازحين في العالم، بالإضافة إلى 6.2 مليون لاجئ. وقد ارتفعت الاحتياجات الإنسانية بشكل مطرد، حيث قفز عدد المحتاجين للمساعدة من 59 مليوناً في عام 2018 إلى 82 مليوناً في عام 2026.

رابعاً: لبنان.. بؤرة المعاناة الاقتصادية

ينوء لبنان تحت أشد الأعباء الاقتصادية والإنسانية وطأة نتيجة التصعيد الذي بدأ في 2 آذار/ مارس 2026. تسببت الضربات المتزايدة حتى تاريخ 11 آذار/ مارس في مقتل 634 شخصاً ونزوح أكثر من 816,000 شخص. تضرب هذه الصدمات اقتصاداً منهكاً انكمش بالفعل بنسبة 40% منذ عام 2019. وفي حال استمرار الهجمات التي تستهدف البنى التحتية والتجارة والخدمات الأساسية، فمن المتوقع أن تسجل الخسائر الاقتصادية في لبنان ارتفاعاً حاداً يفوق قدرة الدولة على الاستجابة.

خامساً: اضطراب أسواق الطاقة والمال كانت أسواق الطاقة هي المؤشر الفوري للتداعيات؛ حيث قفزت أسعار خام برنت من 72.48 دولاراً للبرميل في أواخر فبراير إلى 102.28 دولاراً بحلول منتصف مارس 2026. كما شهدت أسواق الغاز الطبيعي تقلبات أكبر، حيث ارتفع المؤشر المرجعي في أوروبا بنسبة تقارب 80% عقب اضطرابات طالت الإنتاج القطري. على الصعيد المالي، تراجعت ثقة المستثمرين بشكل كبير، حيث بلغت الخسائر الإجمالية في القيمة السوقية لبورصات أبوظبي ودبي وقطر والكويت حوالي 157.5 مليار دولار بحلول مطلع آذار/ مارس 2026.

2. اضطرابات التجارة والملاحة العالمية: شلل الشرايين الحيوية

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يعبر من خلاله نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، ما يمثل تقريباً ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. ومع اندلاع الصراع في أوائل عام 2026، شهد هذا الممر اضطرابات غير مسبوقة. انخفض عدد السفن الواصلة يومياً إلى موانئ الخليج من نطاق يتراوح بين 95 و137 سفينة قبل الضربات، إلى حوالي خمس سفن فقط بحلول مطلع آذار/ مارس 2026. يمثل هذا الهبوط تراجعاً هائلاً في نشاط الشحن بنسبة تتراوح بين 96% و97%. كما تراجع متوسط تدفقات التجارة المتحرك من 3.57 ملايين طن ساكن يومياً في عام 2025 إلى نحو 0.06 مليون طن فقط، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 98% في حجم التجارة البحرية عبر المضيق.

اولا: الكلفة الاقتصادية لتعطل سلاسل الإمداد (السيناريو ألف)

أدت هذه الاضطرابات إلى خسائر مالية فورية وجسيمة؛ حيث تُقدر القيمة الاقتصادية للتجارة المعطلة بنحو 2.4 مليار دولار يومياً. وخلال الأسبوعين الأولين فقط من الحرب، بلغت الخسائر التجارية التراكمية نحو 30 مليار دولار. في حال استمرار هذا التصعيد لمدة شهر واحد (السيناريو ألف)، من المتوقع أن تقفز الخسائر التراكمية في قطاع التجارة لتصل إلى ما بين 55 و60 مليار دولار. إن هذه الأرقام تعكس مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام التوترات الجيوسياسية في المنطقة العربية، حيث تؤدي أي عرقلة للممرات البحرية إلى رفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل فوري.

لم تقتصر الأزمة على البحار، بل امتدت لتشمل الأجواء؛ إذ تُعد شبكات النقل الجوي من أسرع القنوات التي تنقل تداعيات الصراع إلى الاقتصاد. وبسبب إغلاق المجالات الجوية والمخاطر الأمنية، أُلغيت 18,441 رحلة جوية في تسعة مطارات رئيسية بالمنطقة (مثل دبي، الدوحة، والرياض) بين 28 شباط/ فبراير و12 آذار/ مارس 2026. كان مطار دبي الدولي الأكثر تضرراً، حيث توقفت الرحلات فيه تماماً في 1 آذار/ مارس 2026 بعد أن كان يسجل 626 رحلة يومياً. تُقدر خسائر إيرادات شركات الطيران الناجمة عن هذه الإلغاءات بنحو 1.89 مليار دولار في أول 12 يوماً، بمتوسط خسارة قدره 102 ألف دولار لكل رحلة ملغاة. وإذا استمر التعطل لمدة شهر، قد تصل خسائر هذا القطاع إلى 3.6 مليار دولار.

ثانيا: التهديدات الاستراتيجية بعيدة المدى (السيناريو باء)

في حال تطور الصراع إلى صدمة إقليمية شاملة تستمر لعام كامل، فإن التقرير يحذر من تعطل استراتيجي شامل في ممرات الطاقة والتجارة التي تربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. هذا السيناريو قد يؤدي إلى: 

تدمير مادي محدود لرأس المال في قطاعي النقل البحري والجوي بنسبة 2% في البلدان المتضررة مباشرة. عجز البنية التحتية الحالية (خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات) عن تعويض كامل حجم الصادرات التي كانت تمر عبر المضيق. ارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة العالمية نتيجة نقص إمدادات الطاقة وتأخر وصول السلع الأساسية. إن حماية هذه الممرات لم تعد ضرورة إقليمية فحسب، بل هي ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي، حيث تظل المنطقة العربية الشريان الذي يغذي النظم اللوجستية والمالية في الكوكب.

3. الواقع الإنساني الهش: أزمات متراكمة ومعاناة متفاقمة

أولاً: الإرث الثقيل للصراعات والنزوح 

لم تكن المنطقة العربية، حتى قبيل اندلاع الموجة الأخيرة من التصعيد في عام 2026، في وضع مستقر؛ بل كانت تعاني من هشاشة بنيوية عميقة. تشير البيانات إلى أن نحو 210 ملايين نسمة، أي ما يعادل 43% من سكان المنطقة، كانوا يعيشون بالفعل في مناطق متضررة من النزاعات. هذا الواقع المرير جعل المنطقة تحتضن نسبة هائلة من المهجرين قسراً على مستوى العالم، حيث تستضيف 31.1 مليون نازح داخلياً، وهو ما يمثل حوالي 40% من إجمالي النازحين داخلياً في العالم. بالإضافة إلى ذلك، تضم المنطقة 6.2 مليون لاجئ، أي نحو 20% من إجمالي اللاجئين عالمياً.

ثانياً: انفجار الاحتياجات الإنسانية

شهدت الاحتياجات الإنسانية قفزة مخيفة خلال السنوات الأخيرة؛ فبينما كان عدد المحتاجين للمساعدة نحو 59 مليون شخص في عام 2018، ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 82 مليون شخص في عام 2026. ومع اندلاع الحرب الحالية، تفاقمت هذه الاحتياجات نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، والقصور في خلق فرص العمل، وزيادة الضغوط على أنظمة الحماية الاجتماعية المجهدة أصلاً. ويهدد هذا الوضع بتقويض الأمن الغذائي والمائي وبعكس مسار التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة بأسرها.

ثالثاً: مأساة لبنان وتصاعد النزوح

يمثل لبنان اليوم النموذج الأكثر مأساوية لهذا الواقع الإنساني الهش؛ إذ أدى التصعيد الذي بدأ في 2 آذار/ مارس 2026 إلى كارثة إنسانية متسارعة. بحلول 11 آذار/ مارس، تسببت الأعمال العدائية في مقتل 634 شخصاً ونزوح أكثر من 816,000 شخص. ومن المتوقع أن يصل عدد النازحين إلى مليون شخص في الأيام القليلة القادمة. تتضاعف هذه المعاناة عند النظر إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر؛ حيث يوجد من بين النازحين نحو 280,000 امرأة في سن الإنجاب، من بينهن أكثر من 11,600 امرأة حامل يواجهن مخاطر صحية جسيمة بسبب تعطل خدمات الرعاية الأساسية، مما اضطر بعضهن للإنجاب في ظروف غير آمنة، بما في ذلك الأماكن العامة.

رابعاً: الفقر والبطالة كأدوات للهشاشة

تتغذى الأزمة الإنسانية على معدلات فقر وبطالة مزمنة؛ فقد سجلت معدلات الفقر ارتفاعاً حاداً في لبنان وفلسطين، بينما ظلت مرتفعة بشكل مزمن في الصومال والسودان واليمن. وعلى صعيد التشغيل، بقي معدل البطالة الإقليمي أعلى من 11% في عام 2024، وهو من بين الأعلى عالمياً، مع تفاقم البطالة بشكل خاص بين الشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة. ومع استمرار الحرب، تؤدي الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى تعميق الفقر وعدم المساواة، مما يضع الحكومات ذات الحيز المالي المحدود في مأزق حقيقي تجاه توفير الحماية الاجتماعية.

خامساً: تحديات الاستجابة والتمويل

تعتمد جهود الإغاثة الإنسانية في المنطقة العربية بشكل كبير على قاعدة مانحين محدودة نسبياً، تتقدمها دول مجلس التعاون الخليجي. في عام 2025، بلغت المساعدات الخليجية نحو 4.44 مليار دولار، ساهمت فيها قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالجزء الأكبر. وبشكل عام، تقدم هذه الدول حوالي 43% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي تتلقاها البلدان العربية المتضررة من الصراعات. إلا أن استمرار الحرب وارتفاع كلفة العمليات الإنسانية نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية يهددان بإضعاف هذه العمليات، مما ينذر بتدهور أوضاع ملايين البشر الذين باتت حياتهم تعتمد كلياً على وصول هذه المساعدات دون تأخير.

4. الوضع في لبنان: أزمة وجودية في ظل تصعيد كارثي

أولاً: الكارثة الإنسانية والنزوح القسري

يواجه لبنان حالياً واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث نتيجة لتصاعد حدة الحرب. فمنذ التصعيد الأخير الذي اندلع في 2 آذار/ مارس 2026، ازدادت حدة العنف بشكل غير مسبوق. وبحلول 11 آذار/ مارس 2026، أدت الغارات الجوية المكثفة إلى مقتل 634 شخصاً. أدى هذا العنف إلى موجة نزوح هائلة، حيث أُجبر أكثر من 816,000 شخص على مغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان. ومن المتوقع أن يصل عدد النازحين إلى مليون شخص في الأيام المقبلة. ومن بين هؤلاء، يوجد نحو 280,000 امرأة في سن الإنجاب، منهن 11,600 امرأة حامل يواجهن مخاطر متزايدة بسبب تعطل خدمات الرعاية الصحية الأساسية. وقد سجلت حالات اضطرت فيها النساء إلى الإنجاب في ظروف غير آمنة، بما في ذلك الأماكن العامة، نتيجة انهيار المنظومة الصحية في المناطق المتضررة.

ثانياً: الانهيار الاقتصادي المتسارع

تأتي هذه الحرب لتضرب اقتصاداً يعاني أصلاً من "أوجه ضعف هيكلية" حادة. فمنذ عام 2019، انكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة تقارب 40%. ومع اندلاع الصراع الحالي، ظهرت الآثار الاقتصادية المبكرة بشكل جلي، لا سيما في قطاع الملاحة الجوية؛ حيث انخفضت حركة الطيران عبر مطار بيروت بنحو 65%، من متوسط 68 رحلة يومياً إلى 22 رحلة فقط بحلول 13 آذار/ مارس، مع إلغاء 464 رحلة خلال 13 يوماً من القتال. وتشير التقديرات التاريخية إلى أن كلفة الصراعات في لبنان تصبح باهظة بسرعة كبيرة؛ إذ إن الحرب السابقة التي بدأت في غزة عام 2023 وامتدت إلى لبنان في 2024 تسببت في خسائر إجمالية بلغت 14 مليار دولار، منها 6.8 مليار دولار كأضرار مادية و7.2 مليار دولار كخسائر اقتصادية، مما أدى لانكماش الناتج المحلي بنسبة 7.1% في عام 2024 وحده.

ثالثاً: العبء المالي والضغوط التضخمية

يعاني لبنان من حيز مالي محدود جداً، مما يقوض قدرة الحكومة على استيعاب الصدمات الجيوسياسية. ومع وصول سعر برميل النفط إلى 100 دولار نتيجة الحرب، تُقدر الكلفة الإضافية السنوية لواردات النفط في لبنان بنحو 18% من الميزانية الحكومية. هذا العبء المالي الباهظ يقع على عاتق بلد يعاني من ارتفاع الدين العام وتزايد ضغوط التمويل الخارجي. بالإضافة إلى ذلك، تتزايد الضغوط التضخمية بشكل حاد، حيث يعتمد لبنان بشكل أساسي على استيراد الغذاء والطاقة. ومع تعطل البنى التحتية والتجارة والخدمات الأساسية تحت وطأة الهجمات، يزداد خطر انعدام الأمن الغذائي والمائي وتعمق مستويات الفقر التي كانت مرتفعة بالفعل قبل هذه الموجة من التصعيد.

رابعاً: آفاق المستقبل وعدم اليقين

يحذر التقرير من أن استمرار الضربات سيؤدي إلى تفاقم الخسائر الاقتصادية بشكل حاد. وفي ظل انكماش الناتج المحلي الإجمالي المتوقع بنحو 1.6% لبقية الدول العربية (غير دول الخليج) في حال استمرار الحرب لشهر واحد، فإن لبنان يظل المتضرر المباشر الأكبر. إن قدرة لبنان على التعافي تظل محل شك كبير، خاصة وأن احتمالات تأمين تمويل ضخم لإعادة الإعمار لا تزال غير مؤكدة في ظل الظروف الراهنة. يؤكد التقرير أن حماية الفئات المعرضة للخطر في لبنان، وضمان الوصول إلى المساعدات الإنسانية، وحماية ما تبقى من بنى تحتية، هي أمور أساسية للحؤول دون وقوع كارثة اجتماعية شاملة لا يمكن الرجوع عنها.

التوصيات والإجراءات المطلوبة

أولاً: الأولوية القصوى لوقف الأعمال العدائية

يؤكد التقرير أن منع التصعيد يظل السبيل الأكثر فعالية وتأثيراً للحد من التكاليف الاقتصادية والإنسانية الباهظة للحرب. إن جسامة التعطل الاقتصادي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدة النزاع واتساع نطاقه الجغرافي. لذا، يوصي التقرير بضرورة:

الوقف الفوري للأعمال العدائية: يجب أن تتوقف جميع العمليات القتالية في المنطقة فوراً، مع التزام جميع الأطراف التام بالقانون الدولي الإنساني.

تفعيل الوسائل السلمية: معالجة النزاعات القائمة عبر الحوار والتفاوض والوساطة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، بدلاً من اللجوء إلى مزيد من التصعيد.

احترام القانون الدولي: الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، مع ضمان حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية بشكل كامل.

ثانياً: حماية الفئات الهشة وتعزيز شبكات الأمان

في ظل تصاعد الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل، تبرز أهمية حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر. يقترح التقرير مجموعة من الإجراءات المالية والاجتماعية:

تطوير نظم الحماية الاجتماعية: النهوض بشبكات الأمان الموجهة لضمان وصول الخدمات الأساسية للمحتاجين والتخفيف من تكاليف المعيشة المرتفعة.

معالجة تضخم الأسعار: ضرورة التدخل للحد من ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية، خاصة في البلدان المستوردة للطاقة التي تعاني من حيز مالي محدود.

دعم الأسر المتضررة: الاستمرار في برامج دعم الوقود والغذاء وضبط تعرفة الكهرباء، رغم ما تشكله هذه الإجراءات من ضغط على الموازنات العامة.

ثالثاً: ضمان استمرارية الاستجابة الإنسانية

في منطقة تضم 82 مليون شخص بحاجة للمساعدة، يمثل صون قدرة الوصول الإنساني ضرورة حتمية. وتتضمن التوصيات في هذا الصدد:

حماية سلاسل الإمداد الإغاثي: تأمين شبكات الخدمات اللوجستية والتمويل لضمان وصول المساعدات دون تأخير أو زيادة في الكلفة.

تعبئة التمويل الكافي: ضرورة حشد الموارد المالية اللازمة لمنع تدهور الأوضاع الإنسانية، خاصة مع تزايد أعداد النازحين واللاجئين.

رابعاً: تأمين الممرات الاستراتيجية والتعاون الإقليمي

يشكل أمن الممرات البحرية والجوية (مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر) ركيزة للاستقرار الاقتصادي الإقليمي والعالمي. لذا يوصي التقرير بـ:

حماية مسارات التجارة والطاقة: ضمان أمن واستمرارية النقل البحري والجوي لمنع وقوع صدمات أوسع في سلاسل الإمداد العالمية.

تعزيز التنسيق والمنعة الإقليمية: بناء قدرات مشتركة بين الدول العربية لرصد تقلبات الأسواق وتوفير مسارات بديلة للنقل والتجارة.

التخطيط للطوارئ: تقوية آليات الاستقرار المالي وحماية البنى التحتية لإمدادات المياه والغذاء وبناء هوامش مالية لدعم الحماية الاجتماعية.

ختاماً، يشدد التقرير على أن توطيد التعاون والتكامل الإقليمي العربي هو الأساس لتعزيز قدرة البلدان على مواجهة صدمات الحرب والأزمات المتداخلة، مثل تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي، بما يضمن التقدم نحو مستقبل أكثر استقراراً.

اضف تعليق