ثمة داء مازال يستفحل ويتضخم في حياتنا العربية والإسلامية، ويأخذ أبعاداً متعددة ومتنوعة وهو داء الاختزالية. إذ اننا مهووسون جميعاً باختزال حياتنا بثرائها المتعدد، ضمن أطر ضيقة. قد لا تتعدى في بعض الأحيان شخصاً واحداً، يمسك بجميع عناصر الحياة.

ففي حياتنا الاجتماعية. نختزل الأسرة كمؤسسة اجتماعية في شخص رب الأسرة وهو الرجل، وكأن الأسرة مؤسسة ذكورية.

وفي حياتنا الثقافية والفكرية. يتضح داء الاختزال في دفع الساحة الثقافية والفكرية باعتبارها مجموعة من الرموز الفكرية، فاختزلنا حياتنا الثقافية في أشخاص وهكذا بقية جوانب حياتنا.

حيث إن داء الاختزال، يلتهم كل عناصر التنوع والثروة المتوفرة في حياتنا العربية والإسلامية.

ويبرز هذا الداء بشكل واضح في واقعنا العربي والإسلامي، من غياب كل مظاهر المؤسسة والعمل المؤسسي في حقول حياتنا. ونظرة واحدة إلى الكثير من المؤسسات العربية الجماعية ونكتشف هذه الحقيقة بسهولة. حيث ان أغلب مؤسساتنا العربية، تعاني من مشكلات عديدة. حولتها إلى جثث هامدة، لا تستطيع الحراك والممارسة الايجابية في مسيرة العمل العربي المشترك.

فالاختزالية كنمط تفكير وسلوك وممارسة في أبعاد الحياة المختلفة، تعد الداء العميق والمزمن الذي يعاني منه الواقع العربي. إذ ان تجذر هذا الداء في العقلية العربية. هو الذي يُفشل الكثير من المشاريع، ويحول العديد من الطموحات والتطلعات إلى أمنيات لا أمل حقيقياً في تحقيقها في الواقع الخارجي.

فهو داء يلغي كل حالات التنوع المفيدة في الحياة العربية العامة، سواء في الجانب الاقتصادي أو الثقافي أو الحضاري. النهج السائد هو الرؤية الواحدية، القائمة على الاختصار والاختزال في كل شيء.

ومن المؤكد على المستوى التاريخي، ان هذا الداء، كان له الدور الأكبر، في إفشال الكثير من التطلعات والمشروعات المشتركة.

وبإمكاننا أن نحدد بعض الآثار المترتبة على سيادة هذا النهج في الواقع العربي في النقاط التالية:

1) سيادة ثقافة الأنا المتعالية على غيرها، والتي لا ترى في الوجود إلا مصالحها وتطلعاتها الخاصة، فداء الاختزال يؤدي إلى طغيان الأنا وجعل تصوراتها وتطلعاتها هي المشروعة، وما عداها خارج هذا النطاق.

ولعل نهج الاختزال على المستوى التاريخي والحضاري، هو الذي دفع بالعالم الأوروبي، إلى بلورة نظرية المركزية الأوروبية، التي تزرع لدى الأوروبي شعوراً متضخماً في حب الذات ومصالحها، وان الأوروبي على حد تعبير (فيصل دراج) يعتمد على تقدمه ويلغي ما عداه أي يبدأ بخلق الآخر خلقاً زائفاً، يستند على تقدمه، ويخلق التخلف ويتكئ على حضارته وينجب البربرية. يخلق الظواهر كلها، عن طريق التسمية واللغة المسلحة، وعندها فإن المدافع الأوروبية، لا تؤمن مصالح التمدن.

فلا مكان للمتعدد والاختلاف. إلا إذا كان الأخير وسيلة للإذعان والخضوع فيتم اختزال التاريخ الإنساني إلى تاريخ المشروع الأوروبي المنتصر.

وكتب مؤلف (تصفية استعمار العقل): الادعاءات الاستعمارية بتحرير الأفريقي من الخرافة والجهل وروع الطبيعة. كانت نتيجتها في الغالب تعميق جهله وزيادة معتقداته الخرافية ومضاعفة روعه إزاء السيد الجديد ذي السوط والبندقية. الأفريقي وخاصة خريج المدرسة الكولونية هو أكثر انتساباً إلى الإنجيل بتفسيره الفانتازي لخلق الكون تجاه النظام الاستعماري منه إلى الرواية بتحليلها الدقيق للدافع في الشخصية والحدث وافتراضها العام: ان العالم الذي نعيشه ممكن الفهم، فالاختزالية في الاطار الثقافي. تؤدي إلى سيادة النزعة الفردية الضيقة التي لا ترى إلا مسلّماتها العقدية والفكرية وتسعى (إن كانت لها الغلبة) إلى نفي وإقصاء الثقافات الأخرى.

2) ان الحيوية الاجتماعية القائمة على التنوع المحمود في الدائرة الاجتماعية، تبدأ بالأفول والتقلص. حينما يطغى خطاب الاختزال، وتسود آلياته في المحيط الاجتماعي.

وذلك لأن الحيوية والفاعلية الاجتماعية، وحتى تستمر في حركتها التصاعدية. هي بحاجة إلى خطاب راشد، يتعاطى بشكل إيجابي مع تنوعات المجتمع الطبيعية، والتي تشكل ثروة إنسانية حقيقية.

ولكن حينما يسود خطاب الاختزال وآلياته، يتم القضاء التدريجي على هذه الثروة، وتحل الرتابة والسكون، محل الحيوية والفاعلية.

ولعل هذا ما يفسر لنا سكونية المجتمع العربي في العصر الحديث، وعدم تفاعله الخلاق مع كل موجبات التطوير والإصلاح، لأنه لم ينفتح على رحابة التنوع الذي تتضمنه جغرافيته الإنسانية.

3) إن داء الاختزال، يؤدي إلى شيوع حالة الشيزوفرينيا والازدواجية في حياة الإنسان الفرد والمجتمع. لأن الاختزال كنمط قسري في تغييب الفروقات الإنسانية الطبيعية، لا يؤدي إلى إنهائها التام من الوجود والتأثير. وإنما يؤدي إلى ضمورها واختفائها، مما يجعلها تتحين الفرصة المواتية، لابراز مكنونها ومضمونها. وهذا هو بداية سيادة حالة الفصام والازدواجية في الحياة الخاصة والعامة.

وجماع القول في هذه المسألة: ان الاختزال وتداعياته الشاملة، هو الداء العميق الذي يعاني منه الفكر والمجتمع العربيان. ويميت كل فاعلية اجتماعية.

ولعلنا لو تعمقنا في كل تجارب النهوض العربي في العصر الحديث، سنكتشف ان مشكلة الاختزال بكل تداعياتها ومستوياتها، ساهمت بشكل كبير في إفشال تلك التجارب، وعمقت عوامل الاسترخاء في الجسد العربي.

ولا ريب أن تحقيق النمط المؤسسي في ادارة أمورنا المختلفة، ليس بالأمر السهل واليسير، بل هو يحتاج إلى الكثير من الجهود المتنوعة، التي ترسي بعد زمن قواعد المؤسسة في واقعنا الاجتماعي، وتوجد نوعاً من المواءمة الواعية بين ضرورة المؤسسة في ادارة شؤوننا وأمورنا، وبين هامش الحرية الذي ينبغي أن يتاح للفرد ومبادراته.

لذلك فإننا بحاجة إلى أن نبلور خطاباً ثقافياً متكاملاً، يبلور الامكانات المتاحة في فضائنا المعرفي. للانتقال من نمط الاختزال في العقلية الاجتماعية، إلى نمط العقل الجمعي في التفكير وادارة الأمور.

وهذا بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الاختلاف. فهو حالة طبيعية ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني. إذ اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس مختلفين متباينين في قدراتهم الفكرية، وفي أمزجتهم وأذواقهم، فتختلف بسبب ذلك أنظارهم وفهومهم ويعطي هذا الاختلاف والتنوع للحياة مظهر التجدد. ويبعدها عن التكرار والرتابة. ويمكّن من تنويع الانتاج الإنساني. ومن تكثير الصور الفكرية للموضوع الواحد. ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع ايجابياً ومفيداً مادام نابعاً عن تلك الفروق الفطرية. وعن التباين الموضوعي في البحث عن الحق، وبهذا فإن الاختلاف في حدوده الطبيعية، هو أصل الوحدة، ومنبع التقدم والتطور، وما علينا إلا ان ننزع من أذهاننا روح التشاؤم ونعمق روح الثقة بالعقل والإنسان عندئذ يصبح الحوار ـ ونحن مختلفون ـ ممكناً، ويصبح الاحترام المتبادل شرطاً لاستمرار هذا الحوار، فالاختلاف الذي يسمح به الشرع، هو نتيجة طبيعية ومنطقية لمشروعية الاجتهاد، لأنه من المستحيل القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها اختلاف أنظار المجتهدين.

ولكننا في الوقت الذي نعتبر فيه أن الاختلاف حالة طبيعية مرتبطة بالوجود الإنساني، نرفض الاختلاف المطلق أو ما يصطلح عليه بـ (الاختلاف من أجل الاختلاف)، لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار، ويبقى كل منها منغلقاً على ذاته رافضاً للآخر، كل منها يشكل عصبية لا تقبل التعايش والحوار، فهو صراع عصبوي حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف.

لذا فإننا نرفض هذه الأشكال من الاختلاف، لأنها تؤدي إلى الفوضى في النظام الاجتماعي العام، لأن الاختلاف بهذه الأشكال وبالعقلية التي تقف وراءه يفرز روح التشرذم والتشتت والتعصب، لأنهم يتشددون في تمسكهم بما تأدي إليه اجتهادهم، وما داموا يرون ان عندهم هو الحق الذي لا خلاف فيه، وان ما عند مخالفهم هو الباطل الذي لا خلاف فيه، وعلى أساسه يرسمون مواقع جديدة تستنزف جهودهم وطاقاتهم.

إذ يتصورون أن مخالفهم يجب أن يكون موضوع دعوتهم وإرشادهم، فيجعلون الأوكد من عملهم زحزحته عما هو عليه من رأي، هو ايضاً وليد اجتهاد ونتيجة نظر في الأدلة الشرعية. لذلك فليس المطلوب ان تتطابق وجهات نظرنا جميعاً في كل شيء ولكن المطلوب، هو بقاء التعاون واستمرار المحبة والود وألا نحسب اختلافنا في حقل من حقول الحياة إلى بقية الحقول والجوانب.

وينبغي التذكير في هذا المجال، بأنه لا يوجد مجتمع في التاريخ الإنساني لا تتعايش فيه رؤى وأيدلوجيات مختلفة ومتباينة، ذلك لأنه ينطوي بالضرورة على مصالح متغايرة ويمارس اختيارات مختلفة، ولكن التقدم والتطور، لا يكون إلا من نصيب المجتمع الذي استطاع أن يوجد علاقة ايجابية وحسنة ومتعايشة بين هذه الرؤى والمدارس الفكرية المختلفة، وعن طريق هذه العلاقة الايجابية، يحتضن المجتمع عناصر التقدم والتطور في مختلف الأبعاد والحقول.

وبهذه العملية تتحول الاختلافات إلى مصدر لتطوير ذاتيتنا الفردية والمجتمعية، وبهذا نغني ثقافتنا ونعيد توازننا النفسي والاجتماعي. فالاختلاف في حدوده الطبيعية ليس مرضاً يجب التخلص منه والقضاء عليه، بل هو محرك الأمم نحو الأفضل، مصدر ديناميتها. وهو يقود بالإدارة الحسنة إلى المزيد من النضج والوعي والتكامل.

فالوحدة ليست توحيداً قسرياً بين الناس، بل هي الاجابة الإنسانية الواعية عن السؤال.. التحدي: كيف تنجح الأمم في إدارة اختلافاتها. وتفقه أن تتعاون مع بعضها البعض دون أن تتطابق وجهات النظر في كل شيء؟!

اضف تعليق